![]()
النجف الاشرف في ذاكرة
الشيخ مازن السهلاني / الحلقة الثالثة
ما بين أصحابه آخى الرسولُ وما
رأى سواك أخاً يومَ المؤاخاةِ
ولا ألوم الذي غالى بحيدرةٍ
لكنني لستُ من أَهْلِ المغالاتِ
وممّا رأيتهُ في النجف عن الخطباء اُمرآء المنابر وفرسانها لقاءاتهم المعتادة تقريبًا يوميًا بعد صلاتي المغرب والعشاء في صحن الإمام أمير المؤمنين عليه السلام قرب باب الساعة الجهة القريبة من باب سوق الكبير يشكلونّ حلقات مع بعضهم البعض لا جليس ولا أنيسَ الا منهم تجمعهُم جامعة الشعر والأدب يقضونَ وقتهم بنظم الشعر أو قراءته والملح الأدبية والمساجلات فأرى البسمة والمرح والنكتة والطرافة ذات اليمين وذات الشمال على وجوههم وألسنتهم أراهُم طليقيّ المُحيّا بالرغم من معاناة العمل التبليغي والخطابة في تلك الظروف الحرجة والصعبة وكنت اتذكر مجموعة منهم امثال الكاشي والشيرازي المهدي والأعرجي وأبو الطابوق والقاضي وسميسم أبو العباس والقبنچي الْحَسَن العظيم والمرعبي والجواد شبّر والحسن شبّر والجباري وأبو الريحة والمرجاني والداخل الْحَسَن والصيمري والأيرواني التقي وجعفر والهلالي والمهديَّين الهنداوي والبديري والقاموسي وبعض أعلام آل الحلو كما لا أنسى مجلسهم السنوي في شهر ربيع الأول على ما أتذكّر وفي جامع الجواهري الواقع في محلّة العمارة يتناوبون على المنبر يبنونَ العقول ويهذبّونَ النفوس حيثُ يسردون شيئًا من التاريخ وروايات اهلِ البيت عليهم السلام ويقرأون الشِعْر وكانت مجالس ناجحة لسلامة النطق والأدب الخطابي من جانب ومن جانب آخر كانت مجالس ترتبط بحياة الناس ويعشقها الجمهور لأنّهُ يستفيد من توجيهاتها وثواقب آراءها بالرغم أنّ هذا الأسلوب الخطابي لا يحتاج الى عُمق فلسفي لكنّهُ أفضل من طرح مواضيع فلسفية صعبه لا يفهمها اكثر الناس إنْ لم يأخذ البعض قسطًا من النوم فيها ويخرجون من المجلس بلا فائدةٍ و نتيجةٍ تُذكَر..كنتُ أحضر مجالس التعزية التي تقام في المدارس الدينية عند زيارتي لبعض الأرحام والأصدقاء الساكنين في تلك المدارس كالآخوند الكبرى والقوّام الدينيّة و دار الحكمة وغيرها من المدارس كنتُ أرى ليس عسيرًا أنْ يمتلك الخطيب أو الجمهور رصيدًا كبيرًا من المعلومات وهو يعيشُ هذه المجالس و هذه الأجواء الروحانية التي تعطي الانسان عُمقًا ووعيًا وبصيرةً وتَدخُلُ في وجدانه وحركته كما دخلت في عقله وتجعلهُ يختزن رصيدًا لابأس به من الشواهد الأدبية والتاريخية .. كنتُ اسمع في مجالس العلماء والخطباء عن الشيخ محمد علي اليعقوبي رحمهُ الله والثناء الدائم عليه واللقب الذي حازهُ (أستاذ الخطباء وخطيبُ العلماء) وما نشرهُ الأدباء والكتّاب من انطباعات عنه انهُّ كان خطيبًا لامعًا وكان عميد الرابطة الأدبية في النجف وأحد مؤسسيّها ولهُ مؤلفّات عديدة منها ما تضمنّهُ شعرهُ (الذخائر) الذي تضمّنَ ما يقارب خمسين قصيدة في مدح ورثاء أهل البيت عليهُم السلام وقدصدرها بالبيتين الآتيين:
سرائرُ ودٍّ للنبيِّ ورهطهِ
بقلبي ستبدو يوم تبلى السرائرُ
وعندي ممّا قلت فيهم (ذخائرٌ)
ستنفعني في يوم تفنى الذخائرُ
وقد ذكرهُ العلامة الأميني في كتابه الغدير بأنهُ (خطيب العصر الفذ) فرحْتُ أتساءل لعلّ هذا الشيخ كان من كبار المجتهدين وسألتُ أحد الخطباء فقال لا يوجد في النجف (خطيب مُجتهد) إمّا ان يكون خطيبًا وإمَّا أن يكون عالمًا مجتهدًا فالنجف لا تألف ولا تستوعب ان صحّ التعبير ظاهرة خطيب ومجتهد او مجتهد وخطيب في نفس الوقت الا اذا غادر النجف لمكانٍ آخر فإن كان عالمًا فمن الممكن ان يكون خطيبًا هناك وان كان خطيبًا فمن الممكن ان يكون عالمًا هناك.. كنتُ أرى خطباء المنبر رأي العين في أواخر أيامي في النجف قبل هجرتي خارج العراق ١٩٨٠ والملاحقات المُرعبة لهم من قبل عناصر النظام البعثي القبيح الظالم (والظُلمُ مرتَعُهُ وخيمُ) بسبب مواقفهم المبدئية وآرائهم الإصلاحية الجريئة فشملت العديد منهم موجة القمع التي شنّها النظام الجائر لتهديم المدرسة الحسينية بل تهديم الحوزة العلمية ولا شك انّ بعضهم ان لم يكن جُلهّم كانوا يتمنّون الشهادة عُشقًا لعظيم مقامها وجزاءها..
الحلقة الثالثة/ شذرات عبقة من رحلة الغُرباء
مازن السهلاني
أميركا
