![]()
بسم الله الرحمن الرحيم
سلسلة القرآن والعترة كتاب حياة (1)
المقدمة
الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب ولم يجعل له عوجًا، قيّمًا لينذر بأسًا شديدًا من لدنه، ويبشّر المؤمنين الذين يعملون الصالحات أن لهم أجرًا حسنًا.
وقد جعل الله تعالى هذا الكتاب قرينًا لعترة نبيه الطاهرة، كما قال رسول الله ﷺ:
«إني تارك فيكم الثقلين: كتاب الله وعترتي أهل بيتي، ما إن تمسكتم بهما لن تضلوا بعدي، وإنهما لن يفترقا حتى يردا عليّ الحوض».
من هنا جاءت هذه الدراسة بعنوان:
«القرآن والعترة كتاب حياة»،
لتبيّن منزلة القرآن الكريم، وعلاقته بالعترة الطاهرة، ودورهما معًا في هداية الإنسان وحفظه من الضلالة.
⸻
القرآن الكريم لغةً واصطلاحًا
أولًا: القرآن في اللغة
1. القراءة والنطق بالمكتوب:
أي تلاوة الرسالة والنطق بها، أو إلقاء النظرة عليها ومطالعتها صمتًا.
2. الجمع:
سُمّي قرآنًا لأنه يجمع السور فيضمها، وكل شيء جمعته فقد قرأته،
والقراءة ضمّ الحروف والكلمات بعضها إلى بعض في الترتيل.
وليس يقال ذلك لكل جمع، فلا يقال “قرأت القوم” إذا جمعتهم.
3. الاسم الخاص لكتاب الله تعالى:
فالقرآن اسمٌ غير مهموز لكتاب الله تعالى، مثل التوراة والإنجيل.
وأقرب هذه المعاني هو كون القرآن اسمًا لكتاب الله تعالى من حيث هو كلامه المنزل لهداية البشر.
⸻
ثانيًا: القرآن في الاصطلاح
هو وحي الله المنزل على النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم لفظًا ومعنىً وأسلوبًا، المكتوب في المصاحف، والمنقول عنه بالتواتر، والمتعبَّد بتلاوته.
قال الله تعالى في سورة الإسراء، الآية (9):
“إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ، وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا.”
⸻
القرآن الكريم معجزة باقية إلى يوم القيامة
إن لكل نبي ورسول معجزة تثبت رسالته ونبوّته، بحيث لا يمكن لأي إنسان أن يأتي بمثلها، لتميّزه عن سائر البشر بإتيانه الخوارق والمعجزات.
وقد اختلفت معجزة كل نبي عن معجزة غيره تبعًا لعادات مجتمعه ومعارفه.
🔹 في زمن النبي موسى عليه السلام:
كان السحر فنًّا رائجًا، فاقتضت الحكمة الإلهية أن تكون معجزة موسى من جنسه، فجعل الله العصا تلقف ما يأفكون، فبهت السحرة وآمنوا، لأنهم علموا أن ذلك خارج عن حدود السحر والقدرة البشرية.
🔹 في زمن النبي عيسى عليه السلام:
كان الطبّ في أوج ازدهاره، وكانت فلسطين تحت تأثير اليونان البارعين في الحكمة والطب، فجعل الله معجزته شفاء الأكمه والأبرص وإحياء الموتى، وهي خارقة لنواميس الطب، دالة على قدرة الله وحده.
🔹 في زمن النبي محمد ﷺ:
كان العرب في قمة البلاغة والفصاحة، وكانت علومهم مقتصرة على البيان والشعر،
فجعل الله معجزته القرآن الكريم — كتابًا يتحدى بلاغة العرب جميعًا،
مع أنه ﷺ كان أميًّا لا يقرأ ولا يكتب، ولم يتعلم عند أحد.
قال تعالى:
“قُل لَّئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَىٰ أَن يَأْتُوا بِمِثْلِ هَٰذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا.”
(سورة الإسراء: 88)
⸻
القرآن محفوظ من التحريف
القرآن الكريم معجزة من حيث إعجازه البياني، ومن حيث حفظه من التحريف والزيادة والنقصان، كما قال تعالى في سورة الحجر، الآية (9):
“إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ.”
وقد تحدّى الله الإنس والجن أن يأتوا بمثله، فلم ولن يستطيعوا، وبقي القرآن خالدًا لأنه لا شريعة بعده إلى يوم القيامة.
⸻
القرآن يخرج الناس من الظلمات إلى النور
قال الله تعالى في سورة إبراهيم، الآية (1):
“الٓر كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ.”
فالقرآن هو النور الإلهي الذي يهدي إلى الصراط المستقيم، وهو العاصم من الضلالة، كما قال تعالى:
“إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ.” (الإسراء: 9)
⸻
القرآن والعترة الطاهرة
قال رسول الله ﷺ:
“إني تارك فيكم الثقلين: ما إن تمسكتم بهما لن تضلوا بعدي، كتاب الله وعترتي أهل بيتي، وإنهما لن يفترقا حتى يردا عليّ الحوض.”
📖 رواه الكليني في الكافي (ج1 / ص294).
وهذا الحديث المتواتر عند جميع المذاهب الإسلامية يظهر أن التمسك بالقرآن والعترة هو طريق الهداية وعدم الضلالة، وأنهما لا يفترقان أبدًا، مما يدل على وجود الإمام المهدي عليه السلام الذي لا ينفصل عن القرآن إلى يوم القيامة.
⸻
كلام الإمام علي عليه السلام في وصف القرآن
قال أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب عليه السلام:
**«وكتابُ الله بين أظهُرِكم، ناطقٌ لا يَعيا لسانُه، وبيتٌ لا تُهدمُ أركانُه، وعِزٌّ لا تُهزمُ أنصارُه.
فيهِ ربيعُ القلوب، وينابيعُ العلم، ودواءُ أكبرِ الداءِ، وهو الكفرُ والنفاقُ والغيُّ والضلال.
فاسألوا اللهَ به، وتوجَّهوا إليه بحبِّه، ولا تسألوا به خلقَه، فإنه ما توجَّه العبادُ إلى الله بمثله.
واعلموا أنه شافعٌ مُشفَّع، وقائلٌ مصدَّق، وأنه من شفع له القرآن يوم القيامة شُفّع فيه، ومن محلّ به القرآن صُدّق عليه.
ومن جعله أمامه قاده إلى الجنة، ومن جعله خلفه ساقه إلى النار.
وهو الدليلُ إلى خير سبيل، من قال به صدق، ومن عمل به سبق، ومن حكم به عدل، ومن دعا إليه هُدي إلى صراط مستقيم.
ظاهره أنيق، وباطنه عميق، لا تُحصى عجائبه، ولا تُبلى غرائبه، ولا تُكشف الظلمات إلا به، وهو الصراط المستقيم.»
📖 نهج البلاغة، الخطبة رقم 176 (خطبة المتقين).
⸻
الخاتمة
فالقرآن هو كلام الله الذي يهدي للتي هي أقوم، والعترة هم المفسرون الحقيقيون له، ومن سار على نهجهما نال رضا الله واهتدى إلى الصراط المستقيم.
نسأل الله تعالى أن يجعلنا من المتمسكين بالثقلين — كتاب الله وعترة نبيه — وأن يوفقنا لاتباع هديهما والاقتداء بنور علمهما، إنه سميع مجيب.
انتهت السلسلة الأولى، ونلتقي في السلسلة الثانية بإذن الله تعالى.
السيد مصطفى مرتضى
