![]()
العفو عن العدوّ شكرا للنعمة بدل الثأر و الانتقام
«إذا قدرت على عدوّك فاجعل العفو عنه شكرا للقدرة عليه»
حكمة – 11
القدرة و التمكّن من العدوّ نعمة من الله تستجوب الشكر، و شكرها هو بالعفو عنه لا بالانتقام منه، و لا بالاقتصاص و لا بتفريغ الأحقاد عليه، قال أمير المؤمنين عليه السلام: «إِذَا قَدَرْتَ عَلَى عَدُوِّكَ فَاجْعَلِ الْعَفْوَ عَنْهُ شُكْراً لِلْقُدْرَةِ عَلَيْهِ»[1].
هذا الشكر تظهر آثاره مباشرة بعد العفو و الصفح فهو يرفع شأن صاحبه، و يزيده الله نعما، و يعظم في أعين الناس، و يزداد عزا، روي عن النبي (ص): «مَا زَادَ اَللَّهُ عَبْداً بِعَفْوٍ إِلاَّ عِزّاً»[2]، و العَفْو صفة من صفات الله العَفُوّ الغفور الحليم.
و قريب منه في نهج البلاغة قال عليه السلام: «الْعَفْوُ زَكَاةُ الظَّفَرِ»[3]، و «أَوْلَى النَّاسِ بِالْعَفْوِ أَقْدَرُهُمْ عَلَى الْعُقُوبَةِ»[4].
و المعنى هو الحثّ على فضيلة العفو، و أنّ النفس مع العفو أكثر طمأنينة و راحة منها في الانتقام و الثأر، فهو قوة روحية، و نقلة نوعية في السلم العام، و على مستوى اجتماعيّ فإنّ العفو يمنع تصاعد الثأر، و يحقن الدماء، و يُطفِئ النائرة، و يؤسس للصلح و التعايش السلمي في المجتمع.
و العفو مع القدرة هو انتصار و مجد و شرف، و رُوي عنه عليه السلام بهذا المعنى في العفو مع القدرة عدد كبير من الروايات، فهو أحسن العفو[5]، و أحسن الجود[6]، و أحسن الأفعال[7]، و أحسن المكارم[8]، و صفة الكريم[9].
و بالمقارنة بين العفو و الردّ كالانتقام و الاقتصاص، فإنّ الأول صعب على النفس و يحتاج إلى قلب كبير و نفس مهذبة فهو سجيّة الكرام، و أما الثاني فهو سهل لا يحتاج إلى أكثر من غضب و انفعال، فشتّان بين العفو و القصاص أو استيفاء الحق، فالعفو أحسن و أعظم، قال عليه السلام: «أَحْسَنُ مِنِ اسْتِيفَاءِ حَقِّكَ الْعَفْوُ عَنْهُ»[10].
و شكر النعمة بالعفو عن العدوّ له بعد القدرة عليه ارتقاءٌ بالطبع البشري و نقلة له من منطق الغريزة بالردّ بالمثل أو أكثر إلى منطق القيم، و التسامح، و الاحتساب عند الله، و أما الانتقام فقد يشفي النفس و يوسع دائرة الثأر.
و العفو عند القدرة ليس ضعفا أو عجزا و إنما هو قوة روحية و أخلاقية، و سيطرة كاملة على النفس، و تحريرها من أسر الكراهية إلى فضاء السلام الداخلي فتظهر آثارها في الخارج الاجتماعي، فالعفو هو ما كان عن قدرة كما كرّره أمير المؤمنين عليه السلام، و أما ما كان عن عجز فهو ليس عفوا و إنما هو قصور و ضعف، فالمعنى هنا عفو القادر لا عفو العاجز.
و لا يعني العفو تعطيلا للحدود أو تركا للمظالم و إنما هو حق شخصي و إجراء في ترك العقوبة بعد ثبوتها، و قد رأينا في أحد الفيديوهات أنّ عائلة أحد المقتولين و هم أولياء الدم وقت إجراء حكم الإعدام على القاتل شنقا، و الحبل قد لُف على عنق القاتل، و قبل ثوان من التنفيذ رفعوا الصوت بطلب وقف الحكم و العفو عن القاتل.
و في رواياته عليه السلام في فضل العفو عموما، رُوي: «الْعَفْوُ أَحْسَنُ الِانْتِصَارِ»[11]، «الْعَفْوُ يُوجِبُ الْمَجْدَ»[12]، العفو رحمة تستنزل الرحمة «بِالْعَفْوِ تُسْتَنْزَلُ الرَّحْمَةُ»[13]، «الْعَفْوُ أَحْسَنُ الْإِحْسَانِ»[14]، «الْعَفْوُ عُنْوَانُ النُّبْلِ»[15]، و «الْعَفْوُ تَاجُ الْمَكَارِمِ»[16].
و بالعفو تستمال قلوب الأعداء، و تسحب الضغينة من نفوسهم، و تمنحهم فرصة للمصالحة، و تفتح بابا جديدا للعلاقة و ربما الصداقة، قال الله تعالى: «وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ»[17]، فالعفو من مواطن البهجة و السرور «لَا تَنْدَمَنَّ عَلَى عَفْوٍ، وَ لَا تَبْهَجَنَّ بِعُقُوبَةٍ»[18]، و قد أمر الله سبحانه بالعفو: «وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ»[19]، و «خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ»[20].
و هذه المفاهيم و الدعوات منهم عليهم السلام قد تجلّت في حياتهم و ظهر منهم العفو و الصفح و الحلم و السماح في أوضح صوره فكان رسول الله صلّى الله عليه و آله قد عفا عن أعدائه في فتح مكة و نادى المنادي «اذهبوا فأنتم الطلقاء»[21]، و «اليوم يوم المرحمة»[22]، بعد أن حاربوه و آذوه و عذبوا المؤمنين الأوائل، و أخرجوه من مكة.
و بعد أن انتصر أمير المؤمنين عليه السلام في معركة الجمل على الناكثين، الذين شنّوا الحربَ عليه و على دولته و نهبوا بيت المال، و أشعلوا الفتنة، و قتلوا من قتلوا، فلما أسر بعضهم في المعركة عفا عنهم و أطلق سراحهم.
و قال عليه السلام قبل شهادته على سبيل الوصية: «إِنْ أَبْقَ فَأَنَا وَلِيُّ دَمِي وَ إِنْ أَفْنَ فَالْفَنَاءُ مِيعَادِي وَ إِنْ أَعْفُ فَالْعَفْوُ لِي قُرْبَةٌ وَ هُوَ لَكُمْ حَسَنَةٌ فَاعْفُوا أَ لا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ»[23].
و الروايات في فضل العفو كثيرة عنهم عليهم السلام، روي عن الإمام الباقر عن آبائه عن رسول الله (ص): إِذَا كَانَ يَوْمُ اَلْقِيَامَةِ جَمَعَ اَللَّهُ اَلْخَلاَئِقَ فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ،…، ثُمَّ يُنَادِي مُنَادٍ آخَرُ، يُسْمِعُ آخِرَهُمْ كَمَا يُسْمِعُ أَوَّلَهُمْ، فَيَقُولُ: أَيْنَ أَهْلُ اَلْفَضْلِ. فَيَقُومُ عُنُقٌ مِنَ اَلنَّاسِ، فَتَسْتَقْبِلُهُمْ زُمْرَةٌ مِنَ اَلْمَلاَئِكَةِ، فَيَقُولُونَ: مَا فَضْلُكُمْ هَذَا اَلَّذِي نُودِيتُمْ بِهِ فَيَقُولُونَ: كُنَّا يُجْهَلُ عَلَيْنَا فِي اَلدُّنْيَا فَنَحْتَمِلُ وَ يُسَاءُ إِلَيْنَا فَنَعْفُو. قَالَ: فَيُنَادِي مُنَادٍ مِنْ عِنْدِ اَللَّهِ (تَعَالَى): صَدَقَ عِبَادِي، خَلُّوا سَبِيلَهُمْ لِيَدْخُلُوا اَلْجَنَّةَ بِغَيْرِ حِسَابٍ»[24].
و روى الكليني عن الإمام الصادق (ع) قال: قَالَ رَسُولُ اَللَّهِ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ فِي خُطْبَتِهِ: «ألا أُخْبِرُكُمْ بِخَيْرِ خَلاَئِقِ اَلدُّنْيَا وَ اَلْآخِرَةِ، اَلْعَفْوُ عَمَّنْ ظَلَمَكَ، وَ تَصِلُ مَنْ قَطَعَكَ، وَ اَلْإِحْسَانُ إِلَى مَنْ أَسَاءَ إِلَيْكَ، وَ إِعْطَاءُ مَنْ حَرَمَكَ»[25].
-
– نهج البلاغة، حكمة 11 ↑
-
– تنبيه الخواطر ونزهة النواظر ( مجموعة ورام )، ج ١، ورام بن أبي فراس المالكي الاشتري، ص ٢٠٨ (مَا زَادَ اَللَّهُ عَبْداً بِعَفْوٍ إِلاَّ عِزّاً، وَ مَا تَوَاضَعَ أَحَدٌ لِلَّهِ إِلاَّ رَفَعَهُ اَللَّهُ) ↑
-
– نهج البلاغة، حكمة 211 ↑
-
– نهج البلاغة، حكمة 52 ↑
-
– غرر الحكم و درر الكلم، عبد الواحد الآمدى التميمي، ص ٦٨٨، تصنيف غرر الحكم و درر الكلم، عبد الواحد الآمدى التميمي، ص ٢٤٦ (مَا أَحْسَنَ الْعَفْوَ مَعَ الِاقْتِدَارِ)، غرر الحكم ودرر الكلم، عبد الواحد الآمدى التميمي، ص ٧٨٠ ، تصنيف غرر الحكم و درر الكلم، عبد الواحد الآمدى التميمي، ص ٢٤٦ (لَا شَيْءَ أَحْسَنُ مِنْ عَفْوِ قَادِرٍ) ↑
-
– غرر الحكم ودرر الكلم، عبد الواحد الآمدى التميمي، ص ١٩١، تصنيف غرر الحكم ودرر الكلم، عبد الواحد الآمدى التميمي، ص ٢٤٦ (أَحْسَنُ الْجُودِ عَفْوٌ بَعْدَ مَقْدُرَةٍ)، غرر الحكم ودرر الكلم، عبد الواحد الآمدى التميمي، ص ١٩٣، تصنيف غرر الحكم ودرر الكلم، عبد الواحد الآمدى التميمي، ص ٢٤٦ (أَحْسَنُ أَفْعَالِ الْمُقْتَدِرِ الْعَفْوُ). ↑
-
– غرر الحكم ودرر الكلم، عبد الواحد الآمدى التميمي، ص ١٩٣، تصنيف غرر الحكم و درر الكلم، عبد الواحد الآمدى التميمي، ص ٢٤٦ (أَحْسَنُ أَفْعَالِ الْمُقْتَدِرِ الْعَفْوُ) ↑
-
– غرر الحكم ودرر الكلم، عبد الواحد الآمدى التميمي، ص ٢٠٣، تصنيف غرر الحكم ودرر الكلم، عبد الواحد الآمدى التميمي، ص ٢٤٦ (أَحْسَنُ الْمَكَارِمِ عَفْوُ الْمُقْتَدِرِ وَجُودُ الْمُفْتَقِرِ). ↑
-
– غرر الحكم ودرر الكلم، عبد الواحد الآمدى التميمي، ص ١١٦، تصنيف غرر الحكم ودرر الكلم، عبد الواحد الآمدى التميمي، ص ٢٤٦ (الْكَرِيمُ يَعْفُو مَعَ الْقُدْرَةِ وَيَعْدِلُ فِي [ مَعَ ] الْإِمْرَةِ وَيَكُفُّ إِسَاءَتَهُ وَيَبْذُلُ إِحْسَانَهُ) ↑
-
– غرر الحكم ودرر الكلم، عبد الواحد الآمدى التميمي، ص ٢٠٠، تصنيف غرر الحكم ودرر الكلم، عبد الواحد الآمدى التميمي، ص ٢٤٥ ↑
-
– غرر الحكم ودرر الكلم، عبد الواحد الآمدى التميمي، ص ٥٩، تصنيف غرر الحكم ودرر الكلم، عبد الواحد الآمدى التميمي، ص ٢٤٦ ↑
-
– غرر الحكم ودرر الكلم، عبد الواحد الآمدى التميمي، ص ٤٦، تصنيف غرر الحكم ودرر الكلم، عبد الواحد الآمدى التميمي، ص ٢٤٦ ↑
-
– غرر الحكم ودرر الكلم، عبد الواحد الآمدى التميمي، ص ٣٠٣، تصنيف غرر الحكم ودرر الكلم، عبد الواحد الآمدى التميمي، ص ٢٤٦، و روي عنه عليه السلام في غرر الحكم ودرر الكلم، عبد الواحد الآمدى التميمي، ص ٣٠٥، تصنيف غرر الحكم ودرر الكلم، عبد الواحد الآمدى التميمي، ص ٢٤٦ (بِبَذْلِ الرَّحْمَةِ تُسْتَنْزَلُ الرَّحْمَةُ) ↑
-
– غرر الحكم ودرر الكلم، عبد الواحد الآمدى التميمي، ص ٢٧، و ص 57، تصنيف غرر الحكم ودرر الكلم، عبد الواحد الآمدى التميمي، ص ٢٤٤ ↑
-
– غرر الحكم ودرر الكلم، عبد الواحد الآمدى التميمي، ص ٣٥، تصنيف غرر الحكم ودرر الكلم، عبد الواحد الآمدى التميمي، ص ٢٤٥ ↑
-
– غرر الحكم ودرر الكلم، عبد الواحد الآمدى التميمي، ص ٣٦، تصنيف غرر الحكم ودرر الكلم، عبد الواحد الآمدى التميمي، ص ٢٤٥ ↑
-
– سورة فصلت، آية 34 ↑
-
– غرر الحكم ودرر الكلم، عبد الواحد الآمدى التميمي، ص ٧٥٣، تصنيف غرر الحكم ودرر الكلم، عبد الواحد الآمدى التميمي، ص ٢٤٦ ↑
-
– سورة النور، آية 22 ↑
-
– سورة الأعراف، آية 199 ↑
-
– السيرة النبوية، ابن هشام الحميري، ج ٤، ص ٨٧٠ ↑
-
– المغازي، الواقدي، ج ٢، ص ٨٢٢ ↑
-
– نهج البلاغة، كتاب 23 ↑
-
– الأمالي، الشيخ الطوسي، ص ١٠٣، وسائل الشيعة (آل البيت)، الحر العاملي، ج ١٢، ص ١٧٢ ↑
-
– الکافي، الشيخ الكليني، ج2، ص 107 ↑
