Loading

القصة الأولى من مجموعة للزهايمر نوع ثاني … ذاكرة الطين

كان الطين يلتصق بحذائه كلما خرج من الزقاق الضيق، كأنه يرفض أن يتركه يرحل خفيفًا. وقف عند الباب الخشبي المتهالك، طرق طرقًا خجولًا، ثم تراجع خطوة كمن ندم على المجيء.

فتح الباب رجل في منتصف الأربعين، وجهه متعب لكن عينيه ثابتتان.

أنت متأخر
أعرف… لم أعرف إلى أين أذهب غير هنا
ادخل، الطين في الخارج أرحم من الكلام في العراء

دخل، جلس على طرف الكرسي، راح يضغط كفيه ببعضهما. صمت ثقيل.

تكلم
خسرت كل شيء
قلت لك لا تدخل تلك الصفقة
كنت مضطرًا
دائمًا مضطر… ماذا تريد الآن
أريد… فرصة، فقط فرصة

رفع الرجل رأسه، تأمله طويلاً.

كم عليك
رقم لا أجرؤ على قوله
قل
أكثر مما أحتمل
وأكثر مما تظن

تنهد.

سأساعدك
كيف
كما يُساعد الغريق، لا كما يُكافَأ السابح

وفي تلك الليلة بدأت الحكاية. مال، عمل، ستر، اتصالات، وقوف في وجه كلام الناس. كان الطين يتراجع شيئًا فشيئًا عن الحذاء، بينما الرأس المكسور بدأ ينتصب.

بعد عام، تغير كل شيء. بدلة جديدة، سيارة مستعملة، هاتف لا يصمت.

التقيا صدفة في السوق.

كيف حالك
بخير… مشغول كثيرًا
الحمد لله
نعم… الحمد لله

ابتسامة باردة. لم يُذكر شيء عن الماضي.

بعد أشهر، سمع الرجل همسًا.

يقولون إنك استغللته
من قال
هو
ماذا يقول
يقول إنك أقرضته لتتحكم به
وأنك كنت تذكّره بفضله كل مرة

ضحك بمرارة.

هل قال ذلك
بل زاد… قال إن الطين كان أنظف من يدك

التقيا مجددًا. هذه المرة لم يكن اللقاء صدفة.

لماذا تقول هذا
أقول ماذا
ما تقوله عني
الناس تفسر كما تشاء
أنت قلت
كنت أشرح ماضيّ
وماضيك جزء منه
ماضيّ؟
نعم، المرحلة التي تجاوزتها
تجاوزتها بفضل من
بفضل تعبي

سكت قليلًا، ثم قال بهدوء حاد.

وهذا المال
كان دينًا
وهذا العمل
كان فرصة عادية
وهذا الستر
لم أطلبه

اقترب منه الرجل.

كنت تبكي هنا
لا تذكرني بتلك الأيام
كنت تتوسل
كفى، هذا ابتزاز
أنا لم أبتزك يومًا
لكن وجودي يزعجك
لأنني أتذكر

ابتسم الآخر ابتسامة صغيرة.

الذاكرة عبء
بل نعمة
ليست لمن يريد أن يهرب

مرت الأيام، وكبرت القصة. روايات جديدة، تفاصيل مختلَقة، أصدقاء يصدقون. كلما سمع خبرًا سيئًا عن الرجل، ابتسم المنقَذ السابق، وكأنه ينتقم من مرآة.

وفي يوم ممطر، عاد الطين إلى الزقاق. وقف الرجل الأول عند الباب نفسه، لم يطرقه هذه المرة. نظر إليه من بعيد.

الطين لم يتغير
لكن بعض البشر يفعلون
ثم مشى

خلفه، كانت الذاكرة نظيفة… بينما في الداخل، كان الضمير يغوص أعمق في الوحل.

جليل هاشم البكّاء

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *