محمد جواد الدمستانيمحمد جواد الدمستاني

Loading

خطورة الحسد على الإيمان و تأثيراته السلبية

«لا تحاسدوا فإنّ الحسد يأكل الإيمان كما تأكل النّار الحطب»

محمد جواد الدمستاني

حول الحسد و آثاره المباشرة روي عن أمير المؤمنين عليه السلام في نهج البلاغة: «وَ لَا تَحَاسَدُوا فَإِنَّ الْحَسَدَ يَأْكُلُ الْإِيمَانَ كَمَا تَأْكُلُ النَّارُ الْحَطَبَ»[1].

و الحكمة و التعليل متكرر في رواياتهم عليهم السلام، و يروى عن النبي (ص) «وَ لَا تَتَحَاسَدُوا، فَإِنَّ الْحَسَدَ يَأْكُلُ‏ الْإِيمَانَ‏ كَمَا تَأْكُلُ النَّارُ الْحَطَبَ الْيَابِسَ»[2].

و عن الإمام الصادق (ع) قال: «إِنَّ اَلصِّيَامَ لَيْسَ مِنَ اَلطَّعَامِ وَ اَلشَّرَابِ وَحْدَهُ، إِنَّ مَرْيَمَ عَلَيْهَا اَلسَّلاَمُ قَالَتْ: «إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمٰنِ صَوْماً»[3] أَيْ صَمْتاً فَاحْفَظُوا أَلْسِنَتَكُمْ، وَ غُضُّوا أَبْصَارَكُمْ، وَ لاَ تَحَاسَدُوا وَ لاَ تَنَازَعُوا فَإِنَّ اَلْحَسَدَ يَأْكُلُ اَلْإِيمَانَ كَمَا تَأْكُلُ اَلنَّارُ اَلْحَطَبَ»[4].

و الحكمة نهىّ عن الحسد و هو أن يتمنى الشخص زوال النعمة من ذوي النعمة و حصولها له، أو أنّ شخصا يصيبه اغتمام و حزن و اكتراب دون أن تكون عليه مضرة بسبب أنّ شخصا آخر حصل على خير أو نعمة أو توفيق معين و يتمنى زواله.

و المراد من الحكمة هو الابتعاد عن الحسد لما له من آثار سلبية مضرة على الإنسان نفسه متعددة الأوجه و على المجتمع لما يفسده من علاقات في المجتمع الواحد.

و الحسد مضرّ بالنفس و مضرّ بالجسد أما النفس فلأنّه يشغلها و يذهلها و يغرق فكرها و تفكيرها بالاهتمام بأمر المحسود و يسبب لها آلام، و أما الجسد فلأنّه تظهر للحاسد عند الحسد و انشغال فكره بالمحسود أعراض نفسية تؤثر على جسمه مثل طول السهر وسوء التغذية و تعكير المزاج، و في نهج البلاغة أيضا «صِحَّةُ الْجَسَدِ مِنْ قِلَّةِ الْحَسَدِ»[5]، فإذا زاد الحسد مرض الجسد، و كذلك يروى عنه (ع) «الْحَسَدُ يُذِيبُ الْجَسَدَ»[6]، فالحسد يؤثر و يضّر بالجسد.

و استعار الإمام (ع) لفظ الأكل «الحَسَدُ يَأْكُلُ الإيمانَ» و شبّهه بأكل النّار للحطب «كَمَا تَأْكُلُ النَّارُ الْحَطَبَ»، فالحسد يأكل أو يلتهم الإيمان بسرعة و شدة و ينهيه من قلب الحاسد، و النّار تأكل أو تلتهم الحطب بسرعة و شدة في مدة قليلة و تنهيه، و المعنى أنّ الحسد موجب سريع لحبط الأعمال و محو الحسنات و لعل ذلك لما في الإيمان من الرضا و التسليم و الحاسد خلاف ذلك حيث أنّ حَسَده نوع من عدم القبول بإرادة الله و اعتراض على عطائه لخلقه و سخط لنعمه و صدّ لقسمه و هو مناقض للتسليم و الرضا و القبول، و في الحديث القدسي قال الله عزّ وجلّ لموسى بن عمران (ع): «يَا ابْنَ عِمْرَانَ لَا تَحْسُدَنَّ النَّاسَ عَلَى مَا آتَيْتُهُمْ مِنْ فَضْلِي، و لَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى ذَلِكَ، و لَا تُتْبِعْه نَفْسَكَ، فَإِنَّ الْحَاسِدَ سَاخِطٌ لِنِعَمِي صَادٌّ لِقَسْمِيَ الَّذِي قَسَمْتُ بَيْنَ عِبَادِي ومَنْ يَكُ كَذَلِكَ فَلَسْتُ مِنْه و لَيْسَ مِنِّي»[7].

و في الرواية عن الإمام الصادق (ع) و أولها و آخرها نهي عن الحسد، فلا يحسد بعضكم بعضا، و لا يرغب بعضكم زوال النعمة من الآخرين، قال الراوي: «سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّه (ع) يَقُولُ: اتَّقُوا اللَّه و لَا يَحْسُدْ بَعْضُكُمْ بَعْضاً إِنَّ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ كَانَ مِنْ شَرَائِعِه السَّيْحُ فِي الْبِلَادِ، فَخَرَجَ فِي بَعْضِ سَيْحِه و مَعَه رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِه قَصِيرٌ، و كَانَ كَثِيرَ اللُّزُومِ لِعِيسَى (ع) فَلَمَّا انْتَهَى عِيسَى إِلَى الْبَحْرِ قَالَ: بِسْمِ اللَّه بِصِحَّةِ يَقِينٍ مِنْه فَمَشَى عَلَى ظَهْرِ الْمَاءِ، فَقَالَ الرَّجُلُ الْقَصِيرُ حِينَ نَظَرَ إِلَى عِيسَى(ع) جَازَه بِسْمِ اللَّه بِصِحَّةِ يَقِينٍ مِنْه فَمَشَى عَلَى الْمَاءِ و لَحِقَ بِعِيسَى (ع) فَدَخَلَه الْعُجْبُ بِنَفْسِه فَقَالَ هَذَا عِيسَى رُوحُ اللَّه يَمْشِي عَلَى الْمَاءِ و أَنَا أَمْشِي عَلَى الْمَاءِ فَمَا فَضْلُه عَلَيَّ، قَالَ فَرُمِسَ فِي الْمَاءِ فَاسْتَغَاثَ بِعِيسَى فَتَنَاوَلَه مِنَ الْمَاءِ فَأَخْرَجَه ثُمَّ قَالَ لَه مَا قُلْتَ يَا قَصِيرُ، قَالَ: قُلْتُ هَذَا رُوحُ اللَّه يَمْشِي عَلَى الْمَاءِ و أَنَا أَمْشِي عَلَى الْمَاءِ فَدَخَلَنِي مِنْ ذَلِكَ عُجْبٌ، فَقَالَ لَه عِيسَى لَقَدْ وَضَعْتَ نَفْسَكَ فِي غَيْرِ الْمَوْضِعِ الَّذِي وَضَعَكَ اللَّه فِيه فَمَقَتَكَ اللَّه عَلَى مَا قُلْتَ فَتُبْ إِلَى اللَّه عَزَّ وجَلَّ مِمَّا قُلْتَ، قَالَ فَتَابَ الرَّجُلُ و عَادَ إِلَى مَرْتَبَتِه الَّتِي وَضَعَه اللَّه فِيهَا فَاتَّقُوا اللَّه ولَا يَحْسُدَنَّ بَعْضُكُمْ بَعْضاً»[8].

و إشارة إلى النتائج الكارثية للحسد على الحاسد على مختلف المستويات ما روي عن أمير المؤمنين (ع) قوله «اسْوَأُ النَّاسِ عَيْشاً الْحَسُود»[9]، و «لَا رَاحَةَ لِحَسُودٍ»[10]، و «الْحَسَدُ شَرُّ الْامْرَاض»[11]، الحسد مرض بل هو شر الأمراض، فالحسد له آثاره السلبية النفسية و الجسدية، و التأثيرات الأخرى التي تنعكس على المجتمع فإنّ المجتمع الذي تنتشر فيه ظواهر الحسد مجتمع عليل.

و من الآثار السلبية المتعددة للحسد هو الدخول في الذنوب و في نهج البلاغة أيضا «وَ الْحِرْصُ وَ الْكِبْرُ وَ الْحَسَدُ دَوَاعٍ إِلَى التَّقَحُّمِ فِي الذُّنُوبِ»[12]، و التَّقَحُّم في الذنوب يعني الدخول بسرعة بالذنوب و المصدر اقتحام، و الحسد داع إلى الظُلم، و إلى الكذب، و إلى الفساد في الأرض و غيرها من الذنوب.

و الفارق بين الحَسَد و الغِبْطَة هو أنّه في الحسد يتمنى الحاسد زوال النعمة عن غيره و تحولها اليه خاصة، أو مجرد تمني سلب النعمة من غيره، فالحاسد يتمنى الخير لنفسه فقط و لا يرضى بما قسم الله له و لغيره فيتمنى زوال النعم عن غيره، و هو معنى سلبي، و أما الغِبْطَةُ فهي رغبة أن تكون النعمة التي يراها الإنسان في غيره أن تكون عنده مثل الآخر، دون أن يتمنى زوالها من الغير، و هو معنى إيجابي، و روي عن أمير المؤمنين (ع) «إنَّ الْمُؤْمِنَ يَغْبِطُ وَ لَا يَحْسُدُ، وَ الْمُنَافِقُ يَحْسُدُ وَ لَا يَغْبِطُ»[13].

و عوض الحسد أن يتصف الإنسان بالرضا و التسليم بما قسم الله له من رزق و نعم و «مَنْ رَضِىَ بِحَالِهِ لَمْ يَعْتَوِرَهُ الْحَسَد»[14]، و الدعاء و سؤال الله سبحانه و تعالى من نعمه و فضله، و الدعاء للآخرين، و التزام التقوى، فــ «مَنِ اتَّقَى قَلْبُهُ لَمْ يَدْخُلْهُ الْحَسَدُ»[15]، و اليقين بأنّ الغنى ليس بالضرورة أن يكون لصالح الإنسان، قال تعالى: «إِنَّ الْإِنسَانَ لَيَطْغَىٰ ‎أَن رَّآهُ اسْتَغْنَىٰ»[16]، و ربما يرغب الإنسان في أمر و هو لغير صالحه و نفعه في الحقيقة «وَعَسَىٰ أَن تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ»[17].

و إذا ابتلي بالحسد فلا يبغي و لا يستخدم حسده ليكون مقدمة للذنوب، و لا يعمل لزوال النعمة أو بالتنقيص لأهلها و الحط من شأنهم، و عن النبي (ص) «اذَا حَسَدْتَ فَلَا تَبْغِ»[18]، و أمير المؤمنين (ع) «إنَّ الْمُؤْمِنَ لَا يَسْتَعْمِلُ حَسَدَهُ»[19]، و ليسعى جادا للتخلص منه.

و نختم بسورة النّاس و التعوّذ من شرّ الحسد، بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ ‎ مِن شَرِّ مَا خَلَقَ ‎ وَمِن شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ ‎ وَمِن شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ وَمِن شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ.

  1. – نهج البلاغة، خطبة 86

  2. – قرب الاسناد، الحميري القمي، ص ٢٩، بحار الأنوار، العلامة المجلسي، ج٧٠، ص٢٥٤ َ

  3. – سورة مريم، آية 26

  4. – الکافي، الكليني، ج4، ص89، من لا یحضره الفقیه، الشيخ الصدوق، ج2، ص108، تحف العقول عن آل الرسول ( ص )، ابن شعبة الحراني، ص ٣٦٣ (إِنَّ اَلصِّيَامَ لَيْسَ مِنَ اَلطَّعَامِ وَ لاَ مِنَ اَلشَّرَابِ وَحْدَهُ..)، وسائل الشیعة، الحر العاملي، ج10، ص 163، بحار الأنوار، العلامة المجلسي، ج75، ص 245

  5. – نهج البلاغة، حكمة 256

  6. – غرر الحكم ودرر الكلم، عبد الواحد الآمدى التميمي، ص ٥٤، عيون الحكم والمواعظ، علي بن محمد الليثي الواسطي، ص ٢٣

  7. – الكافي، الشيخ الكليني، ج2، ص307

  8. – الكافي، الشيخ الكليني، ج٢، ص٣٠٦

  9. – غرر الحكم ودرر الكلم، عبد الواحد الآمدى التميمي، ص ١٨٩، عيون الحكم والمواعظ، علي بن محمد الليثي الواسطي، ص ١١٤

  10. – غرر الحكم ودرر الكلم، عبد الواحد الآمدى التميمي، ص ٨٢٤، عيون الحكم والمواعظ، علي بن محمد الليثي الواسطي، ص ٥٣١

  11. – غرر الحكم ودرر الكلم، عبد الواحد الآمدى التميمي، ص ٢٩، عيون الحكم والمواعظ، علي بن محمد الليثي الواسطي، ص ٣٩

  12. – نهج البلاغة، حكمة 371

  13. – الكافي، الشيخ الكليني، ج2، ص307

  14. – غرر الحكم ودرر الكلم، عبد الواحد الآمدى التميمي، ص ٦٠١، عيون الحكم والمواعظ، علي بن محمد الليثي الواسطي، ص ٤٥٤

  15. – غرر الحكم ودرر الكلم، عبد الواحد الآمدى التميمي، ص ٥٩١، عيون الحكم والمواعظ، علي بن محمد الليثي الواسطي، ص ٤٣١

  16. – سورة الإنسان، آية 6-7

  17. – سورة البقرة، آية 216

  18. – تحف العقول عن آل الرسول (ص)، ابن شعبة الحراني، ص ٥٠

  19. – الكافي، الشيخ الكليني، ج٨، ص ١٠٨

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *