Loading

الحياة الدنيا والدار الآخرة

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
والصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، محمدٍ وعلى آله الأطيبين الأطهرين، المعصومين المنتجبين، لا سيما بقية الله في العالمين.

يقول تعالى في محكم كتابه:

(وَاضْرِبْ لَهُم مَّثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ ۗ وَكَانَ اللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ مُّقْتَدِرًا)
سورة الكهف، الآية 45.

فالحياة بحقيقتها، بحسب المثل القرآني، أشبه بالدورة الزراعية، تبدأ بقطرات الماء:

﴿وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ﴾ – سورة الأنبياء، آية 30.

ثم ينبت بذلك الماء نباتٌ، التفّ بعضُهُ على بعضٍ، يروق حُسنًا وغَضاضَةً، وما هي إلا مدة قصيرة حتى يصير هذا النبات هشيمًا، تطير به الرياح، فتذروه هنا وهناك، كأن لم يكن شيئًا مذكورًا.

ومثلُ ذلك قوله تعالى:

(اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ ۖ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا ۖ وَفِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ ۚ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ)
سورة الحديد، آية 20.

فالدنيا بمباهجها ومفاتنها تبدو حلوةً جميلةً، كالنبات الأخضر، لكن سرعان ما تغدو حطامًا لا قيمة لها ولا وزن، كحال الزرع حين يذبل ويصفرّ.

وقد وصف الله سبحانه وتعالى الحياة الدنيا بأنها متاع الغرور، لأنها تفتن العباد بالمغريات، وتغرر بهم إلى طريق الشهوات:

(وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور).

وموقف الناس منها أنهم يفرحون بها، مع أن حقيقتها لا تستدعي هذا الفرح، كونها مجرد متاع سرعان ما يفنى ويبلى، مما يستدعي عدم التعلق بها، بل الحذر والتيقظ منها.
قال تعالى:

(وفرحوا بالحياة الدنيا وما الحياة الدنيا في الآخرة إلا متاع)
سورة الرعد، آية 26.

فهذه الحياة الدنيا، بالنسبة إلى الحياة الآخرة، ليست إلا قليلًا ذاهبًا، لأن هذه فانية، وتلك دائمة باقية، فيها نعيم دائم.

لهذا، حذّر سبحانه عباده من الانجرار وراء الدنيا ومفاتنها وزخارفها الفانية:

(فلا تغرنكم الحياة الدنيا ولا يغرنكم بالله الغرور)
سورة فاطر، آية 5.

ويقول الإمام علي (عليه السلام):

“الدنيا جيفة وطلابها كلاب.” (رُوي عنه)

لكن السواد الأعظم من عباد الرحمن يؤثرون الحياة الدنيا على الآخرة:

(بل يؤثرون الحياة الدنيا)
سورة الأعلى، آية 16.

وقد بيّن الله عز وجل حقيقة الدنيا بأنها مقر مؤقت للعمل، ودارٌ للابتلاء والامتحان والاختبار، لتمييز الصالح من المفسد، والطيب من الخبيث:

(الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملا)
سورة الملك، آية 2.

فالوجهة الأساس التي ينبغي على المسلم أن يجعلها هدفه ونُصْبَ عينيه هي الدار الآخرة، الجديرة بالاهتمام، دار البقاء، وهي الخير الحقيقي الباقي للإنسان:

(وما عند الله خير وأبقى أفلا تعقلون)
سورة القصص، آية 60.

نعم، قال تعالى:

(ولا تنس نصيبك من الدنيا)
سورة القصص، آية 77.

فإن تحذير القرآن من الحياة الدنيا، وترغيبه في الدار الآخرة، لا ينبغي أن يُفهم منه أن على المسلم أن يقف من الدنيا موقفًا سلبيًا. ليس هذا هو مراد القرآن الكريم، بل المطلوب من المسلم أن يقف موقفًا متوازنًا منها، بحيث يجعل الدنيا في يده، لا في قلبه، أو بمعنى أنه لا يكون أسيرًا لها، بل هو من يتحكم فيها، فيأخذ منها ما يخدم دينه وآخرته، ويعرض عنها فيما يعود بالضرر عليه دنيا وآخرة.

فعليه أن يجمع بين أمرَي الدنيا والآخرة، كما في دعاء القرآن:

(ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار)
سورة البقرة، آية 201.

ويقول أمير المؤمنين عليه السلام:

“الدنيا دار ممر، والآخرة دار مقر، فخذوا من ممركم إلى مقركم.”

أعمالك في الدنيا هي التي تُدخلك الجنة.

وعنه (عليه السلام) قال:

“إن العبد إذا كان في آخر يوم من الدنيا وأول يوم من الآخرة، مُثّل له ماله وولده وعمله.
فيلتفت إلى ماله ويقول: والله، إني كنتُ عليك شحيحًا حريصًا، فما لي عندك؟
فيقول المال: خذ مني كفنك.
ثم يلتفت إلى ولده فيقول: والله، إني كنتُ لكم محبًّا، وعليكم محاميًا، فماذا لي عندكم؟
فيقولون: نُؤدّيك إلى حفرتك ونواريك فيها.
ثم يلتفت إلى عمله فيقول: والله، إنك كنتَ عليّ ثقيلًا، وكنتُ فيك زاهدًا، فماذا عندك؟
فيقول العمل: أنا قرينك في قبرك، ويومَ نشرك، حتى أُعرض أنا وأنت على ربك.”

فعلى الإنسان أن يكون مقتصدًا في طلب الدنيا، ويأخذ منها بقدر، كما قال تعالى:

(وكلوا واشربوا ولا تسرفوا)
سورة الأعراف، آية 31.

إن هذه الدنيا مدتها قصيرة، تصل بنا إلى الموت، فالليل والنهار يعملان فيك، فاعمل فيهما، ويأخذان منك، فخذ منهما.

وعن الإمام علي (عليه السلام):

“أيها الناس، الآن الآن، قبل الندم، ومن قبل أن تقول نفس: يا حسرتا على ما فرّطتُ في جنب الله.”

وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله الطيبين الطاهرين.

السيد مصطفى مرتضى

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *