محمد جواد الدمستانيمحمد جواد الدمستاني

Loading

ضرورة التهديد بالحرب في بعض أزمنتها

«كلعقة لاعق»

محمد جواد الدمستاني

كتب أمير المؤمنين عليه السلام كتابا إلى أهل البصرة قال فيه «و قَدْ كَانَ مِنِ انْتِشَارِ حَبْلِكُمْ وشِقَاقِكُمْ مَا لَمْ تَغْبَوْا عَنْهُ، فَعَفَوْتُ عَنْ مُجْرِمِكُمْ،..، و لَئِنْ أَلْجَأْتُمُونِي إِلَى الْمَسِيرِ إِلَيْكُمْ لأوقِعَنَّ بِكُمْ وَقْعَةً لا يَكُونُ يَوْمُ الْجَمَلِ إِلَيْهَا إِلاَّ كَلَعْقَةِ لاعِقٍ»[1].

و الكلام حول التشبيه الذي ذكره الإمام (ع) «كَلَعْقَةِ لاعِقٍ» و هو مثل يضرب للأمر التافه و للقلة، و لَعْق مصدر لعِقَ مثل لعِقَ العسل أي لحسه و تناوله بلسانه أو إصبعه فهو لاعق، و «لعْقَةِ لاعِقٍ» بمعنى الشيء الصغير أو الحقير و تُقال للتقليل، و أصله هو ما تأخذه الملعقة من الشيء القليل.

و المعنى هنا تهديد لبعض القوم في البصرة بعدم تكرار الشقاق و الخلاف و إلا فإن ألجؤوه و اضطروه إلى المسير إليهم و الخروج بجيش لمقاتلتهم فإنه سيوقع بهم وقعة هي أمّر و أدهى و أشد نكالا و شدة و هزيمة من يوم الجمل، بل لن تكون مقارنة متقاربة بين وقعة الجمل مع شدتها و هذه الوقعة المرتقبة إلاّ بمثل «لَعْقَةِ لاعِقٍ»، فوقعة الجمل ستكون شيئا صغيرا لا يُقارن مع قوة الحرب في المعركة المرتقبة، و الغرض من هذا التهديد و الوعيد هو منع الفتنة و الشقاق و الحرب و السعي في ردّهم عن غيّهم و بغيهم.

و استعملت في الأعلام في العقود الماضية ما يقابل معنى «لعقة لاعق» كلمة «نُزهة» للمقارنة بين الأمر الكبير الشديد و الصغير الضعيف، فيقال مثلا: حرب فيتنام ستكون نُزهة، بمعنى إذا تم مقارنة أو مقايسة حرب فيتنام و هي شديدة مع حرب أخرى، فإنّ حرب فيتنام ستكون صغيرة جدا كأنها نُزهة بينما الأخرى أكثر شدة و دمار، و هكذا لن تكون حرب الجمل إلا نُزهة أو «لعْقَةِ لاعِقٍ» مقارنة بالحرب المرتقبة التي قد يضطر إليها عليه السلام.

و هذا الكتاب إلى أهل البصرة أو أهل الشقاق منهم يتضمن تهديدا قويا و تحذيرا كبيرا بقوة عسكرية و إنزال هزيمة كبيرة لهم لا تُقارن مع يوم الجمل أو غيره، و تذكيرهم بمعركة الجمل مع الناكثين حيث كانت هزيمة ساحقة في ساعات قليلة حاسمة فقُتل من قُتل و أُسر من أُسر، تهديد مع ثقة تامة كاملة من الإمام (ع) بالنصر المؤزر و الفتح المظفر، و الخلاصة و النتيجة هي لا تدفعوني إلى القتال ضدكم بسوء أعمالكم و فتنكم و إلا سيصيبكم أعظم مما أصابكم في معركة الجمل.

و كان أمير المؤمنين (ع) قد سعى لتجنّب حرب الجمل و كتب إلى رؤساء القوم كتبا منفصلة، و أرسل الرسل و المحاورين لقادة الفتنة، ثم تم رفع مصحف بين الصفين لترك الفرقة و الرجوع إلى حالة الألفة، و بقى الإمام عليه السلام ثلاثة أيام يراسلهم لعلهم يرجعون عن غيّهم، و قرب بصفوفهم و أمهلهم في اليوم الأخير و دعاهم و ناشدهم، و لكن كل ذلك لم يقبلوه حتى شبت الحرب و هُزم الناكثون.

و هذا التهديد به إشارة في التحول من حالة الدفاع إلى حالة الهجوم فلا ينتظر بالعدوّ يقوم بالفتنة و الفرقة و الشقاق حتى شن الحرب تدريجا او مفاجأة و بغتة فيحدث صدمة تربك الوضع و تشل قدرات عسكرية مهمة و مراكز قيادة و تسبب حيرة و تأثيرا نفسيا و جسديا سلبيا كبيرا قد يصعب محوه و تأثيراته على الطرف المبَاغَت، و يعسر عليه ترتيب صفوفه بعدها، و تسبب ذعرا و خفضا لمعنويات و ثقة جيشه و شعبه، بل يقطع دابر الفتنة من بدايتها، و يقوم هو بالمبادرة بالتهديد و الإنذار ابتداء و بالحرب إن اضطر دون حلول أخرى.

لكنه يعطي للآخر من خصم أو عدوّ فرصة للتراجع بالتنبيه أو التحذير أو التخويف، و قد افتتح الإمام عليه السلام هذا الكتاب كما روى في الغارات الكتاب كاملا و هو أوسع مما اختاره و اقتصر عليه الشريف الرضي في نهح البلاغة قائلا: «فَإِنَّ اللّهَ حَليمٌ ذُو أَنَاةٍ، لَا يُعَجِّلُ بِالْعُقُوبَةِ قَبْلَ الْبَيِّنَةِ، وَلَا يَأْخُذُ الْمُذْنِبَ عِنْدَ أَوَّلِ وَهْلَةٍ، وَلكنه يَقْبَلُ التَّوْبَةَ، وَ يَسْتَديمُ الأَنَاةَ، وَ يَرْضى بِالإِنَابَةِ، لِيَكُونَ أَعْظَمَ لِلْحُجَّةِ، وَأَبْلَغَ فِي الْمَعْذِرَةِ»[2]، و أمير المؤمنين (ع) وليّ الله و متخلق بأخلاق الله، فإنّه (ع) حليم و ذو أناة و رفق و صبر لا يستعجل العقوبة قبل البيّنة، و يقبل بتراجع الخصم و توبته، و يقيم الحجة، و لا يبدأ بالحرب، و لا يحارب إلا بعد استنفاد الحلول السلمية.

و هذا هو التحذير الأخير كما ذكر أمير المؤمنين (ع) و روي في كتاب الغارات، قال (ع): «وَ قَدْ قَدَّمْتُ هذَا الْكِتَابَ إِلَيْكُمْ حُجَّةً عَلَيْكُمْ، وَ لَنْ أَكْتُبَ إِلَيْكُمْ مِنْ بعَده كِتَاباً إِنْ أَنْتُمُ اسْتَغْشَشْتُمْ نَصيحَتي، وَنَابَذْتُمْ رَسُولي، حَتّى أَكُونَ أَنَا الشّاخُصُ نَحْوَكُمْ إِنْ شَاءَ اللّهُ تَعَالى»[3].

و هو تهديد لمن يستحقه من أهل الشقاق و الخلاف لا لكل النّاس في البصرة فقال (ع) في نفس الكتاب: «مَعَ أَنِّي عَارِفٌ لِذِي الطَّاعَةِ مِنْكُمْ فَضْلَهُ، وَ لِذِي النَّصِيحَةِ حَقَّهُ، غَيْرُ مُتَجَاوِزٍ مُتَّهَماً إِلَى بَرِيٍّ، وَ لَا نَاكِثاً إِلَى وَفِيٍّ»[4].

و التهديد بالحرب و الإنذار و التحذير قد يكون ضرورة في بعض الأوقات و الظروف و المناسبات و أزمنة الحرب، أما إظهار المسالمة دائما من أحد طرفي الحرب الباردة أو حالة اللاحرب و اللاسلم أو الحرب الخفية أو المخفية و تكرار القول بعدم إرادة الحرب و عدم الرغبة في الصدام فقد يعطي معنى و رسالة سلبية لطرفي الحرب جهة القائل و جهة الخصم، و قد يستغلها العدوّ، و قد يفهم من القائل عدم استعداده للحرب فيتجرؤون عليه، أو يفهمون خوفه و خشيته من الحرب و القتال فيتكالبون ضده، و يتآمرون عليه، و إن كان صاحب هذا الإظهار صادقا متجنبا لسفك الدماء ذو بعد أخلاقي و ديني و إنساني و استراتيجي.

كما أنّ إظهار قوة الردع ضرورة في عدم اشتعال الحروب أو إيقافها حين اشتعالها و داع لتفادي القتل و القتال و المعارك، و على كل حال فإنّ الحروب استثناء و ليست أصل للمجتمعات البشرية و الدول فتجنّبها هو الخيار الأول، و لكنها مع مآسيها و مصائبها و كوارثها قد تكون ضرورية خاصة مع عديمي الإنسانية.

ثم انّه لا يمكن الوثوق في العدوّ حتى بعد توقف القتال و حتى مع الصلح معه فإنّه قد يفجر و يغدر و يخرم المواثيق و يطعن في العهود فلا عهد له و لا ميثاق، و المناسب هو التهيؤ و التهيّب و الاستعداد اللازم دائما و أبدا ماديا و نفسيا، و اعتبار أنّ بعض الظنون حقائق، و لا يترك الإنسان نفسه في الاسترخاء ظنّا منه بغفلة العدوّ و نومه، بل يعمل بنصيحة الإمام (ع) في قوله: «وَ إِنَّ أَخَا الْحَرْبِ الْأَرِقُ، وَ مَنْ نَامَ لَمْ يُنَمْ عَنْهُ»[5].

و لفظة لعقة ذُكرت في نهج البلاغة في كلام له (ع) قاله لمروان بن الحكم بالبصرة، قَالُوا: أُخِذَ مَرْوَانُ بْنُ الْحَكَمِ أَسِيراً يَوْمَ الْجَمَلِ فَاسْتَشْفَعَ الْحَسَنَ وَ الْحُسَيْنَ (ع) إِلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ (ع) فَكَلَّمَاهُ فِيهِ فَخَلَّى سَبِيلَهُ، قال (ع) فيما قال: «أَمَا إِنَّ لَهُ إِمْرَةً كَلَعْقَةِ الْكَلْبِ أَنْفَهُ»[6]، يعني له إمرة و رئاسة قصيرة جدا، ثم كانت خلافته ستة أشهر، و كان أمير المؤمنين قد عفى عن الأسرى في معركة الجمل.

ومن كلام له (ع) في أمر الخلافة «و هَلْ هِيَ إِلَّا كَلُعْقَةِ الآكِلِ، و مَذْقَةِ الشَّارِبِ، و خَفْقَةِ الْوَسْنَانِ، ثُمَّ تُلْزِمُهُمُ الْمَعَرَّات»[7] يعني قليلة قصيرة، و الغرض التنفير عنها.

و في كلام الإمام الحسين (ع) «اَلدِّينُ لَعْقٌ (لَعِقٌ) عَلَى أَلْسِنَتِهِمْ، يَحُوطُونَهُ مَا دَرَّتْ مَعَايِشُهُمْ، فَإِذَا مُحِّصُوا بِالْبَلاَءِ قَلَّ اَلدَّيَّانُونَ»[8]، و المعنى هنا عدم ثبوت الدين كحقيقة ثابتة في قلوبهم و إنما هو لعق على ألسنتهم، و لذا في الابتلاء و الامتحان يظهر عدم ثبوته و رسوخه في القلب.

  1. – نهج البلاغة، كتاب 29، النص كاملا كما في نهج البلاغة: «وَ قَدْ كَانَ مِنِ انْتِشَارِ حَبْلِكُمْ وَ شِقَاقِكُمْ مَا لَمْ تَغْبَوْا عَنْهُ فَعَفَوْتُ عَنْ مُجْرِمِكُمْ وَ رَفَعْتُ السَّيْفَ عَنْ مُدْبِرِكُمْ وَ قَبِلْتُ مِنْ مُقْبِلِكُمْ فَإِنْ خَطَتْ بِكُمُ الْأُمُورُ الْمُرْدِيَةُ وَ سَفَهُ الْآرَاءِ الْجَائِرَةِ إِلَى مُنَابَذَتِي وَ خِلَافِي فَهَا أَنَا ذَا قَدْ قَرَّبْتُ جِيَادِي وَ رَحَلْتُ رِكَابِي وَ لَئِنْ أَلْجَأْتُمُونِي إِلَى الْمَسِيرِ إِلَيْكُمْ لَأُوقِعَنَّ بِكُمْ وَقْعَةً لَا يَكُونُ يَوْمُ الْجَمَلِ إِلَيْهَا إِلَّا كَلَعْقَةِ لَاعِقٍ مَعَ أَنِّي عَارِفٌ لِذِي الطَّاعَةِ مِنْكُمْ فَضْلَهُ وَ لِذِي النَّصِيحَةِ حَقَّهُ غَيْرُ مُتَجَاوِزٍ مُتَّهَماً إِلَى بَرِيٍّ وَ لَا نَاكِثاً إِلَى وَفِيٍّ».

  2. – الغارات، إبراهيم بن محمد الثقفي الكوفي، ج ٢، ص ٤٠٣، شرح نهج البلاغة، ابن أبي الحديد، ج ٤، ص ٤٩، نهج السعادة في مستدرك نهج البلاغة، الشيخ المحمودي، ج ٥، ص ١٤٧، تمام نهج البلاغة، السيد صادق الموسوي، ص ٨٢١

  3. – الغارات، إبراهيم بن محمد الثقفي الكوفي، ج٢، ص٤٠٤، شرح نهج البلاغة، ابن أبي الحديد، ج٤، ص٥٠، نهج السعادة في مستدرك نهج البلاغة، الشيخ المحمودي، ج٥، ص١٤٩، تمام نهج البلاغة، السيد صادق الموسوي، ص٨٢٣

  4. – نهج البلاغة، كتاب 29

  5. – نهج البلاغة، كتاب 62

  6. – نهج البلاغة، خطبة 73 ، قال (ع): (أَ وَ لَمْ يُبَايِعْنِي بَعْدَ قَتْلِ عُثْمَانَ لَا حَاجَةَ لِي فِي بَيْعَتِهِ، إِنَّهَا كَفٌّ يَهُودِيَّةٌ، لَوْ بَايَعَنِي بِكَفِّهِ لَغَدَرَ بِسَبَّتِهِ، أَمَا إِنَّ لَهُ إِمْرَةً كَلَعْقَةِ الْكَلْبِ أَنْفَهُ، وَ هُوَ أَبُو الْأَكْبُشِ الْأَرْبَعَةِ، وَ سَتَلْقَى الْأُمَّةُ مِنْهُ وَ مِنْ وَلَدِهِ يَوْماً أَحْمَرَ)

  7. – الکافي، الشيخ الكليني، ج8، ص18، الرواية: (..، أَلاَ وَ إِنِّي فِيكُمْ أَيُّهَا اَلنَّاسُ كَهَارُونَ فِي آلِ فِرْعَوْنَ، وَ كَبَابِ حِطَّةٍ فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ، وَ كَسَفِينَةِ نُوحٍ فِي قَوْمِ نُوحٍ، إِنِّي اَلنَّبَأُ اَلْعَظِيمُ وَ اَلصِّدِّيقُ اَلْأَكْبَرُ وَ عَنْ قَلِيلٍ سَتَعْلَمُونَ مَا تُوعَدُونَ وهَلْ هِيَ إِلَّا كَلُعْقَةِ الآكِلِ و مَذْقَةِ الشَّارِبِ، و خَفْقَةِ الْوَسْنَانِ ثُمَّ تُلْزِمُهُمُ الْمَعَرَّاتُ خِزْياً فِي الدُّنْيَا «ويَوْمَ الْقِيامَةِ يُرَدُّونَ إِلى أَشَدِّ الْعَذابِ» ومَا اللَّه بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ،..).

  8. – مقتل الحسين ( ع )، الموفق الخوارزمي، ج1، ص٣٣٧، بحار الأنوار، العلامة المجلسي، ج75، ص116

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *