Loading

الخطبة الثانية ضمن سلسلة: هل الإمامة من أصول الدين؟

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله ربّ العالمين، وأفضل الصلاة وأتمّ التسليم على سيد الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد، وعلى آله الطيبين الطاهرين، واللعنة الدائمة على أعدائهم أجمعين إلى قيام يوم الدين.

عباد الله، أوصيكم ونفسي المقصّرة بتقوى الله، فهي الزاد ليومٍ لا ينفع فيه مال ولا بنون، إلا من أتى الله بقلب سليم.

أيها الإخوة المؤمنون،
في الخطبة السابقة، فتحنا بابًا من أبواب العقيدة، وسألنا سؤالًا مصيريًا:
هل الإمامة من أصول الدين؟

وقد بيّنا أن الإمامة ليست شأنًا فرعيًا، ولا قضية هامشية، بل أصل أصيل في منظومة العقيدة، كما قررها القرآن الكريم، وبيّنتها سنة النبي المصطفى (ص) .

واليوم نتابع في هذه الخطبة الثانية، بإذن الله، استكمال الأدلة العقلية والنقلية التي تُثبت أن الإمامة ليست منصبًا بشريًا يُنال بالانتخاب أو التغلب، بل اختيار إلهي، ووظيفة شرعية، وامتداد للنبوة في حفظ الدين وقيادة الأمة. كما نناقش دور الإمام في التشريع والبيان، ونُظهر أن غياب الإمامة يؤدي إلى ضياع الدين وتحريفه، كما وقع في كثير من الأمم السابقة.

فكونوا معنا في هذه الوقفة العقائدية الثانية، نتابع السير بنور القرآن والعقل والسنة الثابتة، لنصل إلى الحقيقة التي بها النجاة.

ترابط أصول الدين

أصول الدين مترابطة فيما بينها، فلا يصح الإيمان بأصل منها مع إنكار أصل آخر.

ففي التوحيد، نؤمن بأن الله تعالى واحدٌ في ذاته، وصفاته، وأفعاله، لا شريك له ولا نظير، وهو الكمال المطلق في الوجود والعلم والقدرة. ومن آمن بأن الله هو الكمال المطلق، لا بد أن يؤمن كذلك بأن الله عادل.

إذًا، التوحيد يقتضي الكمال، والكمال يقتضي العدل. ومن عدله سبحانه أن يُظهر عدالته في الدنيا والآخرة.

عدالة الله في الآخرة

عدالة الله في الآخرة تتجلى في الحساب والجزاء، حيث يُجازى المحسن ويُعاقب المسيء، وهذا هو المعاد، أحد أصول الدين الخمسة.
قال تعالى:
﴿إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ، ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ﴾
[الغاشية: 25-26]

عدالة الله في الدنيا

أما عدالته في الدنيا، فتُتحقق من خلال نظام إلهي عادل يُبلَّغ إلى البشر. وهذا النظام لا يمكن تطبيقه عشوائيًا، بل لا بد له من قيادة معصومة، تضمن العدالة وتمنع التحريف والانحراف. ومن هنا جاء دور النبوة، ثم الإمامة، لقيادة الناس وفق شريعة الله.

قال تعالى:
﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ، وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ﴾
[الحديد: 25]

وقال سبحانه:
﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا، وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ، وَإِقَامَ الصَّلَاةِ، وَإِيتَاءَ الزَّكَاةِ﴾
[الأنبياء: 73]

تسلسل منطقي لأصول الدين

من الإيمان بأن الله واحد، نصل إلى الإيمان بعدله.
ومن عدله، نُدرك ضرورة وجود نظام عادل،
ومن الحاجة إلى نظام عادل، نحتاج إلى قيادة معصومة تطبّقه، وهم الأنبياء والأئمة.
وأخيرًا، فإن عدالة الله تكتمل يوم القيامة، في المعاد.

وهكذا تتكامل الأصول الخمسة:

التوحيد → العدل → النبوة → الإمامة → المعاد

ولا يمكن أن نؤمن بأحدها بإخلاص ويقين، دون أن يؤدي ذلك إلى الإيمان ببقيتها.

الإمامة امتداد للنبوة

الإمام عند مدرسة أهل البيت عليهم السلام ليس مجرد حاكم سياسي، بل حجة الله في الأرض، القائم بأمر الدين بعد ختم النبوة.
فكما كان النبي ( ص ) معصومًا، مفوضًا من الله، كذلك الإمام معصوم، مكلّف بهداية الأمة، وتبيين الأحكام، وصيانة الشريعة من التحريف.

الخاتمة

وإذ نبيّن ترابط أصول الدين بهذا الشكل، نخلص إلى أن الإمامة ليست أصلًا معزولًا، بل هي ضرورة عقلية ونقلية داخل منظومة التوحيد والعدل والنبوة والمعاد.
فمن آمن بالله العادل، لا بد أن يؤمن بإمام معصوم، يقود الناس بالحق ويطبق شرع الله.
ومن آمن بيوم الحساب، أدرك أن الله لا يترك الناس دون حجة ظاهرة.

وصلى الله على محمد وآله الطيبين الطاهرين، والحمد لله رب العالمين.

وإلى لقاء قريب في الخطبة الثالثة، بإذن الله، حيث نتناول:
“الحاجة إلى الإمام بعد رحيل الرسول الأعظم .

السيد مصطفى مرتض

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *