![]()
أمة الإسلام في رجل: اية الله السيد محمد باقر الحكيم… سيرة نور في زمن الظلم
في تاريخ الأمم، تبرز شخصيات تحمل في مسيرتها نبض شعب بأكمله. آية الله السيد محمد باقر الحكيم (شهيد المحراب) جمع بين عمق العالم الديني وحكمة القائد السياسي وشجاعة المجاهد الثائر. كانت حياته سلسلة متصلة من العطاء والتضحية، رسمت خارطة كفاح لتحرير وطن وبناء أمة.
ولد في النجف الأشرف عام 1939 في أسرة عرفت بالصلاح والريادة الدينية. في هذا الجو المشبع بروح الإيمان، تلقى دروس الحياة: الإخلاص في العمل، وخدمة الناس، والورع عن محارم الله. درس على يد كبار علماء النجف، ونال مرتبة الاجتهاد وهو في عنفوان شبابه. انتقل إلى كلية أصول الدين في بغداد، ليكون جسراً بين التراث الحوزوي والمنهج الأكاديمي الحديث. كان يؤمن بأن العلم رسالة، فتخرج على يديه كوكبة من الطلبة الذين أصبحوا علماء وقادة.
مع صعود نظام البعث إلى السلطة، بدأت مرحلة جديدة من التحدي. وقف آية الله السيد محمد باقر الحكيم (شهيد المحراب) كالصخرة في مواجهة الطغيان. اعتقل أكثر من مرة، وتعرض لأقسى أنواع التعذيب. شهد النظام يستهدف عائلته الكريمة، حيث أُعدم عشرات الأفراد من اسرته . لكن هذه المآسي زادته إصراراً على المضي في درب المواجهة.
أسس في إيران “المجلس الأعلى للثورة الإسلامية في العراق” عام 1982، ليكون المظلة السياسية والعسكرية الأبرز للمعارضة العراقية. قاد عمليات عسكرية ودبلوماسية لفضح جرائم النظام دولياً. وكان أخوه حجة الإسلام والمسلمين السيد عبد العزيز الحكيم (عزيز العراق) سنده الأقوى في هذه المرحلة الصعبة.
لم تكن معركته عسكرية فقط. أسس عشرات المؤسسات الثقافية والتعليمية، مؤمناً أن تحرير الأرض يسبقه تحرير العقل. كانت محاضرته الأسبوعية في قم منارة فكرية. ألف في الفكر السياسي الإسلامي، ورأى في القرآن دستوراً للحياة، وفي الشعائر الحسينية درعاً للهوية.
بعد سقوط نظام صدام، عاد آية الله السيد محمد باقر الحكيم (شهيد المحراب) إلى العراق في أيار 2003. استقبله الشعب في مواكب حاشدة. كان أخوه حجة الإسلام والمسلمين السيد عبد العزيز الحكيم (عزيز العراق) قد سبقه في هذه العودة التاريخية. من على منبر الجمعة في النجف، رفع راية المصالحة الوطنية وبناء العراق الجديد، داعياً إلى نبذ الثأر الطائفي وبناء دولة القانون.
في 29 آب 2003، انفجرت عليه سيارة إرهابية عند خروجه من المرقد العلوي الطاهر. سقط جسده الطاهر ليروي بدمه أقدس بقعة، في جريمة أرادت قتل مشروع الوحدة. خاف منه أعداء الوحدة وأصحاب المشاريع الطائفية وقوى الفوضى.
ترك إرثاً ضخماً يتجاوز الزمان والمكان. علمنا أن مقاومة الظلم واجب ديني ووطني. جسد نموذج العراق الجامع الذي يتسع للجميع. رسم ملامح مرحلة البناء عبر مشاريعه الفكرية. قدم هو واسرته النموذج الأعلى في الفداء.
اليوم، يبقى آية الله السيد محمد باقر الحكيم (شهيد المحراب) حياً في ضمير العراق. ويحمل رايته اليوم السيد عمار الحكيم، سائراً بثبات على الدرب نفسه. كان بحق “أمة في رجل”. حمل هموم شعبه، وقاد معارك تحريره، وقدم روحه قرباناً من أجل الحلم. نور الله لا يطفأ، ودم الشهيد يبقى شعلة أمل للأجيال.
