![]()
الفعل الإسرائيلي والرد العربي: محك الإرادة ومصير المنطقة
الهجوم الذي استهدف العاصمة القطرية الدوحة،، يحمل رسالة مفادها لا قيود تحدد العدوان الإسرائيلي على ديار العرب، وأن أي أرض عربية، بغض النظر عن مواقعها أو ثرواتها، يمكن أن تكون في مرمى النيران، ضمن خطة شاملة تهدف إلى إعادة تشكيل منطقة الشرق الأوسط وفق ما تريده إسرائيل وتدعمه واشنطن.
هذه الرسالة جزء من مسار طويل يؤكد أن الهدف المنشود هو تجريد المنطقة من قوتها وتحطيم أي إرادة تقف في وجه السيطرة الإسرائيلية. إن ما يروج له من “شرق أوسط جديد” لا يحترم سيادة الدول ولا حقها في الدفاع عن نفسها، بل هو نموذج لإذلال الأمم، حيث تُحرم الدول من أدوات ردع حقيقية، لتبقى تحت سطوة القوة العسكرية الإسرائيلية التي تستخدم بلا رادع لضرب أي محاولة للمقاومة أو المطالبة بالحقوق.
وفي هذا المضمار، تظهر الأموال الطائلة التي دفعتها دول الخليج، ومنها قطر، إلى الولايات المتحدة الأمريكية ثمناً للسلاح أو ضمانات للأمن، وكأنها ثمن وهمي لا يجلب أمناً حقيقياً. فالقواعد العسكرية الأمريكية المنتشرة في المنطقة، مثل قاعدة العديد في قطر، تثبت يوماً بعد يوم أن دورها الحقيقي هو حماية مصالح إسرائيل وأمنها فوق كل اعتبار، وليس الدفاع عن الدول التي تستضيفها. لقد غدت هذه القواعد أدوات بيد السياسة الأمريكية والإسرائيلية لفرض الأمر الواقع وكسر إرادة الشعوب العربية.
الموقف العالمي، ممثلاً في مجلس الأمن، يكرس هذا الواقع. ثقة إسرائيل الكاملة بعدم صدور أي قرارات حاسمة ضدها، بسبب استخدام الولايات المتحدة لحق النقض (الفيتو)، جعلتها تشعر بأنها فوق القانون. أما بيانات الشجب والتنديد الصادرة عن بعض الحكومات العربية، فهي لا ترقى إلى مستوى الدماء المسفوكة في غزة وجنوب لبنان واخرها الدوحة ، إنها مجرد كلمات باهتة تفتقر إلى روح المقاومة، وتكشف عن عمق التراخي العربي والانقسامات التي جعلت الأمة جسماً ضعيفاً عاجزاً عن حماية أبنائه أو الدفاع عن مقدساته.
بعد أن رأينا بأعيننا دمار غزة وتهجير أهلها، وتكرار الاعتداء على جنوب لبنان، يأتي الدور الآن على الدول العربية نفسها. العلاقات الخفية والعلنية التي نسجتها بعض الحكومات العربية مع الكيان الصهيوني، بحجة المصالح الاقتصادية أو الأمنية، لم تحمها من الوقوع في دائرة الخطر. لقد حان الوقت لندرك أن السلام الحق لا يُبنى على التنازل عن الحقوق والسيادة، بل على العدل واخذ الحقوق .
وفي لبنان، حيث تسعى الحكومة تحت ضغوط خارجية كبيرة ل نزع سلاح حزب الله، يجب أن يكون العبرة واضحة: نزع سلاح المقاومة، الذي كان السلاح الوحيد الذي دافع عن لبنان وردع العدوان المتكرر، هو حلقة في هذه الخطة الكبرى لترك المنطقة بلا حماية أمام آلة الحرب الإسرائيلية. إنه استسلام لمطالب خارجية تهدف إلى إكمال عملية إخضاع المنطقة.
كل هذا لا يتم بمعزل عن الحكومة الأمريكية. فالدعم الأمريكي المستمر، سواء في عهد ترامب أو غيره، هو عصب الحياة للسياسة التوسعية الإسرائيلية. إنه دعم غير محدود بالمال والسلاح والقوة الدبلوماسية، مما يمنح إسرائيل الإذن الكامل للمضي قدماً في مخططاتها.
في الختام، فإن الرسالة الموجهة إلى العرب جميعاً واضحة: لن تحميكم أموالكم، ولا تحالفاتكم الهشة، ولا صمتكم. المواجهة الحقيقية في إعادة بناء الإرادة العربية الموحدة، واستعادة القرار الوطني المستقل، ورفض منطق التبعية. إن دماء الفلسطينيين واللبنانيين والعرب في كل مكان هي ثمن باهظ يدفعه كل من يظن أن السلام يمكن أن يُشترى بالأموال والتنازل عن الكرامة والسيادة.
د عباس مزبان العيساوي
