![]()
عظمة الله في مخلوقاته – اللسان
«اعجبوا لهذا الإنسان .. يتكلّم بلحم»
محمد جواد الدمستاني
إنّ من عظمة الله في خلق الإنسان أن جعل الكلام باللسان، رُوي عنه عليه السلام قوله في نهج البلاغة: «اعْجَبُوا لِهَذَا الْإِنْسَانِ يَنْظُرُ بِشَحْمٍ، وَ يَتَكَلَّمُ بِلَحْمٍ، وَ يَسْمَعُ بِعَظْمٍ، وَ يَتَنَفَّسُ مِنْ خَرْمٍ»[1]، هذه الأجهزة في رأس الإنسان يستعملها باستمرار دون انقطاع حتى مماته و هي أدلة على عظمة الله تعالى، قال تعالى: «سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ»[2].
و قد ذكر أمير المؤمنين عليه السلام هنا أربعة وظائف في الرأس، الثانية:
«يتكلّم بلحم»
الإنسان يتكلم باللسان، فهو آلة النطق لإخراج ما يؤمر بإخراجه من الكلام، و يستخدم لمضغ أنواع الأطعمة، و التذوق من حلو و مر و مالح و حامض، و إخراج الصوت فغالبية الحروف تخرج باللسان، و فيه خلايا ذوقية و أعصاب، فهو أحد مظاهر عظمة خلق الإنسان، قال الله تعالى: «أَلَمْ نَجْعَل لَّهُ عَيْنَيْنِ وَلِسَانًا وَشَفَتَيْنِ»[3]، و بإمكان الإنسان أن يتحكم بصوته فيفخمه أو يليّنه، يرفعه أو يخفضه، يغيّر صوته، و يقلّد أصواتا أخرى، و قد يكون كلامه عليه السلام في «يتكلم بلحم» بما يشمل اللسان و الشفتين و الحلق و هي مواضع خروج الحروف و كلها دلائل على عظمة الله.
التعجّب و التدبر في تركيب اللسان و ما فيه، و في كيفية قيامه بوظائفه و هو قطعة لحم صغيرة، و بحركاته التي تنتج حروف و كلمات لولاها لما فهم الناس بعضهم البعض، و التعبير عما يريده صاحبه من فكر و عاطفة و مشاعر و حزن و غير ذلك، و كل هذا يدل على عظمة صنع الله و بديع خلقه.
و يُذكر أن بعض مناطق اللسان أكثر حساسية للمذاقات المختلفة فمقدمة اللسان للطعم الحلو، و مؤخرة اللسان للطعم المر، و الجانبين باتجاه الأمام للمالح، و الحامض في جوانب اللسان، مع تفاصيل تذكر في محلها[4].
و في توحيد المفضل عن الإمام الصادق (ع) قال: «أَطِلِ اَلْفِكْرَ يَا مُفَضَّلُ فِي اَلصَّوْتِ وَ اَلْكَلاَمِ وَ تَهْيِئَةِ آلاَتِهِ فِي اَلْأَسْنَانِ، فَالْحَنْجَرَةُ كَالْأُنْبُوبَةِ لِخُرُوجِ اَلصَّوْتِ، وَ اَللِّسَانُ وَ اَلشَّفَتَانِ وَ اَلْأَسْنَانُ لِصِيَاغَةِ اَلْحُرُوفِ وَ اَلنَّغْمِ، أَلاَ تَرَى أَنَّ مَنْ سَقَطَتْ أَسْنَانُهُ لَمْ يُقِمِ اَلسِّينَ، وَ مَنْ سَقَطَتْ شَفَتُهُ لَمْ يُصَحِّحِ اَلْفَاءَ، وَ مَنْ ثَقُلَ لِسَانُهُ لَمْ يُفْصِحِ اَلرَّاءَ»[5].
فالحكمة دعوة للتأمل في خلق الله للإنسان، و بيان قدرته و عظمته، و ذكر عليه السلام أربعة أمثلة ببساطتها و عظمة وظائفها، لا يقدر عليها سوى الخالق القادر العليم، و كل ما في الإنسان داع إلى التأمل و التفكر.
-
– – نهج البلاغة، حكمة 8 ↑
-
– – سورة فصلت، آية 53 ↑
-
– سورة البلد، آية 8-9 ↑
-
– لمزيد من التوسع في عظمة هذه الأعضاء و صنعها، مراجعة كتاب نهج البلاغة و الطب الحديث، صادق عبد الرضا علي، ص 201 و ما بعدها ↑
-
– التوحيد، المفضل بن عمر الجعفي، ص ٢٥ (أَطِلِ اَلْفِكْرَ يَا مُفَضَّلُ فِي اَلصَّوْتِ وَ اَلْكَلاَمِ وَ تَهْيِئَةِ آلاَتِهِ فِي اَلْأَسْنَانِ، فَالْحَنْجَرَةُ كَالْأُنْبُوبَةِ لِخُرُوجِ اَلصَّوْتِ، وَ اَللِّسَانُ وَ اَلشَّفَتَانِ وَ اَلْأَسْنَانُ لِصِيَاغَةِ اَلْحُرُوفِ وَ اَلنَّغْمِ، أَ لاَ تَرَى أَنَّ مَنْ سَقَطَتْ أَسْنَانُهُ لَمْ يُقِمِ اَلسِّينَ، وَ مَنْ سَقَطَتْ شَفَتُهُ لَمْ يُصَحِّحِ اَلْفَاءَ، وَ مَنْ ثَقُلَ لِسَانُهُ لَمْ يُفْصِحِ اَلرَّاءَ، وَ أَشْبَهُ شَيْءٍ بِذَلِكَ اَلْمِزْمَارُ اَلْأَعْظَمُ، فَالْحَنْجَرَةُ يُشْبِهُ قَصَبَةَ اَلْمِزْمَارِ، وَ اَلرِّئَةُ يُشْبِهُ اَلزِّقَّ اَلَّذِي يُنْفَخُ فِيهِ لِتَدْخُلَ اَلرِّيحُ، وَ اَلْعَضَلاَتُ اَلَّتِي تَقْبِضُ عَلَى اَلرِّئَةِ لِيَخْرُجَ اَلصَّوْتُ كَالْأَصَابِعِ اَلَّتِي تَقْبِضُ عَلَى اَلزِّقِّ حَتَّى تَجْرِيَ اَلرِّيحُ فِي اَلْمِزْمَارِ، وَ اَلشَّفَتَانِ وَ اَلْأَسْنَانُ اَلَّتِي تَصُوغُ اَلصَّوْتَ حُرُوفاً وَ نَغْماً كَالْأَصَابِعِ اَلَّتِي تَخْتَلِفُ فِي فَمِ اَلْمِزْمَارِ فَتَصُوغُ صَفِيرَهُ أَلْحَاناً، غَيْرَ أَنَّهُ وَ إِنْ كَانَ مَخْرَجُ اَلصَّوْتِ يُشْبِهُ اَلْمِزْمَارَ بِالدَّلاَلَةِ وَ اَلتَّعْرِيفِ فَإِنَّ اَلْمِزْمَارَ بِالْحَقِيقَةِ هُوَ اَلْمُشَبَّهُ بِمَخْرَجِ اَلصَّوْتِ، قَدْ أَنْبَأْتُكَ بِمَا فِي اَلْأَعْضَاءِ مِنَ اَلْغِنَاءِ فِي صَنْعَةِ اَلْكَلاَمِ وَ إِقَامَةِ اَلْحُرُوفِ وَ فِيهَا مَعَ اَلَّذِي ذَكَرْتُ لَكَ مَآرِبُ أُخْرَى، ..). ↑
