![]()
النجف الأشرف
في ذاكرة الشيخ مازن السهلاني / الحلقة الثانية
مواقفٌ في الإسلامِ يذكرُها
لَكَ الرسولُ بعنوانِ المُباهاتِ
جلّتٌ عن الحصرِ لا يحصى لها عددٌ
مثلَ الكواكبِ في أُفق السماواتِ
ممّا زادني إعجابًا في مجالس النجف وأنديتها ودواوينها (البرانيّات) التي كنت على تواصل دائم معها ومن أكثرها حضورًا كان (برانّي) السادة ال بحر العلوم الواقع في محلّة العمارة حيث كان تحت إشراف العَلمين الأخوين الشهيدين السيدين علاء الدين وعزّ الدين بحر العلوم رحمهُم الله وهما طاقة من الطاقات المُبدعة ونجوم مُضيئة لَمعَت على صفحات الخلود ، كانت حياةُ هذين العالمَين كُلُها خيرًا وعطاءًا فكلماتهُم عطاء ونظراتهُم عطاء وابتساماتهُم عطاء وترحيبهُم عطاء لذا يجب أن لا نسمح لأعداءِ ثقافتنا أن يُغيبّوا أو يفصلوا هذه الرموز الفذّة عن ذاكرة الأجيال وليفخر شعب العراق بأمثال هذه الشخصيّات اللامعة التي تألف المعروف وتأنسْ بالخير والعطاء ولا أقولُ هذا تملّقًا أو رياءًا فأسرة آل بحر العلوم واحدة من أعرق الأسر في التاريخ الشيعي التي أنجبت الفقهاء وكبار العلماء وقدمّت العديد من الشهداء فهي شجرة مثمرة بالعطاء وشجرة راسخة وفيرة بالظلّ والإمتداد وكان مجلسهم اليومي من المجالس الرائعة حيثُ يُعقد بعد صلاتي المغرب والعشاء وهو مجلس أريحي وجميل مُلمّع بالمشاركات الفقهية والأصولية والأدبية والسياسية يشارك في حضوره علماء الأُسرة وأبناءهم وكان يحضرهُ ويتوافد عليه طبقة فذّة من أهل العلم والفضيلة أمثال آية الله الراحل السيد السعيد الحكيم وولديه الحسين والتقي رحمهم الله وال الخلخالي الرضي والتقي وأبنائهم والخرسان الصالح وعليخان عبد الرسول والأخوين الراحلين السادة الشيرازيين والقزويني عبد الحسين وأغا موسى وهادي فياض عميد كلية الفقه آنذاك وجمال الدين المصطفى والقاموسي والبكاء والصغير وشمسه السعيد والحبوبي وكان يتردد بين الآونة والأخرى المرجع الديني السعيد الحكيم وأبناءه وجمع غفير من أسرة ال الحكيم طليعةً بأبي علي السيد عبد الصاحب الحكيم رحمه الله كما كان يحضر المجلس ايضًا في مناسبات خاصة السيد الخوئي وولده السيد جمال والسيد المستنبط والسيد علي البهشتي والسيد محمد باقر الصدر والشيخ بشير النجفي والشيخ البروجوردي وكلانتر والتقي الجواهري والسيد محمد جمال الهاشمي والشيخ عبد الغني الخضري والسيد الحمامّي والتقي الأيرواني واليزدي إبراهيم اضافة الى شريحة كبيرة من طلبة العلوم الدينية منهم عباس المطراوي و علي قِبلة وهادي الشوكي ونبيل علوان والسهلانيين الفاضل والحافظ وعلي والمرعشيان الرضي والتقي والسبزواريان علي والحسين وآل صادق والقبيسي ومُغنية والمحلاتي والقائمة طويلة بهولاء الأعلام ، كما كنت أرى بعض كوادر الأسر النجفية لهم حضور في زيارة هذه المجالس امثال الحاج هادي عليبيج وآل كمونّة ومحبوبة والسلامي والصايغ والذي يحظى بالحضور في هذا المنتدى الجميل بين هذه الطبقة من العلماء والخطباء لاشكّ ولاريب ستضوغهُ هذه المجالس صياغةً إيمانية صحيحة في خط الأصالة والألتزام وخط القيم والأخلاق ، وكان يُعقد في كُلّ يوم جُمعة ليلًا مجلس تعزية يزدحم المجلس بالحضور ويشارك مجموعة من الخطباء في إحياء هذه المجالس امثال الشوكي والاعرجي وأبو الطابوق وشبّر والدجيلي الصالح وال الحلو وغيرهم من أهل العلم والفضيلة رحم الله الماضين وحفظ الباقين كذلك إعتاد برانّي السادة ال بحر العلوم على إحياء العشرة الثالثة من شهر محرم اضافة الى أحياء مجالس الفاطمية الثالثة صباحًا لمدة خمسة أيام …كما اعتدتُ على الحضور في مجلس ال بحر العلوم في العشرة الاولى من شهر محرّم في دار السيد غياث الدين بحر العلوم وكان المجلس يزدحم ازدحامًا شديدًا والخطيب هو السيد حُسَيْن نجل آية الله السيد محمد تقي بحرالعلوم حيث يقرأ السيرة التاريخية في كُلّ يوم كما وردت في كتاب أبيه الفقيه التقي الراحل (مقتل الحسين) ويُختم المجلس في يوم التاسع من المحرم بمشاركة مجموعة من الخطباء.. كما كانت هناك مجالس تعزية يُقيمها العلامة الراحل السيد عز الدين بحر العلوم رحمهُ الله في داره العامرة عند وفاة كُلّ امام من أئمتنّا عليهم السلام كان وقتها عند شروق الشمس ثمّ تُقَّدم فيها وجبة الفطور الصباحي يحضرها جمع كريم من رجالات العلم والفضيلة ولا اعتقد انّي تخلفّتُ عن حضور مجلسٍ من هذه المجالس الا اذا كنت خارج النجف… حضرتُ مجالس آل الحكيم والمرعشي والخلخالي والقاموسي ونصّار وزين الدين وأبو طبيخ وآل ياسين وزين الدين والسيد محمد باقر الصدر كما كنتُ دائم الحضور في مجلس التعزية الذي يُقيمه الشيخ عبد الحسين صادق ليلة الخميس وهو العالم الديني اليوم في مدينة النبطية جنوب لبنان وكان دائم الحضور فيه السيد محمد علي الحكيم رحمهُ الله والد آية الله السيد السعيد الحكيم حيث يحضر مع أبناءه وأحفاده وكان الخطباء في هذا المجلس كلًا من الشيخ شاكر القرشي والشيخ صالح الدجيلي او السيد كاظم القاضي رحمهم الله ، ومن المجالس التي اتذكرهّا وهي كثيرة ولا مجال لذكرها بأجمعها مجلس التعزية الذي كان يُقيمه الشيخ نبيل رضا علوان في داره الواقعة في محلة الجديدة بمناسبة شهادة الامام زين العابدين عليه السلام لمدة ثلاثة ايام إنْ لمْ تخونني ذاكرتي مع وجبات الطعام وكان يحضرها عدد غفير من الأعلام وقد سمعت احد المشايخ يقرأ هذه الارجوزة بعد مجلس التعزية اتذكر من أبياتها التي في بعضها زحاف لعدم احتفاظ الذاكرة بدقّة لها الا انّي اردتُ تسجيلها من باب الذكرى
في النجفِ الأشرفِ عاداتٌ كُثُر
منها ما به نفعٌ ومنها ما يُضر
ومن ذواتِ النفع اخوان الصفا
ومن ذوات الضُّر إخوان الهجا
وشيخنا النبيلُ ابْنُ علوان
ابْنُ الرضا لخيرِ خيرِ إخوان
إعتادَ في عشرٍ منَ المُحرّمِ
تعزيةً مختومةً بالمطعمِ
وأمّا الحضور في المجالس النجفية العامة والمواكب فكنت أحضر بعضها مع زملائي الطلبة الذين نشأتُ معهم في ثانوية الخورنق خصوصًا مجلس محلة العمارة في جامع كاشف الغطاء الذي يشرف عليه آنذاك الشيهيد السعيد السيد وهاب الطالقاني وكان الرادود فيه الحاج عبد الرضا النجفي او مجلس السقايّة في محلة البراق ورادودهُ المعروف الشيخ وطن رحمهم الله وأزاد لهم الأجر والثواب الجزيل .. هذه هي النجف التي اشتهرت بالصحافة والأدب والشِعر والنقد والتاريخ والمجالس والمواكب الحُسينية إنهّا مسيرة حافلة بالإنجازات الدينية والأدبية الجديرة بالتقدير والإكبار والإعجاب..
شذرات عبقة من رحلة الغُرباء /الحلقةالثانية
