![]()
البخل عار
محمد جواد الدمستاني
روي عن أمير المؤمنين في نهج البلاغة «الْبُخْلُ عَارٌ»، ضمن مجموعة حكم في قوله (ع): «الْبُخْلُ عَارٌ، وَ الْجُبْنُ مَنْقَصَةٌ، وَ الْفَقْرُ يُخْرِسُ الْفَطِنَ عَنْ حُجَّتِهِ، وَ الْمُقِلُّ غَرِيبٌ فِي بَلْدَتِهِ».
البخل هو الإمساك عن البذل و منع العطاء، و العار هو العيب و كلّ ما يُعيّر به الإنسان من فعلٍ أو قول أو يلزم منه سُبّة، و الإنسان يعيّر بالبخل، و قد يعيّر به بنوه و بعض ذريته، فهو عار و رذيلة.
البخل و الاحتفاظ بالمال دون إنفاقه في مواضعه الصحيحة جهل و سوء ظن بالله، و آخره ندم إذ يرث البخيلَ الآخرون،الأقربون أو الأبعدون، الصالحون أو الطالحون، ليعملوا به ما يشاؤون من طاعات و من معاصي، فــ «البَخيلُ خازِنٌ لِوَرَثتِهِ».
و البخل عار يتعدى اللفظ الصفة السلبية إلى وصف يعيّر به صاحبه، و ذل و مهانة، و تصغير من قدر البخيل في قلوب الناس، فهو مذموم في المجتمعات كلما كثر ماله و زاد بخله.
و المراد من الكلام التنفير من البخل لما يجلبه من آثار سلبية و مساوئ عيوب و عار و فقدان احترام الآخرين، و دعوة إلى التحلّي بالكرم و السخاء.
و الاحتفاظ بالمال دون الإنفاق مع حاجته و ضرورته للنفس أو للغير و اتخاذ ذلك مسلكا و منهجا للإنسان من أكبر الأخطاء و الجهل و ظلم النفس للنفس، مع خسارة في الدنيا خلاف ما يتوهم البخيل، و خسارة في الآخرة بحساب ممتلكاته و أمواله و ثراه، فهذا يصدق عليه خسر الدنيا و الآخرة، «البُخلُ يَكسِبُ العارَ ويُدخِلُ النّارَ».
أما جهل البخيل و خسرانه في الدنيا فإنّه يريد ببخله الغنى فيقع في الفقر، و هو موضع العجب في قول أمير المؤمنين (ع) « عَجِبتُ للبخيلِ يَستعجِلُ الفَقرَ الّذي مِنه هَرَبَ، ويَفُوتُهُ الغِنَى الّذي إيّاهُ طَلبَ»، و يحاسب بغناه، فالبخيل مشكلته في الدنيا أولا بعدم انتفاعه بغناه «فيعيشُ في الدُّنيا عَيْشَ الفُقراءِ».
و أما في الآخرة فإنّ خسارة البخيل أكبر إذ إنّه يحاسب بحقيقة أمواله و ممتلكاته و ثروته في الدنيا لا بحسب بخله «ويُحاسَبُ في الآخِرةِ حسابَ الأغنياءِ»، و هو إذ ذاك من أهل الحسرة و الندامة إذ يرى أمواله التي بخل بها بعده بين طائع و فاسق يستمتعون بها في طاعة الله أو معصيته، و قد يدخلون بسببها الجنة و هو يدخل النار، أو قد يساعدهم في دخول النار إذا عملوا بها في المعاصي، كما هي روايات أهل البيت عليهم السلام، فالخاسر الأول البخيل نفسه، قال تعالى: «هَا أَنتُمْ هَٰؤُلَاءِ تُدْعَوْنَ لِتُنفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَمِنكُم مَّن يَبْخَلُ وَمَن يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَن نَّفْسِهِ وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنتُمُ الْفُقَرَاءُ».
و هو عار يجلب صفات أخرى سلبية لما يلزم البخيل من آثار إذ إنّ البخل يؤدي إلى الجبن و هو عار و نقيصة أيضا، ولنظرة البخيل إلى مجمل الأشياء و عدم قدرته على التشخيص فتلك موبقة أخرى، و يجرّ البخل مساوئ و عيوب أخرى «الْبُخْلُ جَامِعٌ لِمَسَاوِئِ الْعُيُوبِ، وَ هُوَ زِمَامٌ يُقَادُ بِهِ إِلَى كُلِّ سُوءٍ».
و إنّ الإنفاق و العطاء و التضامن و التكافل مبادئ أساسيةفي المجتمعات ذات قيمة كبيرة و البخل معاكس لها، فهو يطعن تلك القيم، كما يغيّر موقع صاحبه من الاحترام و رفع المنزلة إلى الإذلال و الاحتقار، كما أنّ البخيل يعيش في قلق نتيجة نظرة المجتمع له أو رميه بألسنتهم أو النفور منه فعلاقاته الاجتماعية ضعيفة، و ثقة الناس به معدومة مع معرفتهم ببخله.
فصفة البخل رذيلة و تقابلها فضائل كالكرم و الجود و السخاء، و روي في ذم البخل و البخلاء كثير من الروايات عنهم عليهم السلام.
فلا يصلح اتخاذ البخيل صديقا، قال (ع):
«إِيَّاكَ وَ مُصَادَقَةَ الْبَخِيلِ فَإِنَّهُ يَقْعُدُ عَنْكَ أَحْوَجَ مَا تَكُونُ إِلَيْهِ»، «لَيسَ لِشَحيحٍ رَفيقٌ»، «لَيْسَ لِبَخِيلٍ حَبِيبٌ».
و لا يصلح البخيل لمواقع الإمامة و الرئاسة، قال (ع):
«قَدْ عَلِمْتُمْ أَنَّهُ لَا يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ الْوَالِي عَلَى الْفُرُوجِ وَ الدِّمَاءِ وَ الْمَغَانِمِ وَ الْأَحْكَامِ وَ إِمَامَةِ الْمُسْلِمِينَ الْبَخِيلُ فَتَكُونَ فِي أَمْوَالِهِمْ نَهْمَتُهُ».
و لا يصلح للاستشارة، قال (ع):
«وَ لَا تُدْخِلَنَّ فِي مَشُورَتِكَ بَخِيلًا يَعْدِلُ بِكَ عَنِ الْفَضْلِ وَ يَعِدُكَ الْفَقْرَ».
