Loading

الخطبة الثالثة والأخيرة ضمن سلسلة: هل الإمامة من أصول الدين؟

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله الذي هدانا لهذا، وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وآله الطيبين الطاهرين، وأصحابه المنتجبين، ومن سار على دربهم بإحسان إلى يوم الدين.

أيها الإخوة المؤمنون، يا من تتعطّش قلوبكم للحق، وتسعون لمعرفة ما افترضه الله على عباده من أصول الدين وفرائض اليقين، نلتقي اليوم في الخطبة الثالثة والأخيرة من هذه السلسلة العقائدية التي طُرحت فيها تساؤلات كبرى عن موقع الإمامة في البناء العقدي الإسلامي:

هل هي من أصول الدين التي لا يكتمل الإيمان إلا بها؟ أم هي من الفروع التي لا يترتب على إنكارها خروج من الدين؟

لقد وقفنا في الخطبتين السابقتين عند أدلة الفريقين، وناقشنا المفهوم العام للإمامة، ثم تطرقنا إلى النصوص الواردة في القرآن الكريم والسنة النبوية، وبيّنا أن الإمامة ليست مجرد شأن سياسي أو تنظيمي، بل لها امتداد عقائدي وتشريعي عميق.

واليوم، نكمل هذه الرحلة الفكرية بالإضاءة على بُعدٍ جديدٍ في هذا البحث، نناقش فيه:
دور الإمامة في حفظ الدين بعد النبوة، ومرجعية الأمة إليهم عند الاختلاف، وضرورة التمسك بهم لئلا تضل الأمة.

نعم، من الضروري أن يكون هناك إمام بعد رحيل النبي (صلى الله عليه وآله).
ما الدليل؟

إن الله فاعلٌ حكيم، والفاعل الحكيم غايته في فعله.
فالله عز وجل خلق الإنسان لينال كماله المنشود، ونَيل الكمال بالنسبة للإنسان لا يتم إلا إن كان الإنسان مختارًا، والاختيار موقوف على معرفة الطريق الصحيح للكمال.
ومعرفة هذا الطريق لا تتأتى بالحس والعقل والتجربة فقط، بل يحتاج الإنسان إلى طريق رابع، وهو الوحي الإلهي.

وهذا الوحي لا بد أن يكون معصومًا في التلقي والتبليغ، ومن هنا نستنتج، عن طريق العقل والنقل، ضرورة بعثة الأنبياء، لأنهم السبيل إلى إيصال الوحي الإلهي الذي يُرشد الإنسان إلى الكمال.

ومع هذا، فالدين الإسلامي دين عالمي وخالد، يتماشى مع كل العصور إلى يوم القيامة، فلا بد أن يكون هذا الدين مصونًا من التحريف.
صحيح أن القرآن الكريم مصون ومحفوظ إلى أن يَرِد الناسُ الحوض، لكن هناك إشكال من جهة أخرى، وهي أن القرآن الكريم ليس فيه تفصيل التشريعات، بل فيه العموميات، وأما التفصيلات فقد أوكلها الله إلى رسوله (صلى الله عليه وآله).

قال تعالى:
“وأنزلنا إليك الذكر لتُبَيِّن للناس ما نُزِّل إليهم”
أي: سنة النبي، قولًا، فعلًا، وتقريرًا.

إذن، انفتح بابٌ آخر من أبواب الدين، وهو بيان التفصيلات، ولأن الدين خالد وعالمي، فلا بد أن يُلبي احتياجات البشر إلى يوم القيامة.

فنسأل:
هل ما بيّنه النبي في حياته يكفي ليكون الدين خالدًا وعالميًا؟
هل التفصيلات التي ذكرها (ص) تكفي لسدّ احتياجات البشر إلى يوم الدين؟

والجواب: لا. لم يبيّن الرسول جميع الأحكام الشرعية التي تلبي حاجات الفرد والمجتمع إلى يوم القيامة.

لماذا؟

لأن النبي (ص) عاش بين الأمة رسولًا ثلاثًا وعشرين سنة، ثلاث سنواتٍ منها كانت في شِعب أبي طالب، وعشرون سنة تخللتها الهجرة، والحروب، والمشاكل الداخلية، وهذه الانشغالات منعته من بيان جميع تفصيلات الأحكام التي يحتاجها الناس في كل العصور.

بل حصل التحريف بعد وفاته (ص)، حتى إن بعضهم كانوا يكذبون عليه في حياته، فصعد المنبر وقال:
“من كذب عليّ متعمدًا فليتبوأ مقعده من النار”، فكيف سيكون الحال بعد وفاته؟

إذن، إلى الآن، عالمية الدين وخلوده في خطر، وهنا تظهر ضرورة وجود قيمٍ على الدين – الإمام – بعد رسول الله (ص)، وإلا فإن الدين سيتعرض للتحريف أو النقص.
والرسول قد قال:
“إني تارك فيكم الثقلين: كتاب الله وعترتي أهل بيتي، ما إن تمسكتم بهما لن تضلوا بعدي، وإنهما لن يفترقا حتى يردا عليّ الحوض”.

إذن، بعد رحيل الرسول، تتطلب الضرورة وجود حافظ للشريعة، وهو الإمام المعصوم المنصَّب من قِبل الله تعالى.

ضرورة تنصيب الإمام نلحظها من عدة وجوه:
1. يحفظ الشريعة من التحريف.
2. يُبيّن التفاصيل التي لم يبيّنها النبي (ص)، لكي يبقى الدين عالميًا وخالدًا.
3. يكون مرجعًا للناس عند الاختلاف.
4. لئلا يكون للناس على الله حجة.
5. اللطف الإلهي بعباده.

فإذا عيّن الإمام من قِبل الله ورسوله، يكون الدين الإسلامي محفوظًا، عالميًا، خالدًا، ويستطيع الإنسان أن يبلغ الكمال المنشود.

وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله الطيبين الطاهرين
السيد مصطفى مرتضى

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *