محمد جواد الدمستانيمحمد جواد الدمستاني

Loading

البخل عار، و الجبن منقصة، و الفقر يخرس الفطن عن حجته، و المقل غريب في بلدته»

محمد جواد الدمستاني

قد يتصف الإنسان بصفات بسبب خلل في أخلاقه كالبخل، أو تلم به ظروف خارجية  كالفقر، و يعتبرها المجتمع عيبا أو عارا، فتضعف مكانة صاحبها و أهميته في بيئته و مجتمعه، فالبخل و الجبن و الفقر و قلة المال صفات تنقص من قدر صاحبها و تصغّر منزلته الاجتماعية عند الناس، و قد روي عن أمير المؤمنين عليه السلام في نهج البلاغة قوله: «الْبُخْلُ عَارٌ، وَ الْجُبْنُ مَنْقَصَةٌ، وَ الْفَقْرُ يُخْرِسُ الْفَطِنَ عَنْ حُجَّتِهِ، وَ الْمُقِلُّ غَرِيبٌ فِي بَلْدَتِهِ»، و إن كان الفقر و الإقلال مع التسليم و الرضا و العفة فوز و اجتياز للامتحان بنجاح و لكن له آثاره التي تتعلق بالمجتمع و عموم الناس.

و رُويت في القرن الرابع في تحف العقول، و هي وصية له عليه السلام للأشتر النخعي، أولها: «يَا مَالِكُ اِحْفَظْ عَنِّي هَذَا اَلْكَلاَمَ وَ عِهِ، يَا مَالِكُ بَخَسَ مُرُوَّتَهُ مَنْ ضَعُفَ يَقِينُهُ، وَ أَزْرَى بِنَفْسِهِ مَنِ اِسْتَشْعَرَ اَلطَّمَعَ، ..».

قال عليه السلام:

«الْبُخْلُ عَارٌ»

البخل هو الإمساك عن البذل و منع العطاء، و العار هو العيب و كلّ ما يُعيّر به الإنسان من فعلٍ أو قول أو يلزم منه سُبّة، و الإنسان يعيّر بالبخل، و قد يعيّر به بنوه و بعض ذريته، فهو عار و رذيلة.

البخل و الاحتفاظ بالمال دون إنفاقه في مواضعه الصحيحة جهل و سوء ظن بالله، و آخره ندم إذ يرث البخيلَ الآخرون، الأقربون أو الأبعدون، الصالحون أو الطالحون، ليعملوا به ما يشاؤون من طاعات و من معاصي، فــ «البَخيلُ خازِنٌ لِوَرَثتِهِ».

و البخل عار يتعدى اللفظ الصفة السلبية إلى وصف يعيّر به صاحبه، و ذل و مهانة، و تصغير من قدر البخيل في قلوب الناس، فهو مذموم في المجتمعات كلما كثر ماله و زاد بخله.

و المراد من الكلام التنفير من البخل لما يجلبه من آثار سلبية و مساوئ عيوب و عار و فقدان احترام الآخرين، و دعوة إلى التحلّي بالكرم و السخاء.

و الاحتفاظ بالمال دون الإنفاق مع حاجته و ضرورته للنفس أو للغير و اتخاذ ذلك مسلكا و منهجا للإنسان من أكبر الأخطاء و الجهل و ظلم النفس للنفس، مع خسارة في الدنيا خلاف ما يتوهم البخيل، و خسارة في الآخرة بحساب ممتلكاته و أمواله و ثراه، فهذا يصدق عليه خسر الدنيا و الآخرة، «البُخلُ يَكسِبُ العارَ ويُدخِلُ النّارَ».

أما جهل البخيل و خسرانه في الدنيا فإنّه يريد ببخله الغنى فيقع في الفقر، و هو موضع العجب في قول أمير المؤمنين (ع) « عَجِبتُ للبخيلِ يَستعجِلُ الفَقرَ الّذي مِنه هَرَبَ، ويَفُوتُهُ الغِنَى الّذي إيّاهُ طَلبَ»، و يحاسب بغناه، فالبخيل مشكلته في الدنيا أولا بعدم انتفاعه بغناه «فيعيشُ في الدُّنيا عَيْشَ الفُقراءِ».

و أما في الآخرة فإنّ خسارة البخيل أكبر إذ إنّه يحاسب بحقيقة أمواله و ممتلكاته و ثروته في الدنيا لا بحسب بخله «ويُحاسَبُ في الآخِرةِ حسابَ الأغنياءِ»، و هو إذ ذاك من أهل الحسرة و الندامة إذ يرى أمواله التي بخل بها بعده بين طائع و فاسق يستمتعون بها في طاعة الله أو معصيته، و قد يدخلون بسببها الجنة و هو يدخل النار، أو قد يساعدهم في دخول النار إذا عملوا بها في المعاصي، كما هي روايات أهل البيت عليهم السلام، فالخاسر الأول البخيل نفسه، قال تعالى: «هَا أَنتُمْ هَٰؤُلَاءِ تُدْعَوْنَ لِتُنفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَمِنكُم مَّن يَبْخَلُ وَمَن يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَن نَّفْسِهِ وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنتُمُ الْفُقَرَاءُ».

و هو عار يجلب صفات أخرى سلبية لما يلزم البخيل من آثار إذ إنّ البخل يؤدي إلى الجبن و هو عار و نقيصة أيضا، و لنظرة البخيل إلى مجمل الأشياء و عدم قدرته على التشخيص فتلك موبقة أخرى، و يجرّ البخل مساوئ و عيوب أخرى «الْبُخْلُ جَامِعٌ لِمَسَاوِئِ الْعُيُوبِ، وَ هُوَ زِمَامٌ يُقَادُ بِهِ إِلَى كُلِّ سُوءٍ».

و إنّ الإنفاق و العطاء و التضامن و التكافل مبادئ أساسية في المجتمعات ذات قيمة كبيرة و البخل معاكس لها، فهو يطعن تلك القيم، كما يغيّر موقع صاحبه من الاحترام و رفع المنزلة إلى الإذلال و الاحتقار، كما أنّ البخيل يعيش في قلق نتيجة نظرة المجتمع له أو رميه بألسنتهم أو النفور منه فعلاقاته الاجتماعية ضعيفة، و ثقة الناس به معدومة مع معرفتهم ببخله.

فصفة البخل رذيلة و تقابلها فضائل كالكرم و الجود و السخاء، و روي في ذم البخل و البخلاء كثير من الروايات عنهم عليهم السلام.

فلا يصلح اتخاذ البخيل صديقا، قال (ع):

«إِيَّاكَ وَ مُصَادَقَةَ الْبَخِيلِ فَإِنَّهُ يَقْعُدُ عَنْكَ أَحْوَجَ مَا تَكُونُ إِلَيْهِ»، «لَيسَ لِشَحيحٍ رَفيقٌ»، «لَيْسَ لِبَخِيلٍ حَبِيبٌ».

و لا يصلح البخيل لمواقع الإمامة و الرئاسة، قال (ع):

«قَدْ عَلِمْتُمْ أَنَّهُ لَا يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ الْوَالِي عَلَى الْفُرُوجِ وَ الدِّمَاءِ وَ الْمَغَانِمِ وَ الْأَحْكَامِ وَ إِمَامَةِ الْمُسْلِمِينَ الْبَخِيلُ فَتَكُونَ فِي أَمْوَالِهِمْ نَهْمَتُهُ».

و لا يصلح للاستشارة، قال (ع):

«وَ لَا تُدْخِلَنَّ فِي مَشُورَتِكَ بَخِيلًا يَعْدِلُ بِكَ عَنِ الْفَضْلِ وَ يَعِدُكَ الْفَقْرَ».

وَ «الْجُبْنُ مَنْقَصَةٌ»

الجبن هو الخوف الشديد و هو رذيلة و منقصة إذ يقلل صفات الإنسان الحسنة، و كمال الإنسان بالصفات الحسنة و الفضائل فإذا نقصت صفة نقص من كمالهبمقدارها، فالجبن منقصة و نقيصة، و في غرر الحكم «احْذَروا الجُبنَ، فإنَّهُ عارٌ ومَنْقَصةٌ»، ينقص من قدر الإنسان و شأنه و منزلته أمام الآخرين، و في نفسه، و يعيش في خوف و رعب داخلي دائم تخرج آثاره لمن حوله، فالجبن يُورث الذل، و يسقط الهيبة، و يفقد المروءة، و يحقّر صاحبه.

و لما لآثار الجبن من التقاعس و التقاعد فيما يلزم منه المبادرة و الإقدام كقول الحق و الحقيقة، و الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر، و ردّ و ردع الظلم و الظالمين، و الاستجابة لدعوة الجهاد في سبيل الله، و القيام بالمسؤوليات و الواجبات، و الثبات في المواقف الصعبة، و اتخاذ القرارات الحاسمة، فمن لا يملك من ذلك شيئا فهو جبان ناقص الصفات و الفضائل.

فالحكمة تنفّر من الجبن و هو رذيلة، و تدعو ضمنا إلى ما يقابلها من شجاعة و إقدام و هي الفضيلة المقابلة.

وَ «الْفَقْرُ يُخْرِسُ الْفَطِنَ عَنْ حُجَّتِهِ»

الفقير لا يقدر الكلام بما عنده من حجة و بيان و إثبات للشعور النفسي بالضيق أو المذلة، و قلة الثقة، و الشعور بعدم الإصغاء له و إن كان فطنا ناطقا، و لانشغال فكره و قلة تركيزه في فقره و عيشه، و ذلك يؤدي إلى عدم قدرة صاحبه على إبداء الحجة لحاجتها إلى تركيز و تفرغ «فَإِنَّ الْفَقْرَ .. مَدْهَشَةٌ لِلْعَقْلِ»، فيعجز عن تقديم الحجة فهو كالأخرس.

إلا أن يكون الفقر بفعل قوى خارجية تضغط عليه لإخضاعه أو تحقيق تنازلات منه، كالمجاهدين في ساحات الحرب، و المناضلين في سجون الطغاة، قد يعيشون الفقر المالي و لكنهم أغنياء النفس و الكرامة أقوياء الحجة و الدليل، و هذا ليس عزيزا فإن الطغاة كثيرا ما استعملوا الجزرة و الترغيب بعد أن تكسرت العصا و انهارت القوة.

فالحكمة تشير إلى أثر المال و الغنى في قوة الحجة و البيان، و أثر الفقر في ضعف قدرة الإنسان في حجته و في فكرته و موقفه، و كأنّ الفقر قوة قادرة على إسكات صاحبها عن دليله و برهانه، يقابلها قوة الغني في تلك القدرة، و هذا من آثار الفقر و الغنى، و آثار المال في ترجيح كفة صاحبه في الحجة و المنطق، بل يزيد صاحبه منطقا، و يضعف فاقده حتى يخرسه.

و المجتمعات عامة تتعامل بتمييز طبقي بين الأغنياء و الفقراء، فيُجامل الغني و إن كان سفيها و على باطل، و يحظى بتوقير و يُعطى أهمية و مكانة قد لا يستحقهما، و أما الفقير فإنّه لا يحظى باحترام و تقدير و إن كان محقا و يهمّش و إن كان ذو عقل سليم و علم واسع، و قد قال أمير المؤمنين (ع): «اَلْفَقِيرُ حَقِيرٌ، لاَ يُسْمَعُ كَلاَمُهُ،وَ لاَ يُعْرَفُ مَقَامُهُ، وَ لَوْ كَانَ اَلْفَقِيرُ صَادِقاً يُسَمُّونَهُ كَاذِباً، وَ لَوْ كَانَ زَاهِداً يُسَمُّونَهُ جَاهِلاً».

و الكلام عن عدم قدرة الفقير في بيان حجته و منطقه، أما مع تطور الخلاف مع الفقير في نزاع أو خصومة و وصوله إلى قاعات المحاكم فإنّ الفقير يعجز عن تدبير متطلبات القضاء من تقديم دعوى و دفاع محاكم و توكيل محام أو تهيئة وثائق و مستندات و حتى مواصلات و شؤون أخرى و هو مشغول بتوفير قوته اليومي، فيفقده ذلك حجته و حضوره فكأنّ الفقر أخرسه عنوة و قسرا.

كما أنه يفتقد الوسائل، و الجرأة، و المكانة الاجتماعية التي تساعد على إيصال صوته و بيان حجته، كما يخشى من عواقب شجاعته في المجتمعات الظالمة فاقدة العدالة و وسائلها، فلا يستطيع بيان حجته.

و يستفاد من الحكمة بضرورة إنصاف الفقير في إبداء حجته، فلا يمنعه فقره من إبدائها، و لا فقره من ورود المحاكم، فعلى المجتمعات أن تهيئ له وسائل ذلك للدفاع عن نفسه، فالحكمة تتضمن نقدا للمحتمعات المالية و الطبقية، و دعوة لهم إلى الإنصاف و العدل.

وَ «الْمُقِلُّ غَرِيبٌ فِي بَلْدَتِهِ»

المقل أي قليل المال أو الفقير فشعوره هو أنّه غريب في بلدته، دون اهتمام الآخرين أو رعاية منهم، شعور الإنسان بالغربة لعدة أسباب و منها ما يتعلق بوضعه المالي، فإذا كان فقيرا دون معين، و دون اهتمام أو رعاية من أحد، و يعيش في عسر و ضيق، لا يستطيع الحصول على كثير من ضروريات الحياة من مأكل و مسكن و ملبس فإنّه يشعر بالغربة في بلدته و موطنه، و قال عليه السلام في موقع آخر قريب من هذه الحكمة: «الْفَقْرُ فِي الْوَطَنِ غُرْبَةٌ»، فالناس تتوجه إلى أصحاب الأموال و يتعاملون معهم و يحيطون بهم، فيخلو الفقير من أصحاب كما يخلو من القدرات فيزداد شعوره بالوحشة و الغربة و إن كان في موطنه.

فالحكمة تعبير صارخ في قوة المال في عزل الإنسان عن مجتمعه و بيئته و أهله و شعوره بغربته و تهميشه و وحدته، و أثر القدرة المالية في الشعور النفسي و العزلة المعنوية حتى يشعر الفقير بغربته في بلدته و بين أهله.

و الحكمة تنبيه للمجتمع في اعتماد الأسس الصحيحة في تقييم الناس ليس بالغنى و الفقر، و لا بمقدار ممتلكاتهم و أموالهم بل بما يحسنون و يقدمون و بما يملكون من أخلاق و علوم.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *