![]()
الاستقامة توصل إلى الهدف و الاعوجاج يوقع في الضياع
«من سلك الطريق الواضح ورد الماء»
محمد جواد الدمستاني
من يسلك الطريق المستقيم الواضح يصل إلى هدفه و من ينحرف عنه يتيه و يضيع، قال أمير المؤمنين عليه السلام «مَنْ سَلَكَ الطَّرِيقَ الْوَاضِحَ وَرَدَ الْمَاءَ، و مَنْ خَالَفَ وَقَعَ فِي التِّيهِ»[1]، هذا مقطع من خطبة رويت في نهج البلاغة و أولها «أَيُّهَا النَّاسُ لَا تَسْتَوْحِشُوا فِي طَرِيقِ الْهُدَى لِقِلَّةِ أَهْلِهِ..»[2]، و التِّيه هي المفازة لا يهتدي سالكها، أي بمعنى الضَلال، و الوقوع في التّيه يعني الوقوع في الضياع و الضلال، و ورود الماء يعني بلوغ الهدف و تحقق الغاية المرجوة، و الكلام في أهمية الالتزام بالهدى و الاستقامة في الحياة عامة و في الدين و اتّباع المنهج السليم للوصول إلى الهدف الصحيح و في الآخرة إلى الجنّة.
و الكلام يجري مجرى الأمثال، و الغرض هو إرشاد من الإمام (ع) بسلوك الطريق الواضح للنجاة، و تحذير من مخالفته إلى التِّيهِ و الضَياع.
و الطريق الواضح ينتهي إلى الماء و الكلأ و هو ما يحتاج إليه السائر في طريقه فيتحقق هدفه و يستريح و يطمئن في مقصده، و إذا خالف الطريق الواضح لا يصل إلى الماء و الكلأ و يزداد تعبا و مشقة مما يؤدي إلى هلاكه، و لذا هي أمر بسلوك الطريق الواضح للوصول إلى الهدف و إلا الهلاك.
و المعنى توجيه إلى أنّ سالك الطريق الواضح هو الذي يصل إلى ما يقصده، و المنحرف عن الطريق الواضح لا يصل إليه بل يضيع و يتيه، و ليس له إلاّ التعب أو الشقاء، فعليكم بسلوك الطريق الواضح المستقيم للوصول إلى هدفكم.
و هذه النصيحة و التوصية في جميع مجالات الحياة، في الدين و العلم و الحياة الاجتماعية و هي اختيار و انتخاب الطريق الواضح و البيّن من أجل الوصول إلى الهدف، و الحذر بل المنع من سلوك الطرق الملتوية التي لا تصل إلى الهدف، بل تؤدي إلى الضياع و الهلاك.
و الذي يسلك الطريق المستقيم و يتبع الحق و يتّبع التعاليم الإلهية يصل إلى الهدى و الهداية و هو المقصد، و من ينحرف عن الحق و التعاليم أو يتخلى عنها فإنّه يتيه و يضيع دون الوصول.
و المعنى العام به إرشاد إلى ضرورة أن يكون للإنسان هدف يبتغيه و يسير لتحقيقه بخطى ثابتة و باطمئنان تام و منهجية واضحة و يحتاج حتى الوصول إليه إلى الاستقامة و التركيز و التنظيم و الابتعاد عن الاعوجاج و العشوائية فإذا عمل على ذلك فإنّه يصل إلى هدفه المرسوم و إلا فإنه سيواجه الضياع و التشتت و الحيرة دون الوصول إلى الهدف.
و المراد الأسمى في المعنى هو أنّ سالك المنهج القويم و الصّراط المستقيم و السائر على الحق يكمل المسير حتى يصل إلى جنات النعيم، و يتلذذ بنعيمها، و مخالف المنهج القويم و تارك الصّراط المستقيم و من انحرف عنه و ذهب يمينا شمالا دون هداية يصير إلى الجحيم، و يقع في عذابها، قال الله تعالى في كتابه الكريم «وَ أَنَّ هَٰذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَ لَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ ذَٰلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ»[3].
و هي دعوة للتمسك بهم و عدم مخالفتهم عليهم السلام، و الروايات في ذلك كثيرة في كتب المسلمين عن جدهم رسول الله (ص)، و منها:
«وَ اِعْلَمْ يَا أَبَا ذَرٍّ، أَنَّ اَللَّهَ (تَعَالَى) جَعَلَ أَهْلَ بَيْتِي كَسَفِينَةِ اَلنَّجَاةِ فِي قَوْمِ نُوحٍ، مَنْ رَكِبَهَا نَجَا، وَ مَنْ رَغِبَ عَنْهَا غَرِقَ، وَ مَثَلَ بَابِ حِطَّةٍ فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ مَنْ دَخَلَهَا كَانَ آمِناً»[4].
و عنه (صلّى الله عليه و آله) قال لأمير المؤمنين و الأئمة من ولده عليهم السلام: «و مَثَلُكُم مَثَلُ النُّجومِ، كُلَّما غابَ نَجمٌ طَلَعَ نَجمٌ إلى يَومِ القِيامَةِ»[5].
و عنه (ص): «يَا عَلِيُّ مَثَلُكُمْ فِي اَلنَّاسِ مَثَلُ سَفِينَةِ نُوحٍ مَنْ رَكِبَهَا نَجَا وَ مَنْ تَخَلَّفَ عَنْهَا غَرِقَ، فَمَنْ أَحَبَّكُمْ يَا عَلِيُّ نَجَا، وَ مَنْ أَبْغَضَكُمْ وَ رَفَضَ مَحَبَّتَكُمْ هَوَى فِي اَلنَّارِ، وَ مَثَلُكُمْ يَا عَلِيُّ مَثَلُ بَيْتِ اَللَّهِ اَلْحَرَامِ مَنْ دَخَلَهُ كٰانَ آمِناً فَمَنْ أَحَبَّكُمْ وَ وَالاَكُمْ كَانَ آمِناً مِنْ عَذَابِ اَلنَّارِ، وَ مَنْ أَبْغَضَكُمْ أُلْقِيَ فِي اَلنَّارِ»[6].
و حديث الثقلين و دعوة رسول الله (ص) فيه إلى التمسك بالقرآن الكريم و العترة الطاهرة لضمان الهداية و عدم الضلال فقد روي عن رسول الله (صلى الله عليه و آله) قوله: «إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمُ اَلثَّقَلَيْنِ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِمَا لَنْ تَضِلُّوا – كِتَابَ اَللَّهِ وَ عِتْرَتِي أَهْلَ بَيْتِي وَ إِنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ اَلْحَوْض»[7].
و روي عن الأئمة عليهم السلام -و علومهم من رسول الله صلّى الله عليه و آله- عدة أحاديث في مقام و منزلة أهل البيت عليهم السلام و أنّهم طريق النجاة، و منها:
روي في الغيبة للنعماني عن أمير المؤمنين (ع) قال: «إِنَّ مَثَلَنَا فِيكُمْ كَمَثَلِ اَلْكَهْفِ لِأَصْحَابِ اَلْكَهْفِ، وَ كَبَابِ حِطَّةٍ وَ هُوَ بَابُ اَلسِّلْمِ فَادْخُلُوا فِي اَلسِّلْمِ كَافَّةً»[8].
و في نهج البلاغة، قال (ع): «إِنَّمَا مَثَلِي بَيْنَكُمْ كَمَثَلِ السِّرَاجِ فِي الظُّلْمَةِ يَسْتَضِيءُ بِهِ مَنْ وَلَجَهَا، فَاسْمَعُوا أَيُّهَا النَّاسُ وَ عُوا وَ أَحْضِرُوا آذَانَ قُلُوبِكُمْ تَفْهَمُوا»[9].
و في البحار في حديث طويل عن الإمام الصادق (ع) قال: «وَ إِنَّمَا مَثَلُ عَلِيٍّ وَ اَلْقَائِمِ صَلَوَاتُ اَللَّهِ عَلَيْهِمَا فِي هَذِهِ اَلْأُمَّةِ مَثَلُ صَالِحٍ عَلَيْهِ السَّلاَمُ»[10].
و لا يكفى إدّعاء محبة أمير المؤمنين و أهل البيت (ع) بل يجب الولاء لأهل البيت (ع)، و العمل بما يقولون و يحبّون، و اتّباعهم، قال تعالى: «قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ»[11].
و الطريق الواضح له تكلفة كبيرة، فلابد من تحمل تكلفته من معوقات و صعوبات و تحديات، و كذلك يحتاج إلى سعي مستمر و عمل دؤوب و جدّي، كما يحتاج إلى صبر و ثبات.
و ذكر أمير المؤمنين (ع) الطريق الواضح في عدة خطب أخرى و مناسبات رويت في نهج البلاغة، و هي:
«وَ إِنِّي لَعَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي، وَ مِنْهَاجٍ مِنْ نَبِيِّي، وَ إِنِّي لَعَلَى الطَّرِيقِ الْوَاضِحِ أَلْقُطُهُ لَقْطاً»[12].
و «لَقَدْ حَمَلْتُكُمْ عَلَى الطَّرِيقِ الْوَاضِحِ الَّتِي لَا يَهْلِكُ عَلَيْهَا إِلَّا هَالِكٌ، مَنِ اسْتَقَامَ فَإِلَى الْجَنَّةِ، وَ مَنْ زَلَّ فَإِلَى النَّارِ»[13].
و «فَإِنَّ الْعَامِلَ بِغَيْرِ عِلْمٍ كَالسَّائِرِ عَلَى غَيْرِ طَرِيقٍ فَلَا يَزِيدُهُ بُعْدُهُ عَنِ الطَّرِيقِ الْوَاضِحِ إِلَّا بُعْداً مِنْ حَاجَتِهِ وَ الْعَامِلُ بِالْعِلْمِ كَالسَّائِرِ عَلَى الطَّرِيقِ الْوَاضِحِ فَلْيَنْظُرْ نَاظِرٌ أَ سَائِرٌ هُوَ أَمْ رَاجِعٌ»[14].
-
– نهج البلاغة، خطبة 201 ↑
-
– نهج البلاغة، خطبة 201 ↑
-
– سورة الأنعام، آية 153 ↑
-
– الأمالي، للطوسی، ج1، ص 525 ↑
-
– فضائل أمير المؤمنين (ع)، ابن عقدة الكوفي، ص٤٤، الأمالي، الشيخ الصدوق، ص٣٤٢، كمال الدين وتمام النعمة، الشيخ الصدوق، ص٢٤١ ↑
-
– خصائص الأئمة علیهم السلام، الشريف الرضي، ص77 ↑
-
– الاحتجاج، الشيخ الطبرسي، ج١، ص262 ↑
-
– الغيبة، النعماني، ص44 ↑
-
– نهج البلاغة، خطبة 187 ↑
-
– بحار الأنوار، العلامة المجلسي، ج11، ص386، بحار الأنوار، العلامة المجلسي، ج51، ص 215 (وَ إِنَّمَا مَثَلُ عَلِيٍّ وَ اَلْقَائِمِ مَثَلُ صَالِحٍ عَلَيْهِ السَّلاَمُ). ↑
-
– سورة آل عمران، آية 31 ↑
-
– نهج البلاغة، خطبة 97 ↑
-
– نهج البلاغة، خطبة 119 ↑
-
– نهج البلاغة، خطبة 154 ↑
