الشيخ مازن السهلاني

Loading

النجف الأشرف / الحلقة الاولى
في ذاكرة الشيخ مازن السهلاني

قد جئتَ في زَمنٍ لمْ يفهموكَ بهِ
وكلُّ جيلٍ يُحيلُ الفهمَ للآتِ
حارت عقولُ الورى في فهم حيدرةٍ
الّا النبيَّ وخلاقَّ السماواتِ
النجفُ الأشرف المدينة التي استلهمَت عظمتها من ضريح منارة العلم وإمام المُتقيّن الإمام أميرُ المؤمنين عليّ بن ابي طالب عليه السلام فعندما تتجوّل فيها و في ذلك البحر الخِضم الذي لا حدود لَهُ تلحظُ شوارعها وأزقتّها الضيّقة وأسواقها المُميّزة ومكتباتها ومساجدها ومدارسها العريقة سترى تلك البيوت القديمة والدواوين العلمية والأدبية الجميلة (البرانيّات) التي تخرجّ منها الفقهاء الاعلام والمتميزين والعظماء هكذا كنتُ أسكن النجف في محلّة العمارة ومن هناك انطلقت مسيرتي الدراسية عندما جئتُ قادمًا من ثغر العراق البصرة الفيحاء في أوآخر عام ١٩٧٤ في الرابعة عشر من العُمر أتنقّلُ بين مجالسها الجميلة والمفيدة لأكتب وأتعلمّ منها وأتربّى وأترعرع فيها مستمعًا لعلمائها وفقهاءها وفضلائها الذين اذا رأيتهم وجالستهُم ينشّدُ فكري إلى كلماتهم ومواعظهم يملؤون عقلي وقناعاتي ولا أتحدّث أوهامًا أو رياءًا أو خيالًا فأنا عشتُ هذه التجربة في الجلوس بين أياديهم واستمعتُ إلى كلماتهم وهم يتحدّثون حديث المربّي والمعلّم ولا أظنّ أحدًا يلتقي هذه النُخبة إلّا ويبقى مبهورًا مشدودًا اليهم و سرّ هذا الجذب لهذه الشخصيات الفذة ليسَ هو مجرّد العلم فما أكثر الذين يملكون العِلمْ ولا تجد نفسك تنجذبُ إليهم ولكن هذا الإنجذاب سرّهُ الروحانية والربانيّة المتجذرّة في شخصياتّهم الفذّة وليست الروحانية المتصّنعه والكاذبة بل الروحانية الصادقة التي أصبحت في كيانهم وأصبحتْ مَلَكة في طباعِهم وأخلاقهم وسلوكياتهم…كم هي جميلة النجف وكم هو جميل اسلوب الدراسة الحوزوية فيها والذي مازال الى الآن باقيًا حيثُ تترك الطالب وإرادتهُ فلا تفرض عليه شيئ في مواد الدراسة ولكنّها تُثمّن وتحترم عطاء الطالب الفاضل العامل المجاهد وتثق لَهُ ولدينه من خلال التقوى والكفاءة والنقاشات العلمية ومقارعة الحجة بالحجّة سواء كان هذا الطالب خريّج الجامع الهندي أو جامع الشيخ الطوسي أو دار الحكمة أو جامعة كلانتر أو مدرسة الآخوند الكبرى أو مدرسة القوّام أو المدرسة الشبّرية أو كلية الفقه أو مدارس أخرى. وممّا زادني إعجابًا عن النجف والدراسة الحوزوية فيها كنتُ أرى حلقات الدرس الجميلة والأسلوب الحاذق الماهر للأساتذة وطريقة التدريس من حيث الإبداع والترتيب وإستدلال الأستاذ بأقوال مُتعددّة قد تكون مقبولة عند بعض الطلبة وغير مقبولة عند البعض الآخر وهنا يحدثُ الإنقسام في حلقة الدرس بين موالي ومعارض وترتفع الأصوات بكلّ قوتّها ويحتدم الجدال وكأنّ معارك طاحنه ستقع قريبًا كما تحدث في بعض برلمانات العالم أو المجالس الإدارية وغيرها.. لكن تبقى حوزة النجف وجامعتها العملاقة تحتاج الى مَن يُعرِّف بها لأنهّا مجهولة بتأثيرها وأعمالها وحقيقتها وشخصياتها حتى رأيتُ البعض ممّن عاش في النجف أو درس فيها لا يعرف من أسماء شخصياتّها العلمية والأجتماعية الكثيرة والمتنوعّة الا شخصّية واحدة او شخصيّتين!! لقد رأيتُ مرجعية النجف حاضرة علمية وعالمية كبرى لا يُمكن أن يُنكَر جميلُها حيثُ لها دور كبير وعظيم في نشر السلام والمحبَّة بين الناس كُلّ الناس والدليل واضح اليوم فكلّ أزمة يمر بها البلد تجدُ حلًّا لها في النجف ولكن (لقد أسمعت لو ناديت حيّا) هكذا رأيتُ النجف الأشرف بلدًا عظيمًا لا يستحقُ ان يكون للكسالى من الناس خصوصًا للذي يريد أن يلبس ثوب العلم والدين بإستحقاقٍ وجدارةٍ فالنجف خرجّت الأمراء في الشِعر والخطابة وخرجّت الأئمة في الفقه والأصول أمّا في مضمار التأليف والنشر فلا يوجد بلد في العالم يُضاهي تلك البُقعة الصغيرة بالمكان والكبيرة بالعطاء وهكذا تبقى النجف بحاجة كبيرة الى النثر وليس بحاجةٍ كبيرة الى الشِعر فلا يُمكن لها ان تستغني عن النثر الذي هو عنوانها وكنزها الثمين الذي يُعبّرُ عن حقيقتها ويُوصل صوتها الى بقاع العالم.

شذرات عبقة من رحلة الغرباء – الحلقة الأولى

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *