محمد جواد الدمستانيمحمد جواد الدمستاني

Loading

الاستعداد للرحيل قبل فوات الأوان فإنّ الزمن سريع

«فإنّ غدا من اليوم قريب»

محمد جواد الدمستاني

إنّ الوقت سريع و المستقبل قريب مهما كان بعيدا و سيأتي و الإنسان مقبل على الموت فليستعدّ له من الآن دون تسويف و تأخير، و قد روي عن أمير المؤمنين عليه السلام «فَإِنَّ غَداً مِنَ الْيَوْمِ قَرِيبٌ»[1]، من خطبة له (ع) في نهج البلاغة و فيها «فَإِنَّ غَداً مِنَ الْيَوْمِ قَرِيبٌ، مَا أَسْرَعَ السَّاعَاتِ فِي الْيَوْمِ، وَ أَسْرَعَ الْأَيَّامَ فِي الشَّهْرِ، وَ أَسْرَعَ الشُّهُورَ فِي السَّنَةِ، وَ أَسْرَعَ السِّنِينَ فِي الْعُمُرِ»[2].

و هذا تحذير من الساعة و قربها، «فَإِنَّ غَداً» أي يوم القيامة أو يوم الممات، «مِنَ الْيَوْمِ قَرِيبٌ» و اليوم هو مدّة الحياة أو هذه اللحظة و اليوم من الحياة الدّنيا، و قال (ع) في مقام آخر: «أَلَا وَ إِنَّ الْيَوْمَ الْمِضْمَارَ وَ غَداً السِّبَاقَ»[3].

و معنى الحكمة «فإنّ غدا من اليوم قريب» مستقل دون السياق مطلق و يعني أنّ الغد بما فيه كل زمن المستقبل ليس بعيدا بل هو قريب، فالزمن يمر و هو مستمر لا توقف له، و «كلّ آت قريب»[4]، و المراد هو الحث على تسريع الأعمال و عدم تسويفها فإذا كان الغد قريبا فلا داعي للتأخير و التأجيل لأنّ الأحداث تتجدد و تتسارع و حتى الموت ينزل دون إنذار أو إخبار و يقال «لا تؤجل عمل اليوم إلى الغد».

و تعني ضرورة التحلي بالمسؤولية و عدم الإهمال لأنّ عواقب الأمور ستأتي، و أنّ عدم العمل و التقصير سيتبعه ندم و أسف، و تحتمل الحكمة الصبر على الشدائد و النوائب فإنّهما و زمنهما سيمران.

و أما الحكمة في سياق النص و هي المرادة فإنّها ناظرة إلى سرعة انقضاء العمر و مجيء الموت و القيامة و الآخرة و ضرورة التهيؤ لها، قال (ع): «فَسَابِقُوا رَحِمَكُمُ اللَّهُ إِلَى مَنَازِلِكُمُ الَّتِي أُمِرْتُمْ أَنْ تَعْمُرُوهَا، وَ الَّتِي رَغِبْتُمْ فِيهَا، وَ دُعِيتُمْ إِلَيْهَا، وَ اسْتَتِمُّوا نِعَمَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ بِالصَّبْرِ عَلَى طَاعَتِهِ وَ الْمُجَانَبَةِ لِمَعْصِيَتِهِ، فَإِنَّ غَداً مِنَ الْيَوْمِ قَرِيبٌ، مَا أَسْرَعَ السَّاعَاتِ فِي الْيَوْمِ وَ أَسْرَعَ الْأَيَّامَ فِي الشَّهْرِ وَ أَسْرَعَ الشُّهُورَ فِي السَّنَةِ وَ أَسْرَعَ السِّنِينَ فِي الْعُمُرِ»[5].

و هي دعوة و حث إلى التسابق و التنافس إلى منازل و مقامات الدار الآخرة التي أنتم مأمورون بتعميرها بمقدمات من الطاعات و العبادات و التقوى تعملونها في عالم الدّنيا، هذه المنازل التي ترغبونها و تشتهونها و تطمحون فيها و دُعيتم إليها، و لتكونوا بإيمانكم على قدر هذه الرغبة و الدعوة، و أكملوا و أتّموا نعم الله التي لا تحصى عليكم بالصبر على الطاعة من عبادة و صلاة و جهاد و أعمال صالحة و البعد عن المعصية «فَإِنَّ غَدًا مِنَ الْيَوْمِ قَرِيبٌ»[6]، فالموت و القيامة قريبة لكم، و «مَنْ مَاتَ فَقَدْ قَامَتْ قِيَامَتُهُ»[7]، فدعوا التسويف جانبا و بادروا إلى العمل فإنّ الموت قريب و الزمن سريع و الحياة قصيرة فانتبهوا عن الغفلة و عدّوا العدّة و تهيؤا للرحيل قبل حلول الأجل، فليعمل المؤمن «كأنّه يموت غدا»[8].

و قال (ع): «مَا أَسْرَعَ السَّاعَاتِ فِي الْيَوْمِ، وَ أَسْرَعَ الْأَيَّامَ فِي الشَّهْرِ، وَ أَسْرَعَ الشُّهُورَ فِي السَّنَةِ، وَ أَسْرَعَ السِّنِينَ فِي الْعُمُرِ»[9]، أي أنّ الساعات سريعة المجيء والانقضاء، و سرعتها تعني سرعة انقضاء اليوم، و يعني سرعة انقضاء الشهر، ثم السنة، و يستلزم سرعة انقضاء العمر و مجيء الموت ثم القيامة و الآخرة.

و قال (ع) في نهج البلاغة «فَسُبْحَانَ اللَّهِ مَا أَقْرَبَ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ لِلَحَاقِهِ بِهِ»[10]، فالأحياء يموتون و يلتحقون بالأموات في عالم البرزخ في زمن قصير، فيجب أن يتهيأ الإنسان للموت و هو قريب لسرعة مرور الزمن.

و الحكمة بها حث و دعوة إلى الحرص على الوقت و عدم اهداره و اغتنام فرصة العمر، و في الرواية عن رسول الله (ص): «كُنْ عَلى عُمرِكَ أشَحَّ مِنكَ عَلى دِرْهَمِكَ ودينارِكَ»[11].

في غرر الحكم و درر الكلم روي عن أمير المؤمنين (ع) «إِنَّ اللَّيْلَ وَ النَّهَارَ يَعْمَلَانِ فِيكَ فَاعْمَلْ فِيهِمَا وَ يَأْخُذَانِ مِنْكَ فَخُذْ مِنْهُمَا»[12].

و في جمهرة الأمثال ذكر «فإن غدا لناظره قريب»[13]، و هو مثل يضرب لمن حرم مراده اليوم فوعده في غده، و هو شطر بيت شعر:

فإن يك صدر هذا اليوم ولى فإن غدا لناظره قريب

و غدا هنا هو المستقبل القريب الذي يلي الوقت و اليوم الحالي فمن ينتظره و يترقبه فإنّه سيأتي إليه لسرعة الزمن و عدم توقفه، قال الله تعالى في سورة هود: «إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ»[14].

و رويت كلمات كثيرة عن أمير المؤمنين (ع) بها إشارة إلى سرعةِ مرور الزمن و علاقتِه بقُصر العمر، أي كلما مر الزمن قصر العمر، و ضرورة المبادرة بالعمل و المسارعة و عدم التباطئ قبل انقضاء العُمُر و روي عنه عليه السلام «فبادِروا العَمَلَ، وخافُوا بَغتَةَ الأجَلِ، فَإِنَّهُ لَا يُرْجَى مِنْ رَجْعَةِ الْعُمُرِ مَا يُرْجَى مِنْ رَجْعَةِ الرِّزْقِ»[15].

و عنه (ع): «الآنَ الآنَ، مِنْ قَبْلِ النَّدَمِ، وَمِنْ قَبْلِ أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يا حَسْرَتى عَلى ما فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللّهِ وَ إِنْ كُنْتُ لَمِنَ اَلسّٰاخِرِينَ»[16].

و قال (ع): «اَلْآنَ اَلْآنَ، مَا دَامَ اَلْوَثَاقُ مُطْلَقاً، وَ اَلسِّرَاجُ مُنِيراً، وَ بَابُ اَلتَّوْبَةِ مَفْتُوحاً، وَ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَجِفَّ اَلْقَلَمُ، وَ تُطْوَى اَلصَّحِيفَةُ، فَلاَ رِزْقٌ يَنْزِلُ، وَ لاَ عَمَلٌ يَصْعَدُ»[17].

و الاعتبار بما مضى من العمر، قال (ع ): «لَوِ اعتَبَرتَ بِما أضَعتَ مِن ماضي عُمرِكَ لَحَفِظتَ ما بَقِيَ»[18].

و هذا المعنى من الحث و الدعوة للمسارعة في العمل و عدم التسويف و التباطئ و المبادرة متكرر في مواعظ أمير المؤمنين عليه السلام، و منها قوله (ع): «وَ بَادِرُوا آجَالَكُمْ بِأَعْمَالِكُمْ، وَ ابْتَاعُوا مَا يَبْقَى لَكُمْ بِمَا يَزُولُ عَنْكُمْ، وَ تَرَحَّلُوا فَقَدْ جُدَّ بِكُمْ، وَ اسْتَعِدُّوا لِلْمَوْتِ فَقَدْ أَظَلَّكُمْ، وَ كُونُوا قَوْماً صِيحَ بِهِمْ فَانْتَبَهُوا»[19].

و قال (ع): «فَبَادِرُوا الْمَعَادَ وَ سَابِقُوا الْآجَالَ فَإِنَّ النَّاسَ يُوشِكُ أَنْ يَنْقَطِعَ بِهِمُ الْأَمَلُ وَ يَرْهَقَهُمُ الْأَجَلُ وَ يُسَدَّ عَنْهُمْ بَابُ التَّوْبَةِ»[20].

  1. – نهج البلاغة، خطبة 188

  2. – نهج البلاغة، خطبة 188

  3. – نهج البلاغة، خطبة 28

  4. – غرر الحكم ودرر الكلم، عبد الواحد الآمدى التميمي، ص٥٠٧، عيون الحكم والمواعظ، علي بن محمد الليثي الواسطي، ص٣٧٦

  5. – نهج البلاغة، خطبة 188

  6. – نهج البلاغة، خطبة 188

  7. – حديث عن رسول الله في بحار الأنوار، العلامة المجلسي، ج58 ص7 ، ج7 ص 67، إرشاد القلوب، الديلمي، ج1، ص 18 (فَإِنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا مَاتَ فَقَدْ قَامَتْ قِيَامَتُهُ يَرَى مَا لَهُ مِنْ خَيْرٍ أَوْ شَرٍّ)

  8. – الرواية : «اِعْمَلْ لِدُنْيَاكَ كَأَنَّكَ تَعِيشُ أَبَداً وَ اِعْمَلْ لآِخِرَتِكَ كَأَنَّكَ تَمُوتُ غَداً»، من لا یحضره الفقیه، الشيخ الصدوق، ج3، ص 156(عن الإمام الكاظم عليه السلام)، کفایة الأثر، علي بن محمد بن علي الخزّاز القمي الرازي, ص 226 (عن الإمام الحسن عليه السلام)، تنبيه الخواطر ونزهة النواظر ( مجموعة ورام )، ورام بن أبي فراس المالكي الاشتري، ج٢، ص234 (عن النبي صلّى الله عليه و آله)

  9. – نهج البلاغة، خطبة 188

  10. – نهج البلاغة، خطبة 114

  11. – الأمالي، الشيخ الطوسي، ص٥٢٧

  12. – غرر الحكم ودرر الكلم، عبد الواحد الآمدى التميمي، ص٢٥٤، عيون الحكم والمواعظ، علي بن محمد الليثي الواسطي، ص١٤٤

  13. – جمهرة الأمثال، أبي هلال العسكري، ج٢، ص٢٨٥

  14. – سورة هود، آية 81

  15. – نهج البلاغة، خطبة 114

  16. – الأمالي، الطوسي، ص 684، تنبيه الخواطر ونزهة النواظر (مجموعة ورام)، ج٢، ورام بن أبي فراس المالكي الاشتري، ص٤٠٨

  17. – الأمالي، الطوسي، ص 684، تنبيه الخواطر ونزهة النواظر (مجموعة ورام)، ج٢، ورام بن أبي فراس المالكي الاشتري، ص٤٠٨

  18. – غرر الحكم ودرر الكلم، عبد الواحد الآمدى التميمي، ص ٥٦٨

  19. – نهج البلاغة، خطبة 64

  20. – نهج البلاغة، خطبة 183

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *