السيد مصطفى مرتضىالسيد مصطفى مرتضى

Loading

سلسلة: كيف تبني الصلاة إنسانًا جديدًا – (3)

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله الذي جعل الصلاة عمود الدين ومعراج المؤمنين، وتكفيرًا للسيئات، وطريقًا للفلاح، واطمئنانًا للقلوب.
والصلاة على سيدنا محمد وآله الطاهرين وأصحابه المنتجبين.

أيها الأحبة، ما زلنا في كيفية بناء الإنسان إنسانًا جديدًا عبر إقامة الصلاة.

١- يقول عز وجل:
﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ ۚ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ۚ ذَٰلِكَ ذِكْرَىٰ لِلذَّاكِرِينَ﴾ [هود: 114]

في هذه الآية الكريمة يأمر الله تعالى بإقامة الصلاة والمحافظة عليها في أوقاتها، في طرفَي النهار وهما:
• صلاة الفجر
• وصلتا الظهر والعصر

وزُلَفًا من الليل، أي الساعات القريبة من الليل، ويدخل فيها:
• صلاة المغرب
• صلاة العشاء

ثم يُبيّن لنا الله عز وجل أثر هذه الصلوات وغيرها من الأعمال الصالحة، فيقول:
﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾
أي أن الأعمال الصالحة، وعلى رأسها الصلاة، تمحو الذنوب والخطايا، لا سيما الصغائر منها، إذا أُدّيت بإخلاص وخشوع وتوبة صادقة.

ورُوي عن أبي حمزة الثمالي قال: سمعتُ أحدهما عليهما السلام يقول:
«إنّ عليًا… أقبل على الناس فقال: أيُّ آيةٍ في كتاب الله أرجى عندكم؟ فقال بعضهم:
﴿إِنَّ اللهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾
فقال: حسنة، وليست إيّاها.

وقال بعضهم:
﴿وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ…﴾
فقال: حسنة، وليست إيّاها.

وقال بعضهم:
﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ الله﴾
فقال: حسنة، وليست إيّاها.

وقال بعضهم:
﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً…﴾
قال: حسنة، وليست إيّاها.

ثم قال: ما لكم يا معشر المسلمين؟
فقالوا: لا والله ما عندنا شيء.

قال: سمعتُ حبيبي رسولَ الله ﷺ يقول:
«أرجى آية في كتاب الله: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ…﴾»
وقرأ الآية كلها…

قال: يا علي، والذي بعثني بالحق بشيرًا ونذيرًا، إنَّ أحدكم ليقوم من وضوئه، فتساقط عنه ما اقترف من الذنوب، فإذا استقبل الله بوجهه وقلبه لم ينفتل وعليه من ذنوبه شيء، كما ولدته أمه، فإن أصاب شيئًا بين الصلاتين كان ذلك له مثل ذلك حتى عدَّ الصلوات الخمس.

ثم قال:
يا علي، إنما منزلة الصلوات الخمس لأمتي كنهرٍ جارٍ على باب أحدكم، فما يظنّ أحدكم لو كان في جسده درنٌ، ثم اغتسل في ذلك النهر خمس مرات، أكان يبقى في جسده درن؟
قالوا: لا.
قال: فكذلك والله الصلوات الخمس لأمتي.

كذلك فإن الحسنات يذهبن السيئات، أي أن دوام فعل الحسنات وعلى رأسها الصلاة، يجعل الإنسان يترك السيئات.

عباد الله، إن قول الله تعالى:
﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾
ليس رخصةً لارتكاب المعاصي، ولا استهانةً بالذنوب، بل هو باب رحمةٍ لمن أذنب ثم ندم، وباب للرجوع إلى الطريق القويم.

أما من يتعمد الذنب وهو يقول: سأصلي فتُمحى خطاياي، فقد فهم الآية فهمًا خاطئًا، فصلاته وإن كانت صحيحةً في ظاهرها، إلا أنها غير مقبولة عند الله تعالى، وقد تكون عليه وبالًا بدل أن تكون له نجاة.

وقوله تعالى: ﴿ذَٰلِكَ ذِكْرَىٰ لِلذَّاكِرِينَ﴾ يعني:
• ذلك: أي هذا الذي ذُكر من الآيات أو القصص أو العبر.
• ذكرى: أي تذكرة وعظة وتنبيه لما فيه نفع للإنسان في دينه ودنياه.
• للذاكرين: أي للذين يتفكرون ويتعظون ويتذكرون ولا يغفلون عن الحق.

٢- يقول تعالى في محكم كتابه:
﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَلَىٰ صَلَاتِهِمْ دَائِمُونَ﴾ [المعارج: 23]

أي هم المستمرون المواظبون على الصلاة في أوقاتها، وتكون بحضور القلب وبخشوع، والتفكر فيما يقولون.

أما فائدة المواظبة على الصلاة في أوقاتها فهي:
1. تقوية الصلة بالله.
2. الحماية من الذنوب وطمأنينة القلوب.
3. تنظيم الوقت والحياة.
4. رفع الدرجات وحسن الخاتمة.

٣- قوله تعالى:
﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾
ورد في سورة طه (الآية 14) ضمن خطاب الله تعالى لنبيه موسى عليه السلام، وهي آية عظيمة في بيان حقيقة الصلاة وغايتها.

أي: لتذكرني فيها بالتسبيح والتعظيم والمدح والثناء، فهي الصلة بين العبد وربه، ومناجاة بين الضعيف والقوي.
وإذا أردتَ أن ترى مقدار حبك لله، فانظر إلى صلاتك.

ولم يقل الله تعالى: “وأقم الصلاة” فقط، بل قال:
﴿لِذِكْرِي﴾
أي لتكون الصلاة حياةً لقلبك… لا عادةً لجسدك.

أيها الأحبة، الصلاة هي حياة للقلوب وبناء للإنسان وتطهيرٌ للنفوس.
فلنؤدِّ صلاتنا، فإنها النجاة وطريق إلى الكمال والسعادة.

السيد مصطفى مرتضى.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *