![]()
من رواية النَّفَس الأخير … دورية الحراسة … عن جائحة كورونا …
يسجل الكاتب جليل البكاء ما يرويه الدكتور عبد المرتفع، حيث يقول، سيدنا… لا أنسى ذلك الصيف اللاهب من عام 2020، حينما تسللت إليّ يد الموت خلسة، تحمل سلاحًا لا يُرى، يدعى كورونا، كنتُ حينها رجلاً ظنَّ أن العلم سلاحه الوحيد، حتى داهمني الفيروس في الشهر السادس كجائحة داخل الجائحة، وحطَّ رحالي في المستشفى ثلاثة أيام كانت كأنها دهور …
عدتُ إلى البيت بعدها، لا منتصرًا ولا مهزومًا، وإنما شبه حيٍّ، كما لو أنني أطارد أنفاسي الأخيرة في معركة غير متكافئة. كان الأخ والزميل، الدكتور مجيد الحمامي، كالملاك الحارس الذي رفض أن يتركني وحيدًا في عزلتي. يوميًا، كان يأتي إلى منزلي، متحديًا خطورة العدوى، يشرف على علاجي، يراقب حرارتي، ويحرص حتى على ما أتناوله من طعام بالكاد كنت أتذوقه …
كنتُ أشعر بنارٍ حقيقية تجري في عروقي. حرارتي وصلت في بعض الأيام إلى 41 درجة مئوية، وكأن جهنم قد سكنت داخلي. أما النوم، فقد صار ذكرى بعيدة، وليلٌ بلا نهار. أصابني أرقٌ قاسٍ جعلني أسير ساعاتي الطويلة بلا راحة …
في تلك الأيام الحالكة، كان أولادي الثلاثة، الدكتور إبراهيم الصيدلاني، والدكتور محمد، والدكتور علي، يوزعون أوقاتهم كحُرَّاس الليل. خفاراتهم عليَّ كانت أشبه بتوزيع الأدوار في معركة مقدسة، يراقبون أنفاسي المتقطعة ويتأكدون أنني لا أستسلم …
ولكن الجسد لا يرحم. خلال خمسة وأربعين يومًا من المرض، خسرت عشرة كيلوغرامات من وزني. رأيت انعكاسي في المرآة فظننته شخصًا غريبًا. كان كل شيء يدفعني للاستسلام، لكن روحًا خفية، دعاء الأحبة، وعزيمة صامتة قادتني إلى التعافي شيئًا فشيئًا …
هكذا، وبعد تلك التي كانت وكأنها دهر، بدأت أرى النور في آخر النفق. كانت معركة وجود، لم أكن فيها طبيبًا فقط، بل مريضًا، أبًا، وإنسانًا يُعيد اكتشاف الحياة من جديد …
بقلم جليل هاشم البكاء