Loading

بسم الله الرحمن الرحيم

التخلي، والتحلي، والتجلي

حديثنا اليوم عن المسير من عالم المادّة إلى عالم النور، عن تطهير القلب حتى يصبح مستقرًّا لتجلّي أنوار الحق.

إنها ثلاث مراحل عظيمة في السير والسلوك إلى الله تعالى:
التخلّي، والتحلّي، والتجلّي.

وهو مسير عمليّ سلكه الأنبياء والأولياء والعرفاء.
فلنتأمّل معًا هذه المراحل الثلاث، ونسأل أنفسنا: أين نحن منها؟

المحور الأول: التخلّي — بداية الطريق إلى أنوار الله تعالى

التخلّي يعني: التخلّص من كلّ ما يحجب العبد عن الله تعالى.
هو بمثابة التطهير قبل التزيّن، فلا يمكن للإنسان أن يقترب من الله وهو محمَّلٌ بالأدران النفسية والمعاصي والصفات المذمومة.

قال أمير المؤمنين (ع):

“القلوب أوعية، فخيرها أوعاها.”
فالوعاء لا بدّ من تطهيره، حتى يكون صالحًا لاحتواء العلم والحكمة والنور.

وقال تعالى:

“قد أفلح من زكّاها، وقد خاب من دسّاها”
(سورة الشمس: 9)

يشمل التخلّي:
1. ترك الذنوب والمعاصي، لأنها تُظلم القلب وتحجب الإنسان عن نور الله.
قال الإمام الصادق (ع):
“ما من شيء أفسد للقلب من الخطيئة، فما تزال به حتى تغلب عليه، فيصير أعلاه أسفله.”
2. التخلّي عن حبّ الدنيا والتعلّق بها.
قال أمير المؤمنين (ع):
“الدنيا جيفة، وطلابها كلاب.”
3. التخلّي عن الصفات السيئة: الكِبر، الحسد، الرياء، البخل، سوء الظن، النميمة، الغيبة، الكذب، الغش، الحرص، الحقد…
فهذه كلها موانع تمنع نور الله من دخول القلب.

إنه جهاد النفس، وهو الجهاد الأكبر، كما قال النبي (ص):

“رجعنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر.”
قيل: وما الجهاد الأكبر؟
قال (ص): “جهاد النفس.”

المحور الثاني: التحلّي — التزيّن بصفات أهل الله

بعد التخلّص من الذنوب، يأتي التحلّي، وهي مرحلة التزيّن بالفضائل والأخلاق الحسنة.

قال تعالى:

“إن أكرمكم عند الله أتقاكم.”
(سورة الحجرات: 13)

من صفات التحلّي:
• التواضع: بعد التخلّص من الكبر.
• الإخلاص: بعد التخلّص من الرياء.
• حبّ الله: بعد التخلّص من حبّ الدنيا.
• الصبر، التقوى، قراءة القرآن، المناجاة، والإكثار من الأعمال الصالحة.

أنصح بقراءة خطبة المتقين في “نهج البلاغة”، ففيها وصف عظيم لأهل التحلّي الحقيقي.

المحور الثالث: التجلّي — نور الله في القلب

إذا تخلّى العبد عن الرذائل، وتحلّى بالفضائل، فإنه يصل إلى مرحلة التجلّي، حيث يتجلّى نور الله في قلبه.

قال تعالى:

“الله نور السماوات والأرض…”
(سورة النور: 35)

وقال الإمام الصادق (ع):

“إذا تطهّرت قلوبكم، تجلّى لكم النور.”

هذا يعني أن الحقائق الإلهية تنكشف لقلب المؤمن، ويصبح القلب كالمشكاة التي فيها مصباح، ينير ما حوله.

قال تعالى:

“مثل نوره كمشكاة فيها مصباح…”
(سورة النور: 35)

ويصل العبد إلى درجة لا يرى فيها نفسه، بل يرى الله في كلّ شيء.
كما قال أمير المؤمنين (ع):

“ما رأيتُ شيئًا إلا ورأيتُ الله قبله، وبعده، ومعه.”

عند هذه المرحلة، يصبح قلب العبد مرآةً تعكس أنوار الله عزّ وجل، ويشعر بالقرب الإلهي، ويغمره نور البصيرة، والسلام الداخلي، والطُمأنينة.

الختام:

فلنسأل أنفسنا:
أين نحن من هذه المراحل؟ هل بدأنا رحلتنا نحو أنوار الله تعالى؟

نسأل الله أن يجعلنا من السائرين إلى نوره، العاملين على تزكية أنفسنا، الواصلين إلى حضرته.

والحمد لله رب العالمين،
وصلى الله على سيدنا محمد وآله الطيبين الطاهرين.

بقلم:
السيد مصطفى مرتضى
(أهدي هذا المقال إلى من أُكنّ له كل الاحترام من أعماق قلبي)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *