![]()
الخطبة الأولى: هل الإمامة من أصول الدين؟ (1)
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله ربّ العالمين، وأفضل الصلاة وأتمّ التسليم على أشرف الخلق والمرسلين، حبيب إله العالمين، سيدنا ومولانا أبي القاسم محمد، وعلى آله الطيبين الطاهرين، واللعنة الدائمة على أعدائهم إلى قيام يوم الدين.
أما بعد، عباد الله،
أوصيكم ونفسي الخاطئة المقصّرة بتقوى الله عز وجل، فهي وصية الله للأولين والآخرين، قال تعالى:
﴿وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ﴾ [النساء: 131].
أيها الإخوة المؤمنون،
في زمن كثر فيه الخلاف والجدل حول مفاهيم العقيدة، وانشغل الناس بالسطحيات عن أمهات المسائل، نعود اليوم لنطرح سؤالًا جوهريًا، لا باعتباره نقاشًا عابرًا، بل باعتباره قضية تمس جوهر الإيمان وتمام الدين:
هل الإمامة من أصول الدين؟
هل هي شأن فرعي يُكتفى فيه بالولاء العاطفي؟ أم أنها ركن أساس لا يصح إيمان المؤمن إلا به؟
ما مكانة الإمامة في منظومة العقيدة الإسلامية، لا سيما في مدرسة أهل البيت عليهم السلام؟
وهل يكفي الإيمان بنبوة محمد (ص) دون الاعتقاد بإمامة خلفائه المعصومين من بعده؟
في هذه الخطبة، نسلّط الضوء على مفهوم الإمامة، وأدلتها من القرآن والسنة، لنفهم لماذا يراها الشيعة الإمامية أصلًا من أصول الدين، وما أثر ذلك في العقيدة وسلوك المؤمن.
فالحديث عن الإمامة ليس مسألة نظرية ثانوية، بل هو من صميم الدين، وجزء لا يتجزأ من الإيمان الحق.
أولًا: ما معنى أصول الدين؟
أصول الدين هي العقائد التي يُبنى عليها الإيمان، والتي يجب على المكلّف أن يعتقد بها عن يقين لا عن تقليد.
بمعنى آخر: لا يُرجى النجاة في الآخرة إلا لمن آمن بأصول الدين واعتقد بها بإخلاص وعقل.
فـ”الأصل” هو ما لا يصح الإيمان إلا به، وما يترتب على إنكاره خلل في العقيدة.
والشيعة الإمامية – أتباع مدرسة أهل البيت عليهم السلام – يُجمعون على أن الإمامة أصل من أصول الدين، لا من فروعه.
.ما هي أصول الدين عند مدرسة أهل البيت (ع)؟
هي خمسة:
1 التوحيد
2 العدل
3 النبوة
4 الإمامة
5 المعاد
وهذه الأصول يجب الاعتقاد بها عن يقين وبحث، لا بمجرد التقليد.
ومقابلها توجد فروع الدين، وهي الأعمال العملية: كالصلاة، الصوم، الزكاة، الخمس، الحج، الأمر بالمعروف، النهي عن المنكر، وغيرها.
ما هو الدليل على أن الإمامة أصل من أصول الدين؟
1- من القرآن الكريم:
قوله تعالى:
﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا، الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ﴾ [المائدة: 55]
• فسّر النبي ( ص) هذه الآية بأن المقصود بها هو علي بن أبي طالب عليه السلام، عندما تصدّق بخاتمه وهو راكع.
• “وهم راكعون” هنا واو الحال لا واو العطف، أي أن التصدق حصل أثناء الركوع.
وقوله تعالى:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ، وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ، وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ [النساء: 59]
• وقد فسّر النبي (ص) “أُولي الأمر” بأنهم الأئمة الاثنا عشر من أهل بيته، عليهم السلام.
وقوله تعالى عن إبراهيم (ع):
﴿إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا﴾ [البقرة: 124]
وهذا التعيين جاء بعد أن بلغ إبراهيم مرتبة النبوة والخُلّة، مما يدل على أن الإمامة منصب إلهي مستقل، واختصاص قيادي أعلى من جهة الوظيفة الاجتماعية والتشريعية.
2- من السنة النبوية:
حديث الأئمة الاثني عشر:
عن جابر بن سمرة قال:
“سمعت رسول الله (ص) : يقول:
إن هذا الأمر لا ينقضي حتى يمضي فيهم اثنا عشر خليفة، كلهم من قريش.”
(رواه البخاري 7222، ومسلم 1821)
حديث: “من مات ولم يعرف إمام زمانه”:
قال رسول الله (ص) :
“من مات ولم يعرف إمام زمانه، مات ميتةً جاهلية.”
• هذا الحديث متواتر عند جميع المذاهب، و”الميتة الجاهلية” تعني الموت على ضلال، وهو ما يُوجب النار.
• وبما أن الجهل بالإمام يُفضي إلى النار، فمعرفته واجبة، بل شرط في الإيمان، ما يدل على أن الإمامة من أصول الدين.
حديث الثقلين:
قال رسول الله (ص) :
“إني تارك فيكم الثقلين، ما إن تمسكتم بهما لن تضلوا بعدي: كتاب الله، وعترتي أهل بيتي. وإنهما لن يفترقا حتى يردا عليّ الحوض.”
• التمسك بالقرآن وحده لا يكفي، بل لا بد من التمسك بالعترة، أي بالأئمة من أهل البيت. وهذا دليل على وجوب اتباعهم، وضرورة وجودهم كقادة وهداة.
حديث الغدير:
“من كنتُ مولاه، فهذا عليٌّ مولاه، اللهم والِ من والاه، وعادِ من عاداه…”
(حديث متواتر عند جميع المسلمين)
• هذا إعلان واضح بولاية أمير المؤمنين (ع)، وليس مجرد محبة، بل قيادة وإمامة.
حديث السفينة:
“إنما مثل أهل بيتي فيكم كمثل سفينة نوح، من ركبها نجا، ومن تخلّف عنها غرق.”
(رُوي بألفاظ متعددة في كتب السنة والشيعة)
• النجاة لا تكون إلا باتباع أهل البيت، ومن خالفهم كان في الهلاك، والنجاة هي في الآخرة، ما يعني أن الإمامة شرط في النجاة، أي من أصول الدين.
الخاتمة:
نكتفي بهذا القدر في هذه الخطبة، على أن نُكمل – بإذن الله – في خطب لاحقة، نُفصّل فيها جوانب أخرى من موضوع الإمامة، وأهميتها في العقيدة الإسلامية.
وصلى الله على سيدنا محمد وآله الطيبين الطاهرين، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
السيد مصطفى مرتضى