محمد جواد الدمستانيمحمد جواد الدمستاني

Loading

الاقتصاد في المصروفات المالية و ترك الإسراف

«فدع الإسراف مقتصدا»

محمد جواد الدمستاني

في الدعوة إلى الاقتصاد في المصروفات المالية و عدم الإسراف روي عن أمير المؤمنين عليه السلام في نهج البلاغة، قوله: «فَدَعِ الْإِسْرَافَ مُقْتَصِداً»[1].

و الحكمة تدعو إلى ترك الإسراف و التنفير منه، و المعنى ابتعد عن الإسراف و كن معتدلا و متوسّطا في الانفاق و صرف الأموال، لا بالافراط و لا بالتّفريط، أي تنظيم المصروفات المالية بدون إفراط و إسراف، و بدون تفريط و بخل، قال (ع): «فَدَعِ الْإِسْرَافَ مُقْتَصِداً، وَ اذْكُرْ فِي الْيَوْمِ غَداً، وَ أَمْسِكْ مِنَ الْمَالِ بِقَدْرِ ضَرُورَتِكَ، وَ قَدِّمِ الْفَضْلَ لِيَوْمِ حَاجَتِكَ»[2]، و في غرر الحكم «ذَرِ الْإِسْرَافَ مُقْتَصِداً وَ اذْكُرْ فِي الْيَوْمِ غَداً»[3].

و الإِسراف هو تجاوز الحدّ في كلّ فعل يفعله الإنسان في المال و غير المال، ففي القتل، الآية «فَلا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ»[4]، و «مِنْ أَجْلِ ذَٰلِكَ كَتَبْنَا عَلَىٰ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا بِالْبَيِّنَاتِ ثُمَّ إِنَّ كَثِيرًا مِّنْهُم بَعْدَ ذَٰلِكَ فِي الْأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ»[5]، مسرفون في القتل و لا يبالون به.

و في اللباس ورد في خطبة صفات المتقين في نهج البلاغة قول الإمام (ع): «الْمُتَّقُونَ فِيهَا (في الدُّنْيَا) هُمْ أَهْلُ الْفَضَائِلِ مَنْطِقُهُمُ الصَّوَابُ، وَ مَلْبَسُهُمُ الِاقْتِصَادُ»[6]، ملبسهم الاقتصاد أي اللباس المعتدل و المتوسط.

و في الأكل و الطعام، قال الله تعالى: «وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ»[7].

و لكن اشتهر الإسراف في الانفاق، قال الله تعالى: «وَالَّذِينَ إِذَا أَنفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَٰلِكَ قَوَامًا»[8].

فالإسراف متنوع و مذموم و الاقتصاد هو المطلوب و الرواية عن الإمام الصادق (ع) «إِنَّ الْقَصْدَ أَمْرٌ يُحِبُّه اللَّه عَزَّ وجَلَّ، و إِنَّ السَّرَفَ أَمْرٌ يُبْغِضُه اللَّه، حَتَّى طَرْحَكَ النَّوَاةَ فَإِنَّهَا تَصْلُحُ لِلشَّيْءِ، و حَتَّى صَبَّكَ فَضْلَ شَرَابِكَ»[9].

و استثني من الإسراف ما كان في أفعال البرّ و الخير فإنّه غير مذموم كما هي الرواية عن أمير المؤمنين (ع) «الْإِسْرَافُ مَذْمُومٌ فِي كُلِّ شَيْءٍ إِلَّا فِي أَفْعَالِ الْبِرِّ»[10].

و يفرقون بين الاسراف و التبذير بأنّ الإسراف هو صرف المال زيادة على ما ينبغي، أو تجاوز الحدّ في صرف المال، و التبذير هو صرف المال فيما لا ينبغي أصلا، أو اتلاف المال في غير موضعه، فهو أعظم من الإسراف «إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا»[11].

و من حكم أمير المؤمنين (ع) في القصد في نهج البلاغة «مَا عَالَ مَنِ اقْتَصَدَ»[12]، و يروى عنه (ع) «ما عالَ امرُؤٌ اقتَصَدَ»[13]، أي ما افتقر من أنفق بقدر الحاجة دون زيادة و دون إسراف.

و روي عن النبي (ص) «الاقْتِصَادُ فِي النَّفَقَةِ نِصْفُ المَعِيشَةِ»[14].

و عن الإمام الصادق (ع) حيث قال له رجل: «بَلَغَنِي أَنَّ اَلاِقْتِصَادَ وَ اَلتَّدْبِيرَ فِي اَلْمَعِيشَةِ نِصْفُ اَلْكَسْبِ، فَقَالَ أَبُو عَبْدِ اَللَّهِ (عَلَيْهِ اَلسَّلاَمُ): لاَ، بَلْ هُوَ اَلْكَسْبُ كُلُّهُ، وَ مِنَ اَلدِّينِ اَلتَّدْبِيرُ فِي اَلْمَعِيشَةِ»[15].

و الكلام في عدم الإسراف عام، و لكن هو فيمن هم في مواقع المسؤولية و أصحاب الأموال و الحكام و حكام المناطق أولى، فالإسراف و التبذير منهم متوقع أكثر من الحالات الفردية للناس العاديين لما يملكون و لما هو تحت سيطرتهم و تصرفهم، و هؤلاء المسؤولين و الحكام و حكام المناطق كثيرا ما يصدر منهم إسراف و تبذير و سرقات و نهب، و محسوبيات، و مصروفات في غير موقعها و لزومها، و إسرافهم من أموال و أقوات الفقراء حيث ينهبون أموال النّاس ثم يسرفون فيها و يبذرون، و في الأمة من يفترش الأرض و يلتحف السماء دون وطاء و غطاء لشدة فقره، و لكن الحساب الأكبر يوم الحساب الأكبر.

و الإسراف المالي إهدار للثروات في غير موضعها، و تفويتها على من يستحقها، فإنّ المال و الأموال المهدورة بالسرف تنفع لمن يحتاجها مهما كانت قيمتها، فبدل الإسراف فيها يمكن استخدامها في تعزيز التكافل و التضامن الاجتماعي و سدّ قسما من حاجات المعوزين بها.

كما أنّ الإسراف يزيد من تراكم الديون على المسرف فإنّ بعضهم يقترض من أشخاص أو بنوك لتلبية حاجات و رغائب في نفسه تقع في خانة الإسراف و التبذير أيضا.

و روي عن أمير المؤمنين (ع): «كُلُّ مَا زَادَ عَلَى الِاقْتِصَادِ إِسْرَافٌ»[16]، و «مَا فَوْقَ الْكَفَافِ إِسْرَافٌ»[17]، و في نهج البلاغة «أَلَا وَ إِنَّ إِعْطَاءَ هَذَا الْمَالِ فِي غَيْرِ حَقِّهِ تَبْذِيرٌ وَ إِسْرَافٌ»[18].

و في أزماننا هذه تتعدد الأمثلة للإسراف بما ليس في أزمنة سابقة – و كل زمن بقياسه- فمن الإسراف شراء الكماليات الكثيرة في المنازل و البيوت دون الحاجة إليها، أو تجديد الأثاث سنويا دون استهلاكه أو قدمه، و هو إسراف للأغنياء، و إسراف مع أضرار للمتوسطين، و إسراف مع زيادة فقر المديونين و المقترضين للشراء.

و من الإسراف شراء النماذج و التصميمات الجديدة أو ما يعرف بالموديل و الموديلات في الثياب و السيارات و غيرها فإنّ بعض النّاس لديهم هوس شديد في استحداث تلك الموديلات الجديدة و شراءها و هي عادة تكون بأسعار مرتفعة، و كل حسب قدرته و ثروته.

و من الإسراف شراء بعض النّاس هاتفا محمولا أو موبيلا جديدا كل سنة مجاراة في البرامج الإضافية أو التطبيقات الالكترونية المضافة في الإصدار الجديد و قد لا يستخدمها شارئها.

و من الإسراف ما هو عليه بعض الأسر في بعض البلدان في طريقة استهلاك الماء و الكهرباء و الغاز بسبب رخصه في بلدهم أو لسوء رشد منهم أو الاثنين معا، بل و حينما تتم نصيحتهم يظنون أنّ النصيحة ترف كلامي دون أهمية، و هم مع ذلك يشتكون من قيمة الفواتير أو قوائم حساب الاستهلاك.

ففي كل تلك المذكورات و الأمثلة تأتي الحكمة ناصحة لأصحابها «فدع الإسراف مقتصدا»، و العمل بالاقتصاد و الاعتدال و التوسط في الإنفاق و المصروفات المالية.

  1. – نهج البلاغة، كتاب 21

  2. – نهج البلاغة، كتاب 21

  3. – غرر الحكم ودرر الكلم، عبد الواحد الآمدى التميمي، ص٣٧٠، عيون الحكم والمواعظ، علي بن محمد الليثي الواسطي، ص٢٥٦

  4. – سورة الإسراء، آية 33 (وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَمَن قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلَا يُسْرِف فِّي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنصُورًا)

  5. – سورة المائدة، آية 32

  6. – نهج البلاغة، خطبة 193

  7. – سورة الأعراف، آية 31

  8. – سورة الفرقان، آية 67

  9. – الكافي، الشيخ الكليني، ج٤، ص٥٢، الخصال، الشيخ الصدوق، ص١٠، ثواب الأعمال و عقاب الأعمال، الشيخ الصدوق، ص ١٨٦

  10. – غرر الحكم ودرر الكلم، عبد الواحد الآمدى التميمي، ص١٠٧

  11. – سورة الإسراء، آية 27

  12. – نهج البلاغة، حكمة 140

  13. – الخصال، الشيخ الصدوق، ص ٦٢٠

  14. – منية المريد، الشهيد الثاني، ص ٢٥٨، كتاب العلل، ج ٦، ابن أبي حاتم الرازي، ص ٩٩، المعجم الأوسط، ج ٧، الطبراني، ص ٢٥

  15. – الأمالي، الطوسي، ص 670، بحار الأنوار، العلامة المجلسي، ج68، ص349

  16. – غرر الحكم ودرر الكلم، عبد الواحد الآمدى التميمي، ص٥٠٩، عيون الحكم والمواعظ، علي بن محمد الليثي الواسطي، ص٣٧٦

  17. – غرر الحكم ودرر الكلم، عبد الواحد الآمدى التميمي، ص٦٨٣، عيون الحكم والمواعظ، علي بن محمد الليثي الواسطي، ص٤٧٦

  18. – نهج البلاغة، خطبة 126

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *