محمد جواد الدمستانيمحمد جواد الدمستاني

Loading

اتقاء فتنة المدح و الثناء و الإطراء

«ربّ مفتون بحسن القول فيه»

«و كم مفتون بحسن القول فيه»

محمد جواد الدمستاني

قد يُفتتن و يُمتحن الإنسان بمدح الناس و ثنائهم عليه، و المبالغة في تضخيم صفاته، فيصدق ذلك و يبني عليه، و يؤثر على نفسه و شخصيته، و يدخله العُجب و الكِبر و الغرور و قد يتجرّأ على ارتكاب المعاصي، و في الافتتان بالمدح و الثناء روي عن أمير المؤمنين عليه السلام «رُبَّ مَفْتُونٍ بِحُسْنِ الْقَوْلِ فِيهِ»[1]، و «و كَمْ مِنْ مَفْتُونٍ بِحُسْنِ الْقَوْلِ فِيهِ»[2].

و المعنى كم من إنسان معجب و مغرم بحسن و جمال ما يُمتدح به من الثناء و الإطراء و ينخدع بكلام المادحين و يصدقهم و قد يصبح أسيرا لما يسمعه منهم و يبني عليه، و يزيد في افتتان و ابتلاء الممدوح قناعته بأقوال بالمادحين و أنّه حقا قد وصل إلى تلك الصفات و المدح التي يذكرونها مما لم يصل إليه أحد في الحكم أو العلم أو العبادة أو المقام و المنزلة.

و الحكمة نوع تحذير و تنبيه للممدوحين بحسن الكلام فيهم من الانخداع بالكلام المنمق و حث لعدم الاغترار به أو البناء عليه، و أن يكون الإنسان عارفا لحجمه و مقداره و لا يحتاج للتلميع و التطبيل كما يفعل كثير من الشعراء و المتملقون للحكام أو للوجهاء و أصحاب المسؤوليات و الرئاسات الأساسية أو الفرعية للمجتمعات و الأمم.

مشكلة الافتتان هذه منتشرة في هذا العالم فالنّاس تثني على شخص و تمدحه فيُفتتن و يُغرم بكلامهم و ينخدع حتى يؤثر هذا الافتتان عليه و يأنس به و يفرح لمدحهم له، و قد يؤدي ذلك إلى تغطية عيوبه و تجميد نفسه دون تحسين و يكتفي بما عنده من صفات و سلوك دون تطوير نفسه و تنمية مواهبه و مراجعة وضعه و مراقبته، و قد تتضخم فيه صفاته و شخصيته فيرى نفسه أكبر من نفسه الحقيقي.

و في الحكمة دعوة لعدم الاغترار بثناء الناس و مدحهم، و لا أن يعجب الإنسان بنفسه فيؤدي إلى ضرره أو هلاكه، و في الرواية عن النبي (ص) «اُحْثُوا فِي وُجُوهِ الْمَدَّاحِيَن التُّرَابَ»[3]، أي ارموا التراب في وجوههم، و ارفضوهم و لا تقبلوا مدحهم، بل ادفعوهم و لا تتهاونوا معهم.

و في نهج البلاغة روي عن أمير المؤمنين (ع) «لِرَجُلٍ أَفْرَطَ فِي الثَّنَاءِ عَلَيْهِ وَ كَانَ لَهُ مُتَّهِماً أَنَا دُونَ مَا تَقُولُ وَ فَوْقَ مَا فِي نَفْسِكَ»[4].

و يوصي عليه السلام بعدم سماع المدح و الإطراء الكاذب و الباطل، و في عهد الإمام (ع) لمالك الأشتر في نهج البلاغة «ثُمَّ رُضْهُمْ عَلَى أَلَّا يُطْرُوكَ، وَ لَا يَبْجَحُوكَ بِبَاطِلٍ لَمْ تَفْعَلْهُ، فَإِنَّ كَثْرَةَ الْإِطْرَاءِ تُحْدِثُ الزَّهْوَ وَ تُدْنِي مِنَ الْعِزَّةِ»[5]، رضهم و عوّدهم على ألا يطروك و يمدحوك، و لا يبجحوك و يجعلوك متكبرا متباهيا بعمل باطل لم تفعله، فإنّ كثرة الإطراء تحدث الكبر و الفخر و تدني أو تقلل العزة و النزاهة، فاحذر أن تقع ضحيتها.

و العاقل الفطن يتوقف عند مدح و ثناء الآخرين له و لا ينخدع به بل يزيده ذلك حذرا و يقظة، و أول ما يشعر الإنسان بأنّه يفرح لمدح و إطراء و تمجيد الآخرين فعليه أن يتوقف حالا و يسعى لتصحيح و إدارة الأمور قبل أن تنفلت منه فيصبح مستأنسا بأكاذيب الآخرين و تملقاتهم و يقع أسيرا في الافتتان و الانخداع.

كراهة المدح و الثناء مألوفة عند أهل المعرفة و البصيرة و قد رأينا مقطع فيديو مصور في بداية الثورة الاسلامية في إيران أي في ثمانينيات القرن الماضي و منشور على النت و فيه قام آية الله الشيخ المشكيني بمدح الإمام الخميني (ق.س.) مخاطبا إياه: أيها الإمام العظيم، و مرجع التقليد الأعظم للشيعة، و القائد العظيم للمسلمين، و ملجأ و مأوى المستضعفين في العالم، عليك منا سلام الله أبدا ما بقينا، فظلّ الإمام ساكتا ساكنا و حينما تحدّث عاتب الشيخ المشكيني على مدحه و إطرائه.

و المدح و الافتتان به مشكلة اجتماعية كبيرة بل مرض و هو أنّ بعض الناس وظيفتهم مدح النّاس كنوع من البضاعة يستأكلون بها، و يحصلون من ورائها أموالا من الممدوحين، و هذا في مواقع كثيرة و منها مواقع السياسيين و أصحاب المناصب فكثير منهم دون مؤهلات أو كفاءات و قدرات و لكنهم يصدّقون المادحين و المتملقين و المتزلفين و بعض الاعلاميين أو الإعلام الكاذب فيفتنون بهم، فهم «مَفْتُونون بِحُسْنِ الْقَوْلِ فِيهِم».

و كل حاكم ظالم طاغية مستبد في التاريخ حصل له من يزيّن فعله و يمدحه و يطريه، ثم يرضخ إلى أوهامه و تصوراته و يتعامل معها كحقائق، و قال الحاكم الأموي عبد الملك بن مروان حينما سأله الزهري يوما: «بلغني أنك شربت الطلاء! فقال: أي و الله و الدماء! و قال: عجبا للسلطان كيف يحسن و إذا أساء وجد من يزكيه و يمدحه»[6]، فمهما أساء الحاكم و الظالم و صاحب المال و النفوذ و ارتكب الجرائم فإنّه سيجد حوله من علماء السوء و البلاط و غيرهم من أصحاب المصالح و المتملقين و المتزلفين و الإعلاميين من يمدحه و يثني عليه، و يصوّب فعله و يشنّع على ضحاياه الأبرياء، و عبد الملك هذا سافك للدماء شارب للخمر و ناهي عن الأمر بالمعروف و قد قال: «والله لا يأمرني أحد بتقوى الله إلا ضربت عنقه»[7]، و أرسل جيشه بقيادة الحجاج لحرب ابن الزبير في مكة و ضرب الكعبة بالمنجنيق و قتَلَه و صلَبَه في مكة[8]، و أحد مخازيه تولية الحجاج الثقفي الذي فعل من الفضائع و القتل و سجن الأبرياء ما سوّد به التاريخ، و لكنهما و غيرهما من الطغاة حصلا من يزّين أفعالهم و يمدحهم على أعمالهم الشنيعة حين حكمهم و عصرهم و حتى هذا اليوم.

و من هذا الافتتان الألقاب التي يلقّب بها الحكام و المسؤولون و العلماء و الوجهاء و غيرهم ممن هم في واجهة المجتمع فكثيرا ما تُنسب لهم ألقاب و أوصاف ليسوا هم من أهلها و لكنهم يفرحون و يبتهجون بها و قد يصدقونها ظاهرا و يبنون عليها، و الصحيح هو الحذر الشديد و عدم الانخداع بتلك الفتنة من الألقاب و التسميات و الأوصاف غير الصادقة أو المبالغ فيها -و الاحتراز و الانتباه للصادقة منها- بل و صدّها و منع المادحين من استخدامها فذلك هو الصواب للإنسان عامة، و لأصحاب السير و السلوك و تزكية النفس خاصة.

و ليطلب المؤمن الرضا من الله و يراقب نفسه و يحاسب أعماله، و يبتعد عن تصديق الأكاذيب و المبالغات و لا يجعل ميزانه مدح النّاس له و الثناء عليه، فإنّهها لا تغنيه و لا تشفيه.

  1. – نهج البلاغة، حكمة 462، تمام نهج البلاغة، السيد صادق الموسوي، ص ١٤٩ (رُبَّ مَفْتُونٍ بِحُسْنِ الْقَوْلِ فيهِ، وَرُبَّ طَمَعٍ خَائِبٍ لأَمَلٍ كَاذِبٍ، وَرُبَّ رَجَاءٍ يُؤَدّي إِلَى الْحِرْمَانِ، وَرُبَّ تِجَارَةٍ تَؤُولُ إِلَى الْخُسْرَانِ).

  2. – نهج البلاغة، حكمة 116 (كَمْ مِنْ مُسْتَدْرَجٍ بِالْإِحْسَانِ إِلَيْهِ، وَ مَغْرُورٍ بِالسَّتْرِ عَلَيْهِ، وَ مَفْتُونٍ بِحُسْنِ الْقَوْلِ فِيهِ، وَ مَا ابْتَلَى اللَّهُ أَحَداً بِمِثْلِ الْإِمْلَاءِ لَهُ).

  3. – من لا يحضره الفقيه، ج ٤، الشيخ الصدوق، ص ١١، الأمالي، الشيخ الصدوق، ص ٥١٢

  4. – نهج البلاغة، حكمة 83

  5. – نهج البلاغة، كتاب 53 (وَ الْصَقْ بِأَهْلِ الْوَرَعِ وَ الصِّدْقِ ثُمَّ رُضْهُمْ عَلَى أَلَّا يُطْرُوكَ وَ لَا يَبْجَحُوكَ بِبَاطِلٍ لَمْ تَفْعَلْهُ فَإِنَّ كَثْرَةَ الْإِطْرَاءِ تُحْدِثُ الزَّهْوَ وَ تُدْنِي مِنَ الْعِزَّةِ).

  6. – محاضرات الأدباء ومحاورات الشعراء والبلغاء، الراغب الأصفهاني، ج١، ص٢٢٠، التذكرة الحمدونية، ابن حمدون، ج٣، ص ٢١٢، جواهر التاريخ، الشيخ علي الكوراني العاملي، ج3، ص ٤٩٦

  7. – الأوائل، أبي هلال العسكري، ص ٢٥٠، الفرج بعد الشدة، القاضي التنوخي، ج ١، ص ٢٠٤، جواهر التاريخ – الشيخ علي الكوراني العاملي،ج3، ص493

  8. – جواهر التاريخ – الشيخ علي الكوراني العاملي، ج3، ص 492

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *