محمد جواد الدمستانيمحمد جواد الدمستاني

Loading

الحث على التخلص من النواقص و التزود بالفضائل

«العجز آفة، و الصبر شجاعة، و الزهد ثروة، و الورع جُنّة، و نعم القرين الرضى»

محمد جواد الدمستاني

في الدفع برفع النواقص و الحث على الفضائل الأخلاقية روي عن أمير المؤمنين عليه السلام ذكر عدد من الصفات في العجز، و الصبر و الزهد و الورع و الرضا، قال عليه السلام «الْعَجْزُ آفَةٌ، وَ الصَّبْرُ شَجَاعَةٌ، وَ الزُّهْدُ ثَرْوَةٌ، وَ الْوَرَعُ جُنَّةٌ، وَ نِعْمَ الْقَرِينُ الرِّضَى».

و هي دعوة عامة لاكتساب الفضائل و التحلي بها، و التخلي عن القصور و النواقص إن استطاع صاحبها لذلك سبيلا، فالعجز و عدم القدرة مضرّان للإنسان فهما يضعفانه، و الصبر و الزهد و الورع و الرضا صفات قدرة للإنسان و فضائل تقوّي صاحبها و تزيده قوة معنوية.

و البداية تتضمن الحكمة تنبيها إلى التخلي عن العجز و معالجة الضعف إن أمكن، و السعي لتحصيل القوة، ثم التحلي بشجاعة الصبر و قوة التحمّل، و اكتناز ثروة الزهد و هي الغنى الحقيقي، و التحصّن بجُنّة الورع و التقوى فهي الدرع الواقي من المعاصي، و الاقتران برفيق الرضا و القناعة، فإن فعل الإنسان ذلك فإن طريق السعادة أمامه.

فهذه صفات خمس، قال عليه السلام:

«الْعَجْزُ آفَةٌ».

و العجز هو عدم القدرة على ما يريده الإنسان، فهو يقلل سعة الإنسان للعمل و تحقيق الطموح، و في عيون الحكم «اَلْعَجْزُ زَلَلٌ».

و الآفة و الجمع آفات و هي كل ما يصيب شيئا فيفسده من عاهة أو مرض أو قحط، و «العجز آفة» فهو يُضعف الإنسان و يحدّ من قدراته، و يمنعه من تحقيق الإنجازات التي يطمح إليها، فيعيق صاحبه و يُفسد مشاريعه لأنّه غير قادر على العمل بطاقة الإنسان العادي فهو آفة تصيب الإنسان، و «قَدْرُ الرَّجُلِ عَلَى قَدْرِ هِمَّتِهِ»، و الهِمّة أي ما هُمّ به من أمر ليُفعل، و العزم القوي.

و هو آفة لتأثيره النفسي على الإنسان، فإنّ العاج قد تتأثر ثقته بنفسه، و يفقد اطمئنانه  بقدراته، فيضعف طموحه و تقل أمانيه نسبة للسليم دون آفة، و لذا فمن الضروري أن يسعى الإنسان إلى التخلص منه و من آثاره إن استطاع و لتكن لديه إرادة كافية و عمل دؤوب لتحقيق أهدافه، و السعي إلى الكمال بزوال النواقص، روي عن أمير المؤمنين (ع) «أعجَزُ النّاسِ مَن قَدَرَ عَلى أن يُزيلَ النَّقصَ عَن نَفسِهِ ولَم يَفعَلْ».

فلا يستسلم الإنسان لعجز أصابه أو ضعف حلّ به فيركن إلى اليأس بل يعمل بجهده و طاقته ما أمكنه، و قد رأينا في زمننا هذا من أقعده المرض عن الحركة فلا يتحرك إلا بكرسي فلم يخلد إلى عجزه الجسدي و لم يستكن لضعفه البدني بل كان عطاؤه كبيرا، و شارك بعقله في اختراعات مفيدة للبشرية و حقق نجاحات لم تحصل لسالمي الأبدان.

و قد لا يكون عند الإنسان عجز حقيقي و لكن يصطنعه لنفسه، فيكون متعاجزا متقاعدا أو متقاعسا دون إرادة قوية و عزيمة، لشك أو سواس أو خوف من الفشل، أو لتجارب سابقة تخيبه أو لعدم إيمانه و بصيرته، ليصبح عاجزا فعلا.

و مطلق العجز يشمل كل أنواعه من الجسدي و النفسي و الفكري و المالي و غيره، و كلها آفات في جهاتها المتعددة تعيق أصحابها من العمل و تحقيق الطموح، فمن كان عاجزا جسديا لا يستطيع الحركة و النشاط و العمل، و من كان فقيرا سيفتقد القدرة على العطاء و البذل و كلها تدعو الحكمة لتجاوزها و عدم الانقياد لها و تدعو للسعي و العمل لتخطيها، و في دعاء أبي حمزة الثمالي «اَللّهُمَّ اِنّي اَعُوذُ بِكَ مِنَ الْكَسَلِ وَ الْفَشَلِ ..».

و قد ذكر أمير المؤمنين (ع) في عدة حكم آثار العجز، روي عنه (ع) قوله: «الْعَجْزُ سَبَبُ التَّضْيِيعِ»، فإنّ الأمور تفوتالعاجز و تضيع عليه لعدم تحقيقها، فالعجز سبب مباشر لضياع الفرص و الحقوق و ما يجب من أعمال و خطط عمل، فلا ينبغي للإنسان التفريط و الإهمال فيما ينبغي عليه فعله و فيما يجب عليه عمله، و هي كما في الحكمة الأصل العجز آفة- تنفّر من الركون للعجز أو التكاسل و التخاذل، و تحث على العزيمة و تحصيل القوة لتفادي التضييع.

و مثله «ثَمَرَةُ العَجزِ فَوتُ الطَّلَبِ»، فنتيجة العجز و التقاعس هي فوت ما يطلبه و يريده العاجز بسبب عجزه، و الحكمة تدعو للمبادرة و الإقدام و عدم الاستكانة للعجز و الضعف أو الكسل.

و «العَجزُ مَهانَةٌ» و مذلة، فعدم القدرة على العمل أو أداء الواجبات و المسؤوليات تجعل الإنسان في موقع ذل و ضعف يفقد معه تقدير و احترام الآخرين.

و في موقع آخر يفسر الإمام عليه السلام العجز بالاشتغال بالمضمون عن المفروض و عدم الرضا و القناعة، قال (ع): «العَجزُ اشتِغالُكَ بِالمَضمونِ لَكَ عَنِ المَفروضِ عَلَيكَ، وتَركُ القَناعَةِ بِما أُوتِيتَ»، و قال (ع): «أعجَزُ النّاسِ مَن عَجَزَ عَن إصلاحِ نَفسِهِ».

و في بذل المجهود و اللجوء إلى الله سبحانه و تعالى روي عن رسول الله (ص) قوله: «إنَّ اللَّهَ تَعالى يَحمَدُ علَى الكَيسِ، ويَلومُ عَلَى العَجزِ، فإذا غَلَبَكَ الشَّيءُ فقُلْ: حَسبِيَ اللَّهُ و نِعمَ الوَكيلُ».

و «الصَّبْرُ شَجَاعَةٌ».

و في البحار عنه (ع) «الشَّجاعَةُ صَبرُ ساعَةٍ».

قد تعصف بالإنسان أحوال و أهوال شديدة فيقابلها و يتصرف معها كلٌ حسب وضعه النفسي و المعنوي، فإذا ضبط الإنسان نفسه أمام تلك العواصف و المشقات و الأحداث الكبيرة التي تزلزل حياة الأفراد أو الأمم فلم يضطرب و لم يتراجع فهو شجاع، فهذا الصبر هو من نوع الشجاعة و هي قوة معنوية قلبية لا يمتلكها  إلا أصحابها، و حينما يصبر الإنسان في مواجهة مصاعب الحياة ومشاكلها فلا ينهزم أمامها أو ينسحب تحت ضرباتها فهذه شجاعة.

و حيث تتحمل النفس الصابرة الصعوبات و المكاره فإنّ ذلك شجاعة، و حينما تكثر الضغوط على الإنسان و المضايقات من الطغاة فيصبر دون خوف و خشية منهم فتلك شجاعة، و حينما يتعرض الإنسان لحروب و شدائد لكسر إرادته و هزيمته فيقف شامخا متصديا و محاربا ثابتا حتى النصر أو الشهادة فتلك شجاعة، روي عن الإمام الحسن عليه السلام و قد سُئلَ عن‌ِالشَّجاعةِ – : «مُواقَفَةُ الأقرانِ، و الصَّبرُ عِندَ الطِّعانِ»، و سئل عن الجرأة ؟ قال(ع): «مُواقَفَةُ الأقرانِ».

فالصبر شجاعة و بأس و رباطة جأش و شدة و قوة معنوية و التزام بقيم و حدود لا تأتى لكل أحد و إنما لها أصحابها الصابرون الثابتون الشجعان، فهو يتطلب قوة داخلية و إرادة و ثبات في مواجهة الصعوبات، كما يتطلب القتال شجاعة في ميدان الحرب و عند المخاطر.

و الحكمة تدعو إلى التحلي بصفة الصبر و اعتباره قيمة إيجابية و قوة معنوية و تحفّز على الشجاعة، و كأنّ الصبر معركة داخلية في نفس الإنسان يخوضها الصابر بنجاح ضد التسرّع و الجزع و القلق و الاضطراب.

و المعنى الأولي للحكمة هو أنّ الصبر و قوة التحمل في مواجهة الصعاب و الثبات عند الشدائد نوعا من أنواع الشجاعة، فهو قدرة نفسية و فكرية في مواجهة الصعوبات و الابتلاءات دون الركون إلى الجزع و الاضطراب، و لإطلاق الحكمة بشجاعة الصبر مصاديق واسعة أبرزها ميادين الحرب و القتال، و منها ميادين السياسة و مجالات القضاء و الحكم و الاقتصاد و الصبر عند البلاء و المصيبة، فكل تلك المواقف تحتاج صبر يلازمه شجاعة، فإنّ السياسي الصبور على مواقفه و مبادئه دون الرضوخ إلى المساومات و التنازلات و الإغراءات شجاع، و القاضي الجبان لا يحكم بالعدل عند الامتحان و الضغوط بل الشجاع من يفعل ذلك، و الاقتصادي قد ينهار عند أول خسارة مع عدم الصبر و الصابر هو من يتجاوز الخسائر و المحن المالية، و المؤمن الصابر في سجون الظالمين هو الشجاع الذي يكسر غرورهم و غطرستهم، و الفقير الصابر على الفقر و تحمّل مشقاته و تزيينه بالعفة دون الضياع و الضلال دون التعدي و اليأس هو شجاع، و الصابر في المصيبة دون جزع و هلع بل اللجوء إلى الله سبحانه و تعالى شجاع، قال تعالى: «وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ»، و قد أمر الله سبحانه بالصبر: «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ».

و قد صبر نبي الله أيوب على المرض حتى شافاه الله، و صبر الإمام الحسين عليه السلام على المصائب في كربلاء حتى استشهد، و كتب عليه السلام  وصية لأخيه محمد و فيها: «فَمَنْ قَبِلَنِي بِقَبُولِ اَلْحَقِّ فَاللَّهُ أَوْلَى بِالْحَقِّ، وَ مَنْ رَدَّ عَلَيَّ هَذَا أَصْبِرُ حَتَّى يَقْضِيَ اَللَّهُ بَيْنِي وَ بَيْنَ اَلْقَوْمِ بِالْحَقِّ،وَ هُوَ خَيْرُ اَلْحٰاكِمِينَ».

«وَ الزُّهْدُ ثَرْوَةٌ».

الثروة هي كثرة المال، و الزهد ثروة أي الزهد في الدنيا يجعل الإنسان غني النفس لا يحتاج كثيرا من الأشياء و لا الناس و يشعر بالاكتفاء فهو ثروة تبعده عن الحاجة إلى الناس، فالزهد ثروة و غنى أكبر، قال عليه السلام في حكمة أخرى: «الْغِنَى الْأَكْبَرُ الْيَأْسُ عَمَّا فِي أَيْدِي النَّاسِ».

و في الزهد تعفف عمّا في أيدي الناس و عدم الحاجة إليهم ليصبح الزاهد مستغنيا ثريا بذاته لا حاجة له عند الآخرين ليطلبها، فالمعنى يخرج من الحالة المادية إلى المعنوية و النفسية بغنى النفس بما يحصل لها حين الزهد من القناعة و الراحة و الرضا.

و ليس الزهد فقرا بل هو سعي في تحرير الإنسان من عبودية المادة، و قيمة إيجابية ترفع من قيمة الإنسان الحقيقية، و قياسها معنوي غير مدرك حقيقته و لا يُقاس بالمال، و تظهر آثاره على صاحبه و من حوله من مجتمعه، و هو في تضاد مع الحرص و الطمع و الجشع و الرغبة الشديدة في الحصول على الأشياء و المقتنيات.

كما أنّ الزهد لا يعني أبدا ترك العمل و الكسب في الدنيا فهذا ضروري للحياة و لكنه ترك التكالب عليها و الحرص فيها و التطاحن على متاعها، و لا يعني البخل و الإمساك فإنّ البخيل يملك الأشياء و يبخل في صرفها و الانتفاع بها مع التعلق بالمال، و الزاهد يزهد في التملك خوفا و حذرا و تحرجا.

و في الحكمة تغيير النظرة إلى الزهد من حالة فقد و عدم، إلى حالة وجود و ثراء تظهر آثارها على صاحبها بالكرامة و العزّة و الهيبة، و قلة الأملاك و المقتنيات تفرغ بال الإنسان و ذهنه و تجعله أكثر صفاء، و تبعده عن ضغط المشتريات و الاستهلاك، و تساعده على الطاعة، و الزهد مقدمة لذلك، و كثرتها تشغله عن ضرورياته.

هذا الزهد و القلة توفر لصاحبها وقتا أكثر يغتنمه للتفكر و التدبر، و الزهد في ملذات الأطعمة يوفر لصاحبه صحة أفضل، و يقابله النهم و الشره و تعبئة البطن طريقا للأمراض، و التقليل في العلاقات و تقليصها تخلص صاحبها من صداقات غير الأوفياء فإن قسم من الصداقات مبنية على مصالح مادية، فالزهد تتعدد موارده و جهاته.

و إذا وصل الزاهد إلى مرحلة متقدمة من راحة النفس وطمأنينة القلب فإنّه أثرى من الآخرين إذ هذه الحالة النفسية أغلى من المال، و تحرّر من استعباد الشهوات و الماديات فيكون حرا مستقلا بينما يتخبط آخرون من أصحاب الأموال في تجاراتهم و عبوديتهم.

و كما أنّ الثروة درجات فإنّ الزهد أيضا درجات فكلاهما يختلف فيه البشر باجتهاداتهم و ظروفهم و قد يزهد الإنسان في الكماليات و يكتفي بالضروريات فهذه درجة، و قد ييأس تماما فما في أيدي الناس فهذه درجة، و قد يزهد في السلطة و الشهرة كليا فهذه درجة ثالثة، و تتطور الحالة النفسية للزاهد طبقا بمقدار زهده و فكره، فيستقر الزاهد بالرضا و القناعة و صفاء النفس.

و أقصى طرفي الزهد أو الثراء هو عدم الحزن بما لم يحصل و لم يُدرك، و عدم الفرح بما تحقق و تملّك كما روي عن أمير المؤمنين عليه السلام، قال: «الزُّهْدُ كُلُّهُ بَيْنَ كَلِمَتَيْنِ مِنَ الْقُرْآنِ، قَالَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ: «لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلى ما فاتَكُمْ وَ لا تَفْرَحُوا بِما آتاكُمْ»، وَ مَنْ لَمْ يَأْسَ عَلَى الْمَاضِي وَ لَمْ يَفْرَحْ بِالْآتِي فَقَدْ أَخَذَ الزُّهْدَ بِطَرَفَيْهِ».

و المراد هو حث على عدم تعلق الإنسان الشديد و تشبثه بالدنيا، و ليعلم بأنّه مفارقها يوما ما، و عليه اغتنام فرصة الحياة فيها للحياة الأبدية في الآخرة فإنّها مقدمة لها.

وَ«الْوَرَعُ جُنَّةٌ».

جُنّة أي وقاية، و الورع ترك المعاصي و الابتعاد عن الشبهات خوف الوقوع في الحرام، فالورع يحمي الإنسان من الوقوع في الذنوب، كأنّه وقاية و درع حماية يقي صاحبه، و المعنى العام هو امتلاك الإنسان الحالة النفسية و الإيمانية التي يحذر بها دينيا و أخلاقيا من ارتكاب المحرمات، أو ما هو طريق لها مع احتياط تطمئن بها روحه و يحافظ على صفائها من التلوث بما لا يليق من المخالفات الدينية و الأخلاقية و الاجتماعية.

و ورد في الصوم أنّه وقاية «صوم شهر رمضان فإنّه جُنّة من العقاب»، و «الصَّوْمُ جُنَّةٌ مِنْ آفَاتِ اَلدُّنْيَا»، و «اَلصَّوْمُ جُنَّةٌ مِنَ اَلنَّارِ».

فالصوم علة للورع و التقوى «كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ»، و الورع جُنّة و وقاية.

و الورع حالة نفسية في الإنسان يبتعد بها عن المحرمات، و يجتنب الشبهات، و يستقبحهما فيقي به نفسه من النار فهو درع وقاية و حماية من عذاب النار، كالدرع و الترس يحميان لابسهما من الضربات في ساحات القتال.

فإذا وصل الإنسان لحالة الورع في تجنب الذنوب و المعاصي ظهرت آثاره عليه و على من يعاشره، فلا يعمل ما يعُاقب به، و تستقر نفسه بالطمأنينة، و ينظر إليه الآخرون في مجتمعه بارتياح و اطمئنان فيبعدونه عن منطقة الريبة و الشك و التهمة، و يوقروه و يعظموه.

و هذا مُشاهد في المجتمعات و التجمعات فإن العلماء الأتقياء مصابيح في مجتمعاتهم و يُنظر إليهم بهالة من التقديس، و التاجر الورع الذي يتجنب الحرام من غش و كذب و احتيال تظهر آثار صفاته على رواد تجارته و يحمي سمعته و يزيد رزقه.

و المراد من الحكمة هو تثبيت قيمة الورع و رفع مرتبته في المجتمع، و اتخاذه نوع حماية دينية و أخلاقية، و تشجيع السلوك الوقائي في تجنب المخاطر و عدم التهاون فيها، و السعي في استقرار و اطمئنان الأنفس بالالتزام بالتقوى.

و قد روي عنهم كثير من الروايات في الورع و الدعوة إليه و الاتصاف به، و منها:

إنّ الورع أصل رئيسي في الدين، عن النبي (ص): «رأسُ الدِّينِ الوَرَعُ».

و إنّ الورع يتناسب مع التدين، عن أمير المؤمنين (ع): «وَرَعُ الرّجُلِ على قَدرِ دِينِهِ».

و التأكيد على حماية و وقاية الورع روي عن أمير المؤمنين (ع): «علَيكَ بِالوَرَع، فإنّهُ خَيرُ صِيانَةٍ».

و بالالتزام بالورع عن أمير المؤمنين (ع): «علَيكُم بِالوَرَعِ، فإنّهُ لا يُنالُ ما عِندَ اللَّهِ إلّابِالوَرَعِ».

و في تأثيره في الدين و النفس روي عن أمير المؤمنين (ع): «الْوَرَعُ يُصْلِحُ الدِّينَ، وَ يَصُونُ النَّفْسَ، وَ يُزَيِّنُ الْمُرُوَّةَ».

وَ «نِعْمَ الْقَرِينُ الرِّضَى».

القرين بمعنى الصاحب و الرفيق أو المرافق المقرّب، و الرضى بمعنى القبول و القناعة، و المعنى هو أنّ الرضا و القبول رفيق و صاحب خيّر للإنسان في حياته، و معين و مؤنس قد يفوق غيره من الأقران، ذلك إنّ الإنسان الراضي و القانع يعيش باطمئنان و سكينة دون اضطراب و قلق.

و الحكمة بها حث للقبول بما في الإنسان و الرضا بأحواله، و له الاجتهاد فيما يطمح الوصول إليه، أما في حالة عدم الرضا فسيقع في اضطراب و ارتباك يفقد معها سكونه و يتعكر مزاجه و يتعثر عيشه.

و جعل الرضا قرين بمعنى أنّه يرافق صاحبه و يؤنسه و يؤازره، و اتخاذه كرفيق خيّر فيه تنبيه إلى أهمية الرضا و القبول و ما ينتجه من طمأنينة و سكينة في مقابل حياة الهرولة وراء الماديات و المظاهر و حبّ التكثر التي تنتج اضطرابا و اختلالا، فالرضا يحافظ على الوضع الصحي النفسي و يقلل القلق و الاضطرابات و يورث الاطمئنان فهو قرين حسن، أما عدمه فيوقع في ارتجاج و اهتياج.

و الرضا يورث الطمأنينة، و يحسّن العلاقات مع الناس إذ لا يحسدهم الراضي و لا يتزاحم معهم، و يعين على الصبر و الشدائد، و الرضا يعبر عن التسليم لله سبحانه و تعالى.

و يستفاد من الحكمة إعطاء أهمية كبيرة للقناعة و الرضا و ما يثمرانه من سكينة نفسية و استقرار داخلي للإنسان، و دعوة إلى التقليل من المظاهر و الماديات التي تجلب القلق، و هذا الرفيق الرضا- دائم مع صاحبه لا يتخلى عنه و لا يتعب من رفقته، و أمين يبعث لصاحبه الطمأنينة، يسكن حالات الحرمان بشعور القناعة، و يبث صبرا يتقوّى به صاحبه في المواقف الشديدة من فقر و مرض، قال الله تعالى: «وَعَسَىٰ أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَعَسَىٰ أَن تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ».

8

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *