![]()
تذل الأمور للمقادير حتى يكون الحتف في التدبير
محمد جواد الدمستاني
يقوم الإنسان بأعمال طبقا لفهمه للأمور و محدودية علمه و قدرته، فلا يعلم ما عاقبة و نتيجة أعماله التي يرجو بها منفعته و سلامته، و الأعمال و الأمور تنقاد و تخضع للمقادير التي قدّرها الله، و قد يكون حتفه و هلاكه فيما يرجو فيه من الصلاح و النفع، رُوي عن أمير المؤمنين عليه السلام في نهج البلاغة «تَذِلُّ الْأُمُورُ لِلْمَقَادِيرِ حَتَّى يَكُونَ الْحَتْفُ فِي التَّدْبِيرِ»[1]، كأن يسير في طريق يرى أنّ فيه سلامته و أمنه، و إذا به طريق موته، و في نهج البلاغة أيضا قال عليه السلام: «يَغْلِبُ الْمِقْدَارُ عَلَى التَّقْدِيرِ حَتَّى تَكُونَ الْآفَةُ فِي التَّدْبِيرِ»[2].
و الرواية في كتاب الإرشاد للشيخ المفيد[3]، قال: و من كلامه عليه السلام و قد سأل شاه زنان بنت كسرى حين أسرت: مَا حَفِظْتِ عَنْ أَبيكِ بَعْدَ وَقْعَةِ الْفيلِ؟.
قالت: حفظنا عنه أنه كان يقول: إذا غلب الله على أمر ذلّت المطامع دونه، و إذا انقضت المدّة كان الحتف في الحيلة.
فقال عليه السلام: مَا أَحْسَنَ مَا قَالَ أَبُوكِ، تَذِلُّ الأُمُورُ لِلْمَقَادِيرِ حَتّى يَكُونَ الْحَتْفُ فِي التَّدْبيرِ.
و في تصنيف غرر الحكم «يَغْلِبُ الْمِقْدَارُ عَلَى التَّقْدِيرِ حَتَّى يَكُونَ الْحَتْفُ فِي التَّدْبِيرِ»[4]، و في رواية «يَجْرِي الْقَضَاءُ بِالْمَقَادِيرِ عَلَى خِلَافِ الِاخْتِيَارِ وَالتَّدْبِيرِ»[5].
الحكمة تتضمن توقّع مفاجآت في هذه الحياة لا تراها الأعين و لا تدركها الأنفس قد تقع و تغيّر مسير الإنسان تماما، فقد يسافر إلى مقصد في هذه الأرض مع كامل الأمل و السعادة بالنتائج المرجوة، و مع كل الاحتياطات فيصيبه حادث طارئ فيموت، و ينتقل إلى العالم الآخر، فينبغي على الإنسان مع ما يخطط و يعمل التوكل على الله، و اللجوء إليه فهو المعين.
و المعنى يبيّن محدودية العقل و القدرة البشرية، و أنّه لا ضمان للإنسان مهما بلغ من القدرة و الذكاء و قام بالتخطيط و التجهيز و طي المقدمات بنجاح النتائج و خير العواقب، و قد تأتي النتائج في حتف و موت صاحبها الذي يخطط لمنفعته و نجاته، فعلي الإنسان بعد هذا الفهم أن يعرف نفسه و حجمه و قدرته المحدودة، و يعمل صالحا، و يتوكل على الله، و يرضى بقضائه و قدره.
و تدعو الحكمة إلى التحذير من الغرور و الغطرسة كما هو حال بعض الحكام و أصحاب القرار الذين لديهم قوة و يظنون أنّهم بقوتهم تجري نتائج و عواقب الأمور، و يفرضون على العباد و البلاد القهر و القمع، لكنهم يلاقون حتفهم و جنودهم فيما خططوا له، و كتب التاريخ كما الحاضر مليئة بشواهد كثيرة لدول تغتر بالقوة، تهجم و تحتل بالإجبار و الإذلال و القتل ظناً منها و وهماً أن المنفعة و النصر في هذا الطغيان فتنقلب الأمور عليها و تأتي النتائج بما لا تشتهي الأنفس، و الأمر بيد الله و مشيئته.
كما تدعو الحكمة إلى الطمأنينة و الراحة النفسية عند العواقب و النتائج السلبيّة فمهما كانت فليست شيء خارجا من تقدير الله، و الله يبتلي عباده بأنواع البلاء، و على المؤمن أن يؤدي واجباته، و الأمر كلّه لله.
لا يعني هذا أن الإنسان مسيّر أو أنّه لا ينبغي عليه التخطيط و التدبير بل يجب عليه ذلك و لكن لا يركن إلى تدبيره و لا يثق كل الثقة فيما توقّع من نتائج، فإنّ الأمور كلها منقادة لما قدّر، و قد يكون الهلاك فيما خطّط للنجاة.
نعم على الإنسان التخطيط و حسن التدبير و الاستعانة بالله و ليس على الجهد الشخصي و ظاهر الحال من ظهور النتائج تبعا للمقدمات، فإن خرجت النتائج بما يحب و يرضى فليحمد الله و يشكره، و إن خرجت مخالفة لتوقعاته فلا يجزع و لا يفزع فقد يكون فيها الخير و هو لا يعلم، قال تعالى: «وَعَسَىٰ أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَعَسَىٰ أَن تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ»[6].
أمثلة الحكمة و مصاديقها كثيرة لا حصر لها في التاريخ و الحاضر و ما سيأتي من زمان و منها هلاك فرعون فقد ذهب هو و قومه وراء موسى و قومه، فكان مصير فرعون و قومه الغرق و الموت.
و يسافر الناس بالسيارات و الطائرات بعد طيّ مقدمات و دفع أموال على أمل أن يصلوا إلى المقصد المطلوب و غاية السفر، فيحدث حادث و يموتون.
و قد يشرب مريض دواء للشفاء و إذا به يكون سبب موته.
و تدخل بلد في حروب طاحنة بعد تخطيط و تجهيزات و هجوم و قتل و احتلال ثم يكون مصير جنودها القتل و الموت ثم يفرون مندحرين.
و في التاريخ الإسلامي قام الزبير بالمشاركة في حرب الجمل و لكنه انسحب من الحرب بعد حوار مع أمير المؤمنين عليه السلام و انصرف عن الحرب قبل القتال، أو بعد انتهاء المعركة و هزيمة القوم كما يذكر الشيخ المفيد في كتاب الجمل[7] و رجع، لكنه مرّ بوادي السباع فقتله ابن جرموز غدرا، كأنّه فرّ من القتل إلى القتل.
و رُوي عنه عليه السلام «إذا انقضت المدة كان الهلاك في العدة»، قال في كتاب الوزراء و الكتاب: و دخل يحيى على الرشيد لما ابتدأت حاله في الفساد و هو خال، فرجع، فعرف خبره، فقال لبعض الخدم: الحق يحيى فقل له: خنتني فاتهمتني، فقال للرسول: تقول له: يا أمير المؤمنين، إذا انقضت المدة كان الحتف في الحيلة، و واللّه ما انصرفت عن خلوتك إلا تخفيفا عنك.
و هذا كلام لعلي بن أبي طالب ، كرم اللّه مثواه: «إذا انقضت المدة كان الهلاك في العدة»[8].
و ذكر كتاب غرر الحكم عدد من الحكم لأمير المؤمنين (ع) في غلبة القدر، قال (ع): «الْقَدَرُ يَغْلِبُ الْحَذَرَ»[9]، «الْمَقَادِيرُ لَا تُدْفَعُ بِالْقُوَّةِ وَ الْمُغَالَبَةِ»[10]، «إِذَا حَلَّتِ الْمَقَادِيرُ بَطَلَتِ التَّدَابِيرُ»[11].
و أنشد المتنبي:
ما كُلُّ ما يَتَمَنّى المَرءُ يُدرِكُهُ تَجري الرِياحُ بِما لا تَشتَهي السُفُنُ
-
– نهج البلاغة، حكمة 16 ↑
-
– نهج البلاغة، حكمة 459 ↑
-
– الإرشاد، الشيخ المفيد، ج ١، ص ٣٠٢، تمام نهج البلاغة، السيد صادق الموسوي، ص ٦١٣ ↑
-
– تصنيف غرر الحكم ودرر الكلم، عبد الواحد الآمدى التميمي، ص ١٠٣، شرح آقا جمال خوانسارى بر غرر الحكم ودرر الكلم (فارسي)، جمال الدين محمد الخوانساري، ج ٦، ص ٤٧٧، عيون الحكم والمواعظ، علي بن محمد الليثي الواسطي، ص ٥٥٤ ↑
-
– غرر الحكم ودرر الكلم، عبد الواحد الآمدى التميمي، ص ٨١١، صنيف غرر الحكم ودرر الكلم، عبد الواحد الآمدى التميمي، ص ١٠٢، عيون الحكم والمواعظ، علي بن محمد الليثي الواسطي، ص ٥٥٤ ↑
-
– سورة البقرة، آية 216 ↑
-
– الجمل، الشيخ المفيد، ص ١٩٩ (و ولى الزبير منهزما فأدركه ابن جرموز فقتله) ↑
-
– الوزراء و الكتاب، أبو عبد الله محمد بن عبدوس الجهشياري، ص ١٤٦ ↑
-
– غرر الحكم ودرر الكلم، عبد الواحد الآمدى التميمي، ص ٥٦، تصنيف غرر الحكم ودرر الكلم، عبد الواحد الآمدى التميمي، ص ١٠٢، عيون الحكم والمواعظ، علي بن محمد الليثي الواسطي، ص ٢٩ ↑
-
– غرر الحكم ودرر الكلم، عبد الواحد الآمدى التميمي، ص ٨١٦، تصنيف غرر الحكم ودرر الكلم، عبد الواحد الآمدى التميمي، ص ١٠٢ ↑
-
– غرر الحكم ودرر الكلم، عبد الواحد الآمدى التميمي، ص ٢٨٤، عيون الحكم والمواعظ، علي بن محمد الليثي الواسطي، ص ١٣٤، تصنيف غرر الحكم ودرر الكلم، عبد الواحد الآمدى التميمي، ص ١٠٢ ↑
