محمد جواد الدمستانيمحمد جواد الدمستاني

Loading

« بعد اللّتيا و الّتي»

لا جزع من الموت بل هو أُنْس

محمد جواد الدمستاني

وردت في الخطبة الخامسة من نهج البلاغة عبارة «بَعْدَ اللَّتَيَّا و الَّتِي» و فيها قال الإمام عليه السلام «هَيْهَاتَ! بَعْدَ اللَّتَيَّا و الَّتِي واللَّهِ لَابْنُ أَبِي طَالِبٍ آنَسُ بِالْمَوْتِ مِنَ الطِّفْلِ بِثَدْيِ أُمِّه»

[1].

و هذا الكلام جزء من خطبة قالها أمير المؤمنين عليه السلام بعد رحيل رسول الله (ص) أولها: أَيُّهَا النَّاسُ شُقُّوا أَمْوَاجَ الْفِتَنِ بِسُفُنِ النَّجَاةِ، و فيها: «فَإِنْ أَقُلْ يَقُولُوا حَرَصَ عَلَى الْمُلْكِ وَ إِنْ أَسْكُتْ يَقُولُوا جَزِعَ مِنَ الْمَوْتِ هَيْهَاتَ بَعْدَ اللَّتَيَّا وَ الَّتِي وَ اللَّهِ لَابْنُ أَبِي طَالِبٍ آنَسُ بِالْمَوْتِ مِنَ الطِّفْلِ بِثَدْيِ أُمِّهِ بَلِ انْدَمَجْتُ عَلَى مَكْنُونِ عِلْمٍ لَوْ بُحْتُ بِهِ لَاضْطَرَبْتُمْ اضْطِرَابَ الْأَرْشِيَةِ فِي الطَّوِيِّ الْبَعِيدَةِ»[2].

اللتيّا تصغير (التي) كما أنّ اللَّذيا تصغير (الَّذي) و هو مثل يضرب لأمرين داهيتين إحداها أدهى من الأخرى، و هيهات: اسم فعل ماضٍ بمعنى بَعُدَ.

و المعنى هنا بَعُدَ جزعي من الموت بعد أن خضت الأهوال و الشدائد، كبارها و صغارها و المواقف الصعبة و المشاكل الضخمة و الدواهي العظيمة.

و قيل أصل المثل فيه أنّ رجلا تزّوج امرأة قصيرة ضئيلة الخلقة فقاسى منها شدائد فطلَّقها، ثم تزوّج طويلة فقاسى منها أضعاف ذلك فطلَّقها، فقيل له ألا تتزوج؟! فقال: بعد اللَّتيا و الَّتى، لا أتزوّج أبدا، فكنّى بهما عن الشدائد المتتالية أو المتعاقبة.

و قد يستعمل أو يضرب المثل «بعد اللتيا و الّتي» الآن لبيان إكمال المهمات أو إنجاز الأعمال بعد مراحل صعبة و شاقة و متعددة و معاناة كبيرة و صغيرة، مثل: بعد اللّتيا و الّتي حصلت على الدكتوراة، بعد سنوات و بعد اللّتيا و الّتي أكملت بناء البيت، أو بعد اللّتيا و الّتي تم تحرير البلد، أو تم إكمال المشروع أو المصنع أو الشركة بعد اللّتيا و الّتي، في جميعها المعنى هو بعد جهد كبير و تعب كثير و مشاق صعبة تم إنجاز العمل و الانتهاء منه.

و جاءت جملة – اللتيا و الّتي – في خطبة سيدة نساء العالمين فاطمة الزهراء عليها السلام المعروفة بالخطبة الفدكية، قالت الزهراء (ع): «(وَكُنْتُمْ عَلى شَفا حُفْرَةٍ مِنَ النّارِ)[3]، مُذْقَةَ الشّارِبِ، وَ نُهْزَةَ الطّامِعِ، وَ قُبْسَةَ الْعَجْلانِ، وَ مَوْطِئَ الأقْدامِ، تَشْرَبُونَ الطّرْقَ، وَ تَقْتاتُونَ الْوَرَقَ، أذِلَّةً خاسِئِينَ، «تَخافُونَ أنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ»[4] مِنْ حَوْلِكُمْ فَأنْقَذَكُمُ اللهُ تَبارَكَ وَ تَعالى بِمُحَمَّدٍ صَلى الله عليه و آله بَعْدَ اللّتَيّا وَالَّتِي وَ بَعْدَ أنْ مُنِيَ بِبُهَمِ الرِّجالِ وَ ذُؤْبانِ الْعَرَبِ وَ مَرَدَةِ أهْلِ الْكِتابِ،..»[5].

و الإمام عليه السلام كان دافع عن رسول الله (ص) منذ صغره، و بات على فراش الرسول ليلة الهجرة تضحية و فداء بكل شجاعة، ثم خرج من مكة متحديا قريش و معه الفواطم، و اشترك في حروب رسول الله (ص) و كان بطل الإسلام، و الكتب التاريخية تذكر تفاصيل الحروب و المواقف البطولية التي خاضها أمير المؤمنين (ع) فيها.

و في معركة بدر التي استشهد فيها 14 من المؤمنين، و قتل 70 من المشركين، و أسر 70 آخرين، كان للإمام (ع) النصيب الأكبر من قتلى المشركين، و ذُكر أنّه قتل نصف المشركين و اشترك في النصف الآخر، و تفرق عدد كبير من المشركين في الصحارى و الوديان، بانتظار الليل ليهربوا من قبضة المسلمين، فكان علي (ع) بطل المعركة، و كانت من الشدائد.

و في معركة أحد بقي مع رسول الله مدافعا مع قلة قليلة و فر الباقون، فكان (ع) يدافع عن النبي (ص) و يفرق كتائب المشركين التي كانت تقصدهم، و قد أصيب بجراحٍ كثيرة، قيل أنها نيف و ستون جراحة، من طعنة و رمية و ضربة، فجعل رسول الله (ص) يمسحها و هي تلتئم كأن لم تكن، ثم سمع منادٍ من السماء:لا سيف إلا ذو الفقار و لا فتى إلا عليّ

و كان بطل المعركة، و كانت من الشدائد.

و في معركة الخندق أو الأحزاب برز إلى عمرو ابن ودّ العامري بعد أن امتنع المسلمون، و قتله و هرب من كان مع عمرو، و قتل نوفل بن عبد الله الذي حوصر في إحدى ممرات الخندق و انتهت المعركة، وكفى الله المؤمنين القتال، فكانت معركة علي و هو الإيمان كله كما قال النبي (ص) حين برز الإمام (ع) لعمرو « بَرَزَ الْإِيمَانُ كُلُّهُ إِلَى الشِّرْكِ كُلِّهِ»[6]، و أنّ ضربته أفضل من عبادة الثقلين[7]، و كان هو البطل و هو المعركة و الحرب، فهذه من الشدائد.

و في معركة خيبر صنع النصر و قتل رؤساء القوم و اقتلع الباب و فتح الحصن و جعل يقاتل حتى فتح الله على يده، فكان هو بطل المعركة و هذه من الشدائد.

و كذلك في بقية حروب رسول الله (ص) كان الإمام علي (ع) بطل الحروب، و قام الدين بسيفه سلام الله عليه، فلا يقال له جزع من الموت، و هذه المواقف و غيرها من المعارك و الشدائد صغيرها و كبيرها هي التي يعنيها الإمام (ع) بقوله «بعد اللّتيا و الّتي».

فهو عليه السلام لا يجزع من الموت بل يأنس به، بل «آنَسُ بِالْمَوْتِ مِنَ الطِّفْلِ بِثَدْيِ أُمِّه»[8]، و كان قد نادى حين ضُرب (ع) مباشرة و استشهد: «فُزتُ ورَبِّ الكَعبَةِ»، و لأنسه و سعادته بالموت في مرضاة اللَّه بات على فراش رسول اللَّه ليلة الهجرة دون أية مخاوف.

بل أمير المؤمنين عليه السلام هو نموذج الشجاعة و البطولة، و قد تكرر معنى أنسه (ع) و عدم خشيته من الموت في خطب و مقامات أخرى، قال (ع) «ايهنوا فوالله لابن أبي طالب آنس بالموت من الطفل إلى محالب أمه، هبلتكم الهوابل»[9]، و تعبيرا عن شجاعته عليه السلام قال (ع): «إِنِّي وَ اللَّهِ لَوْ لَقِيتُهُمْ وَاحِداً وَ هُمْ طِلَاعُ الْأَرْضِ كُلِّهَا مَا بَالَيْتُ وَ لَا اسْتَوْحَشْتُ»[10]، و قال (ع): «وَ اللَّهِ لَوْ تَظَاهَرَتِ الْعَرَبُ عَلَى قِتَالِي لَمَا وَلَّيْتُ عَنْهَا، وَ لَوْ أَمْكَنَتِ الْفُرَصُ مِنْ رِقَابِهَا لَسَارَعْتُ إِلَيْهَا»[11].

هو أمير المؤمنين (ع) ولي الله و أمينه في أرضه و حجّته على عباده، حامل لواء الحمد، لا يهاب الموت و لا يخشى الحرب، و لا يرتضي نومة الفراش كما يعبر في رواية في نهج البلاغة، قال عليه السلام «إِنَّ أَكْرَمَ الْمَوْتِ الْقَتْلُ، وَ الَّذِي نَفْسُ ابْنِ أَبِي طَالِبٍ بِيَدِهِ لَأَلْفُ ضَرْبَةٍ بِالسَّيْفِ أَهْوَنُ عَلَيَّ مِنْ مِيتَةٍ عَلَى الْفِرَاشِ»[12].

و مثله ماقاله الإمام الحسين (ع) عن أصحابه ليلة عاشوراء: «والله لقد بلوتهم، فما وجدت فيهم إلا الأشوس الأقعس يستأنسون بالمنية دوني استيناس الطفل إلى محالب أمه»[13].

  1. – نهج البلاغة، خطبة 5

  2. – المصدر السابق

  3. – سورة آل عمران، آية 103

  4. – سورة الأنفال، آية 26

  5. – شرح الأخبار، القاضي النعمان المغربي، ج ٣، ص ٣٥، مناقب علي بن أبي طالب ( ع ) وما نزل من القرآن في علي ( ع )، أحمد بن موسى ابن مردويه الأصفهاني، ص ٢٠٢، تلخيص الشافي، الشيخ الطوسي، ج ٣، ص ١٤١، التذكرة الحمدونية، ابن حمدون، ج٦، ص٢٥٦، مقتل الحسين ( ع )، الموفق الخوارزمي، ج ١، ص ١٢٢، الاحتجاج، أحمد بن علي الطبرسي، ج ١، ص ١٣٥

  6. – العثمانية، الجاحظ، ص ٣٢٤، الرسالة العلوية في فضل أمير المؤمنين ( ع ) على سائر البرية (التفضيل)، أبي الفتح الكراجكي، ص ٦٧، كنز الفوائد، أبي الفتح الكراجكي، ج ١، ص ٢٩٧

  7. – إقبال الأعمال ( ط . ق )، السيد ابن طاووس، ص ٤٦٧ (إنَّ النَّبِيَّ (ص) قَالَ لَضَرْبَةُ عَلِيٍّ لِعَمْرِو بْنِ عَبْدِ وُدٍّ أَفْضَلُ مِنْ عَمِلِ أُمَّتِي إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، و في حديث آخر لَضَرْبَةُ عَلِيٍّ يَوْمَ الْخَنْدَقِ أَفْضَلُ مِنْ عِبَادَةِ الثَّقَلَيْنِ)

  8. – نهج البلاغة، خطبة 5

  9. – الاحتجاج، أحمد بن علي الطبرسي، ج ١، ص ١٢٨

  10. – نهج البلاغة، كتاب 62

  11. – نهج البلاغة، كتاب 45

  12. – نهج البلاغة، خطبة 123

  13. – مقتل الحسين ( ع )، عبد الرزاق المقرم، ص ٢٢٦

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *