محمد جواد الدمستانيمحمد جواد الدمستاني

Loading

نجاح السفر برفيق السفر و آدابه

«الرفيق قبل الطريق»

محمد جواد الدمستاني

أحد أسباب نجاح السفر و سعادة المسافرين و ارتياحهم هو الرفيق المناسب و لذا حسن اختيار رفيق السفر أحد إعدادات السفر الموفق، و قد كتب أمير المؤمنين وصية لابنه الإمام الحسن المجتبى عليهما السلام بحاضرين عند انصرافه من صفين، و أولها: «مِنَ الْوَالِدِ الْفَانِ الْمُقِرِّ لِلزَّمَانِ»[1]، و فيها «سَلْ عَنِ الرَّفِيقِ قَبْلَ الطَّرِيقِ، وعَنِ الْجَارِ قَبْلَ الدَّارِ»[2]، و يروى عن النبي (ص) «الرّفيق ثمّ الطَّريق»[3]، و عنه (ص) «الرَّفِيقَ ثُمَّ السَّفَرَ»[4]، و المراد هو النظر في اختيار الرفقاء و الأصدقاء عامة و في السفر خاصة لأثرهم في التوفيق و النجاح.

و الكلام حول أهمية الرفيق المناسب في الحياة مطلقا و اختيار الصالحين و تجنّب الطالحين، و في السفر لما للرفيق من أثر واضح في نجاح السفر و سلامته، إذ يتوقف جزء من سعادة السفر أو تعاسته على نوع الرفقة، و لذا ينبغي الانتباه إلى حسن اختيار الرفيق في السفر.

و المعنى المباشر للحكمة «سَلْ عَنِ الرَّفِيقِ قَبْلَ الطَّرِيقِ» أي حَصِّلِ الرفيق المناسب أولا و اسأل عنه و اخبره قبل تعيين طريق السفر، بمعنى انّ السفر الموفق يكون مع الرفقة الموفقة، فاختر رفيقك في السفر بعناية.

و يوجد نهي عن السفر منفردا، و إرشاد إلى اتخاذ الرفقة، و حسن اختيارها، و طبقا لتجربة و خبرة المسافرين يُوصى بعضهم بعدم المجازفة بالسفر مع أشخاص مجهولين أو لم يكن رفيق السفر يخبرهم من قبل فيكون السفر اختبارا لهم، بل ينبغي السفر مع الرفيق الموافق الذي خبرته و عرفته.

و أولوية اختيار الرفيق الصالح و المناسب على الطريق في «الرَّفِيقِ قَبْلَ الطَّرِيقِ» لأنّه هو الذي يهوّن و يسهّل لرفيقه الطريق و السفر، و ليس العكس فالطريق لا يسهّل الصديق و الرفيق.

و المعنى العام هو توجيه إلى اختيار الشخص المناسب أو الرفيق أو الصديق أو الشريك في كل رفقة و شركة أو رحلة أو مشروع للعلة نفسها التي في طريق السفر و هي إنجاح السفرة و سعادة المسافرين، إن أريد به أساسا السير و السفر الحسي لانصراف المعنى، و بمعنى عام اختيار الصالحين كشركاء و رفقاء يساعدون في تسهيل الأمور مع الصدق و الإخلاص و التعاون لنجاح المهمة التي ينويها صاحبها في السفر.

و عموم المعنى يشمل اختيار الشريك المناسب في الحياة عامة، و الزوجة الصالحة المناسبة، و مثال السفر أوضح ذلك أنّ إمكانيات النّاس و قدرتهم في السفر أضعف بكثير من الوطن أو محل الإقامة من كل الجوانب و ذلك يتطلب رفيق مع ثقة و تجربة و تعاون و صلاح.

و الرفيق الصالح هو الذي يزيّن السفر بصلاحه و يرفع ما نقص من تمامه و يكون تأثيره إيجابي على نجاح السفر، فيتوقع منه التعاون، و النصيحة، و حسن المشاورة، و تحمّل الصعوبات و تجاوزها و تقديم المساندة و المعاونة، و الحماية من المخاطر، و رفع الصعوبات و الشدائد، و تأثيره على رفيقه أو رفقائه فالصالح ينعكس خيرا و الطالح ينعكس شرا و خيبة.

و على عكس ذلك الرفيق السيئ فإنّه قد يضلّ بصاحبه الطريق و يضعفه معنويا و إذا كان فاسدا تماما قد يوصلك إلى التهلكة.

وقد ذكرت آداب كثيرة و تعاليم للسفر ينبغي أن يتحلى بها المسافر منها حسن الصحبة و رعاية مكارم الأخلاق، و مراقبة الحقوق، و إخراج الصدقة، و الدعاء في بداية السفر و أثناءه في عدة مواضع، و الصلوات، و طلب الرفقة.

و في اختيار الرفيق ذكرت الروايات اصطحاب النظراء في السفر «اصحَبْ نُظَراءَكَ»، و حين السؤال عن التوسّع على الإخوانِ في السفر قال الإمام الصادق (ع): «لا تَفعَلْ يا شِهابُ، إن بَسَطتَ و بَسَطُوا أجحَفتَ بِهِم، و إن هُم أمسَكُوا أذلَلتَهُم، فاصحَبْ نُظَراءَكَ، اصحَبْ نُظَراءَكَ»[5]، و نظراء أو نظائر جمع نظير بمعنى شبيه و مساو في الرتبة و الدرجة أو الأهمية.

و لا يسافر المسافر مع من يتفضل عليه في سفره بل يكره ذلك، و قال الإمام الصادق (ع) «اِصْحَبْ مِثْلَكَ»[6].

و في الروايات مجموعة من آداب الرفقة في السفر، و منها:

ما يتعلق بالمشاركة في النفقة، و الاقتصاد فيها و عدم الاسراف، و عدم تعريض المسافر نفسه لاذلال نفسه أو رفقاء سفره في الإنفاق و غيره.

و أن يكون مفيدا و متواضعا لرفقاء السفر كما يروى عن النبي (ص) قوله: «سَيِّدُ اَلْقَوْمِ خَادِمُهُمْ فِي اَلسَّفَرِ»[7].

و في الرواية عن الإمام الصادق (ع)، قال الراوي: قُلْتُ لأَبِي عَبْدِ اللَّه (ع) إِنَّا إِذَا قَدِمْنَا مَكَّةَ ذَهَبَ أَصْحَابُنَا يَطُوفُونَ و يَتْرُكُونِّي أَحْفَظُ مَتَاعَهُمْ، قَالَ أَنْتَ أَعْظَمُهُمْ أَجْراً»[8]، و عظيم الأجر بسبب ما اكتسبه من خدمة أصحابه إذ يحفظ متاعهم و هو ينفرد به و له أجره و ثوابه، ثم يطوف لاحقا بالبيت كما طافوا فلهم جميعا أجر الطواف.

و منها الإقامة عند المسافر المريض و عدم استعجال الرجوع دونه، و في الكافي عن الإمام الصادق (ع) عن رسول الله (ص) قال: «حَقُّ اَلْمُسَافِرِ أَنْ يُقِيمَ عَلَيْهِ أَصْحَابُهُ إِذَا مَرِضَ ثَلاَثاً»[9].

و عدم إذاعة أو إشاعة ما حدث في السفر فذلك شأن المسافرين و بينهم، و عن الإمام الصادق (ع) «لَيْسَ مِنَ اَلْمُرُوءَةِ أَنْ يُحَدِّثَ اَلرَّجُلُ بِمَا يَلْقَى فِي سَفَرِهِ مِنْ خَيْرٍ أَوْ شَرّ»[10].

كما أنّ الروايات تنهي رفقة بعض الأشخاص و منهم من لا يرى فضل رفيقه عليه فعن أمير المؤمنين (ع): «لَا تَصْحَبَنَّ فِي سَفَرِكَ مَنْ لَا يَرَى لَكَ مِنَ الْفَضْلِ عَلَيْه كَمَا تَرَى لَه عَلَيْكَ»[11]، بل يكون تبادل في رؤية الفضل بين الرفقاء كلٌ يرى فضل أخيه عليه.

و منهم «سيئ الخلق»، قال رسول الله (ص) في سفر خرج حاجا: «مَنْ كَانَ سَيِّئَ اَلْخُلُقِ وَ اَلْجِوَارِ فَلاَ يَصْحَبُنَا»[12].

و في هذا المقام عدة روايات عن أهل البيت عليهم السلام مطلقة في الرفقة، و منها:

مرافقة الموافق و صاحب الرفق و الورع، و روي عن أمير المؤمنين (ع) قوله: «الرَّفِيقُ كَالصَّدِيقِ فَاخْتَرْهُ [فَاتَّخِذْهُ‏] مُوَافِقاً»[13]، و «نِعْمَ الرَّفِيقُ الْوَرَعُ»[14]، و «نِعْمَ الرَّفِيقُ الرِّفْقُ»[15].

و عن رسول الله (ص) «مَا اِصْطَحَبَ اِثْنَانِ إِلاَّ كَانَ أَعْظَمُهُمَا أَجْراً وَ أَحَبُّهُمَا إِلَى اَللَّهِ أَرْفَقَهُمَا بِصَاحِبِهِ»[16].

و الصحبة مع من يتزيّن به فعن الإمام الصادق (ع) «اِصْحَبْ مَنْ تَتَزَيَّنُ بِهِ، وَ لاَ تَصْحَبْ مَنْ يَتَزَيَّنُ بِكَ»[17]، فيصير سببا لتعليمك و كمالك و تزيينك.

و عدم الرفقة مع الحسود و الحريص، و عن أمير المؤمنين (ع) «بِئْسَ الرَّفِيقُ الْحَسُودُ»[18]، و «بِئْسَ الرَّفِيقُ الْحِرْصُ»[19].

و خير الصحبة لسفر الآخرة محمد و آل محمد، و متابعتهم و الأخذ منهم و بتعاليمهم، اللَّـهم اجعلنا من رفقاء محمد و آل محمد في الدّنيا و الآخرة، و صلّ اللّهم على محمد و آله الطيبين الطاهرين.

  1. – المحاسن، أحمد بن محمد بن خالد البرقي، ج٢، ص ٣٥٧

  2. – نهج البلاغة، وصية 31

  3. – المحاسن، أحمد بن محمد بن خالد البرقي، ج٢، ص ٣٥٧

  4. – الكافي، الشيخ الكليني، ج٤، ص ٢٨٦، من لا يحضره الفقيه، الشيخ الصدوق، ج٢، ص ٢٧٨

  5. – من لا يحضره الفقيه، الشيخ الصدوق، ج ٢، ص٢٧٩، المحاسن، أحمد بن محمد بن خالد البرقي، ج٢، ص ٣٥٧

  6. – المحاسن، أحمد بن محمد بن خالد البرقي، ج2، ص359

  7. – مكارم الأخلاق، حسن بن الفضل الطبرسي، ص ٢٥١

  8. – الكافي، الشيخ الكليني، ج٤، ص٥٤٥

  9. – الکافي، الشيخ الكليني، ج2، ص670، من لا یحضره الفقیه، الشيخ الصدوق، ج2، ص 279 عن الإمام الصادق (ع) (حَقُّ اَلْمُسَافِرِ أَنْ يُقِيمَ عَلَيْهِ إِخْوَانُهُ إِذَا مَرِضَ ثَلاَثاً)، الخصال، الشيخ الصدوق، ص٩٩

  10. – المحاسن، أحمد بن محمد بن خالد البرقي، ج٢، ص٣٥٨، و عنه مکارم الأخلاق، الطبرسي، ص253، و وسائل الشيعة (آل البيت)، الحر العاملي، ج١١، ص٤٣٧، و بحار الأنوار، العلامة المجلسي، ج73، ص267

  11. – الكافي، الشيخ الكليني، ج٤، ص ٢٨٦، من لا يحضره الفقيه، الشيخ الصدوق، ج٢، ص ٢٧٨

  12. – مكارم الأخلاق، حسن بن الفضل الطبرسي، ص ٢٥١

  13. – غرر الحكم ودرر الكلم، عبد الواحد الآمدى التميمي، ص ٦٣

  14. – غرر الحكم ودرر الكلم، عبد الواحد الآمدى التميمي، ص ٧١٧

  15. – غرر الحكم ودرر الكلم، عبد الواحد الآمدى التميمي، ص ٧١٥

  16. – المحاسن، أحمد بن محمد بن خالد البرقي، ج2، ص357، الكافي، الشيخ الکافي، ج2، ص669، الكافي، الشيخ الکافي، ج2، ص120، من لا یحضره الفقیه، الشيخ الصدوق، ج2، ص 278، مکارم الأخلاق، الطبرسي، ص251، النوادر، الراوندي، ج1، ص4

  17. – من لا يحضره الفقيه، الشيخ الصدوق، ج ٢، ص٢٧٨، مكارم الأخلاق، حسن بن الفضل الطبرسي، ص٢٥١، مكارم الأخلاق، حسن بن الفضل الطبرسي، ص٢٥١

  18. – غرر الحكم ودرر الكلم، عبد الواحد الآمدى التميمي، ص ٣١٠

  19. – غرر الحكم ودرر الكلم، عبد الواحد الآمدى التميمي، ص ٣٠٩

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *