محمد جواد الدمستانيمحمد جواد الدمستاني

Loading

كثرة الحروب في عصر الظهور

محمد جواد الدمستاني

الأصل في حياة البشر الاجتماعية على مختلف جغرافيتهم و مواقعهم هو السلم و السلام، و الصلح و التصالح، و الأمن و الأمان ، و عدم الحروب و سفك الدماء، و الإنسان بإيمانه و صفائه و طبيعته و حبه للآخرين يفترض ألا يرغب في الحروب و العنف، لأنّ فيها آلاما و أوجاعا و أضرارا على البشر و دماء و جروح.

و لدى أهل البيت (ع) النبي و آل النبي (ص) أصل مبدأ واضح في تفادي الحروب ما استطاعوا إلى ذلك سبيلا، و هو مبدأ أولویة الحل السلمی و الحوار السیاسی، و كلمات أمير المؤمنين و كتبه و وصاياه تؤكد هذا المبدأ في تقديم الحل السلمی علی الحرب و العنف و تفادي الحرب و تجنبها مع الاستطاعة.

فیقدّم عليه السلام المحاورات و المحادثات و یسعی للمناظرات، و يكتب الرسائل ، و يبعث الرسل و المحاورين، و یؤخّر الحرب ما أمکن لهداية الخصم و تراجعه و تجنب آثارها السلبية، و إذا ما استنفد كل الحلول السلمية يدخل الحرب اضطرارا ، و آخر الدواء الكي.

و قال عليه السلام في منطقة الربذة قبل حرب الجمل و كان قد أراد أن يدرك اصحاب الجمل قبل ارتكابهم الفتنة فوصل و قد تجاوزوا المنطقة باتجاه البصرة، قال: «والله لقد ضربت هذا الأمر ظهرا لبطن، فما وجدت بدا من قتال القوم أو الکفر بما أنزل (الله) علی محمد صلی الله علیه وآله وسلم»[1].

و لكنّ في كثير من الحروب و الأزمات يكون القتال هو الحل، و الحروب مستمرة بين البشر و إن كانت مكروهة و مؤذية و مضرة لجميع الأطراف، و هي كذلك ضرورة أو مفروضة على بعض أطرافها.

و في المرويات التي تخص عصر الظهور إشارة إلى كثرة الحروب قبل الظهور، و كثرة الفتن والفوضى في آخر الزمان وقُبيل ظهور الإمام المهدي (عج)، و في الغيبة رواية نقلها عن عمّار بن ياسر، قال: «وَ يَتَخَالَفُ اَلتُّرْكُ وَ اَلرُّومُ وَ تَكْثُرُ اَلْحُرُوبُ فِي اَلْأَرْضِ»[2]، و لعلها في سنة الظهور أو قريب منها.

و من الممكن أنّ كثرة الحروب تشير إلى صغرها و أنّها حروب اقليمية محدودة لا عالمية واسعة، فالأطراف التي تشترك فيها صغيرة إلى متوسطة و إن كان ما وراء بعض أطرافها دول كبرى تغذيها بالفتن و السلاح، و قد تكون ميادينها دول لا تمتلك أسلحة فتّاكة فإنّ استخدام تلك الأسلحة تقلص عدد الحروب لعظمتها و عدد ضحاياها و كوارثها، فلا تكون كثيرة.

و مكة حرم آمن يتجنب أهل البيت عليهم السلام القتال فيه، فلن تكون مكة و ما حولها من الحرم الآمن و ما قرب منه ميادين حرب و قتال، قال تعالى: «إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِّلْعَالَمِينَ ‎‏فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَّقَامُ إِبْرَاهِيمَ ۖ وَمَن دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا»[3]، و الحرم الآمن أوسع من مكة.

و روي عن الإمام الحسين (ع) قوله: «والله لئن قُتلتُ خارجاً من مكّة بشبر أحبّ إليَّ من أن أُقتل بداخلها، و لئن أُقتل خارجها بشبرين أحبّ إليَّ من أُقتل بداخلها بشبر واحد»[4].

و في الروايات تقع حروب متعددة صغيرة أو كبيرة أو قتال في المدينة، و في العراق و الشام و فلسطين، و قد ذكر سماحة الشيخ الكوراني (رحمه الله) في عصر الظهور بنوع تفصيل كثيرا من تلك المعارك.

كما تذكر الروايات موت دون حرب، و هو الخسف في البيداء، فعن النبي (ص) «حتى إذا كانوا بالبيداء خسف بهم فيرجع من كان أمامهم لينظر ما فعل القوم فيصيبهم ما أصابهم، و يلحق بهم من خلفهم لينظر ما فعلوه فيصيبهم ما أصابهم»[5].

و عن الإمام الباقر (ع) في غيبة النعماني، قال (ع): «وَ يَبْعَثُ اَلسُّفْيَانِيُّ بَعْثاً إِلَى اَلْمَدِينَةِ فَيَنْفَرُ اَلْمَهْدِيُّ مِنْهَا إِلَى مَكَّةَ فَيَبْلُغُ أَمِيرَ جَيْشِ اَلسُّفْيَانِيِّ أَنَّ اَلْمَهْدِيَّ قَدْ خَرَجَ إِلَى مَكَّةَ فَيَبْعَثُ جَيْشاً عَلَى أَثَرِهِ فَلاَ يُدْرِكُهُ حَتَّى يَدْخُلَ مَكَّةَ خٰائِفاً يَتَرَقَّبُ عَلَى سُنَّةِ مُوسَى بْنِ عِمْرَانَ عَلَيْهِ السَّلاَمُ، قَالَ فَيَنْزِلُ أَمِيرُ جَيْشِ اَلسُّفْيَانِيِّ اَلْبَيْدَاءَ فَيُنَادِي مُنَادٍ مِنَ اَلسَّمَاءِ يَا بَيْدَاءُ أَبِيدِي اَلْقَوْمَ فَيَخْسِفُ بِهِمْ، فَلاَ يُفْلِتُ مِنْهُمْ إِلاَّ ثَلاَثَةُ نَفَرٍ يُحَوِّلُ اَللَّهُ وُجُوهَهُمْ إِلَى أَقْفِيَتِهِمْ وَ هُمْ مِنْ كَلْبٍ وَ فِيهِمْ نَزَلَتْ هَذِهِ اَلْآيَةُ- يٰا أَيُّهَا اَلَّذِينَ أُوتُوا اَلْكِتٰابَ آمِنُوا بِمٰا نَزَّلْنٰا مُصَدِّقاً لِمٰا مَعَكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهاً فَنَرُدَّهٰا عَلىٰ أَدْبٰارِهٰا»[6].

معركة قرقيسيا

معركة قرقيسيا ذُكرت في عدد من الروايات المتعلقة بآخر الزمان و خروج السفياني. وهي إحدى معارك السفياني قبيل ظهور المهدي، ففي طريقه إلى العراق مع جيش عظيم يصل إلى منطقة تسمى قرقيسيا في شمال سوريا، وتندلع نيران حرب مخوفة وعظيمة بين جيشه و جيش آخر أو عدة جيوش.

و الرواية تبيّن أنّها أعظم المعارك و لا كان و لا يكون مثلها، فعن الإمام الباقر (ع) قَالَ: «يَا مُيَسِّرُ كَمْ بَيْنَكُمْ وَ بَيْنَ قِرْقِيسَا؟ قُلْتُ هِيَ قَرِيبٌ عَلَى شَاطِئِ اَلْفُرَاتِ، فَقَالَ: أَمَا إِنَّهُ سَيَكُونُ بِهَا وَقْعَةٌ لَمْ يَكُنْ مِثْلُهَا مُنْذُ خَلَقَ اَللَّهُ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى اَلسَّمَاوَاتِ وَ اَلْأَرْضَ وَ لاَ يَكُونُ مِثْلُهَا مَا دَامَتِ اَلسَّمَاوَاتُ وَ اَلْأَرْضُ، مَأْدُبَةٌ لِلطَّيْرِ تَشْبَعُ مِنْهَا سِبَاعُ اَلْأَرْضِ وَ طُيُورُ اَلسَّمَاء،ِ يُهْلَكُ فِيهَا قَيْسٌ وَ لاَ يَدَّعِي لَهَا دَاعِيَةٌ، قَالَ: وَ رَوَى غَيْرُ وَاحِدٍ وَ زَادَ فِيهِ وَ يُنَادِي مُنَادٍ هَلُمُّوا إِلَى لُحُومِ اَلْجَبَّارِينَ»[7].

و في أعداد ضحاياها الكبيرة روى في الاختصاص، «وَ يَمُرُّ جَيْشُهُ [السفياني] بِقِرْقِيسِيَاءَ فَيَقْتُلُونَ بِهَا مِائَةَ أَلْفِ رَجُلٍ مِنَ اَلْجَبَّارِينَ»[8].

و في عظمة القتل و كثرة ضحايا الحرب روي عن الإمام الصادق (ع) «إنَّ لِلَّهِ فِي كُلِّ حِينٍ مَأْدُبَةٌ وَ لَهُ بِقَرْقِيسِيَا مَأْدُبَةٌ يَقْتُلُ فِيهَا سَبْعُونَ أَلْفَ جَبَّارٍ عَلَيْهِمْ سُيُوفٌ مُحَلاَّةٌ»[9].

و في الغيبة «وَ تَنْزِلُ اَلتُّرْكُ اَلْحِيرَةَ وَ تَنْزِلُ اَلرُّومُ فِلَسْطِينَ وَ يَسْبِقُ عَبْدُ اَللَّهِ عَبْدَ اَللَّهِ حَتَّى يَلْتَقِيَ جُنُودُهُمَا بِقِرْقِيسِيَاءَ عَلَى اَلنَّهْرِ وَ يَكُونُ قِتَالٌ عَظِيمٌ وَ يَسِيرُ صَاحِبُ اَلْمَغْرِبِ فَيَقْتُلُ اَلرِّجَالَ وَ يَسْبِي اَلنِّسَاءَ ثُمَّ يَرْجِعُ فِي قَيْسٍ حَتَّى يَنْزِلَ اَلْجَزِيرَةَ»[10].

و الرواية عن الإمام الصادق (ع) في اشتراك العرب في المعركة، قال الراوي:

سَأَلْتُ أَبَا عَبْدِ اَللَّهِ عَلَيْهِ السَّلاَمُ عَنْ وَقْعَةِ قَرْقِيسِيَا فَقَالَ: «إِنَّ اَلْقَائِمَ عَلَيْهِ السَّلاَمُ إِذَا قَامَ فَنَبَشَهُمَا فَكَاتَبَتِ اَلْعَرَبُ فِي شَرْقِ اَلْأَرْضِ وَ غَرْبِهَا فَيَجْتَمِعُونَ بِقَرْقِيسِيَا عَلَى نَضْرَتِهِمَا فَيَقُولُ اَلْيَمَنُ فِينَا اَلْأَمِيرُ وَ يَقُولُ اَلْمُضَرُ مِنَّا اَلْأَمِيرُ فَيُوقِعُ اَللَّهُ بَأْسَهُمْ بَيْنَهُمْ وَ يَقَعُ اَلصَّبْرُ عَلَيْهِمْ وَ يَرْتَفِعُ اَلنَّصْرُ فَيَقْتُلُ بَعْضُهُمْ بَعْضاً حَتَّى لاَ يَبْقَى مِنْهُمْ إِلاَّ الحقالة [اَلْحُثَالَةُ] وَ يَغْتَدِي عَلَيْهِمْ صَاحِبُ اَلْأَمْرِ وَ جُنْدُهُ فَلاَ يُبْقِي مِنْهُمْ أَحَداً»[11].

الحرب الكبرى و الموت الأعظم

ذكرت عدد من الروايات بموت و قتل غالبية سكان الأرض قبل الظهور المبارك، و هذا الهلاك يكون بسبب الحرب و المرض معا، الحرب الكبرى التي تكثر فيها الضحايا إضافة إلى الأمراض و الفايروسات التي تحصل حينها، وقد اختلفت الروايات في نسبة الأموات إلى الأحياء، و النسب و التعبير هو:

– يُقتل ثلث النّاس (أي 33.33%)، و يموت ثلثهم.

– يذهب ثلثا النّاس (أي 66.66%).

– يموت خمسه أسباع النّاس (أي 71.4%).

– يذهب تسعة أعشار النّاس يذهبون (أي 90 %).

و من الروايات في الغيبة للطوسي عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مُسْلِمٍ وَ أَبِي بَصِيرٍ قَالاَ سَمِعْنَا أَبَا عَبْدِ اَللَّهِ عَلَيْهِ السَّلاَمُ يَقُولُ: لاَ يَكُونُ هَذَا اَلْأَمْرُ حَتَّى يَذْهَبَ ثُلُثَا اَلنَّاسِ فَقُلْنَا إِذَا ذَهَبَ ثُلُثَا اَلنَّاسِ فَمَنْ يَبْقَى، فَقَالَ: أَ مَا تَرْضَوْنَ أَنْ تَكُونُوا فِي اَلثُّلُثِ اَلْبَاقِي»، فيحتمل أن يكون ميدانها خارج المنطقة الإسلامية أو الولائية[12].

و تبيّن الروايات بأنّه هذه الحرب قريبة من وقت الظهور، و أنّ الموت ليس بسبب الحرب فقط بل بسبب الأمراض أو الفايروسات أيضا، و لعلها نتيجة لاستخدام مواد بيولوجية كنوع من أسلحة الحرب، أو نتيجة لكثرة القتلى و انتشار الفايروسات و الأمراض و الطاعون فتؤدي إلى الموت الأبيض دون سيف و دماء، ففي الرواية عن أمير المؤمنين (ع) قال: «بَيْنَ يَدَيِ اَلْقَائِمِ مَوْتٌ أَحْمَرُ وَ مَوْتٌ أَبْيَضُ، وَ جَرَادٌ فِي حِينِهِ وَ جَرَادٌ فِي غَيْرِ حِينِهِ كَأَلْوَانِ اَلدَّمِ، فَأَمَّا اَلْمَوْتُ اَلْأَحْمَرُ فَالسَّيْفُ وَ أَمَّا اَلْمَوْتُ اَلْأَبْيَضُ فَالطَّاعُونُ»[13] كما في الإرشاد و الغيبة للطوسي، و كذلك في الغيبة للنعمانی و فيه «وَ جَرَادٌ فِي غَيْرِ حِينِهِ أَحْمَرُ كَالدَّمِ»[14].

المعركة العظمى فتح بيت المقدس

المعركة الكبرى للإمام المهدي (ع) تكون في فتح بيت المقدس، و ينزل النصر الإلهي على الإمام المهدي (ع) فيدخل القدس فاتحاً، ثم يفتتح البلدان و يسلمون، و يقيم دولته الشريفة بالعدل و الأمن و العلم، و روى في الملاحم و الفتن: «وَ يَسِيرُ اَلْمَهْدِيُّ حَتَّى يَنْزِلَ بَيْتَ اَلْمَقْدِسِ، وَ تُنْقَلُ إِلَيْهِ اَلْخَزَائِنُ، وَ تَدْخُلُ اَلْعَرَبُ وَ اَلْعَجَمُ وَ أَهْلُ اَلْحَرْبِ وَ اَلرُّومُ وَ غَيْرُهُمْ فِي طَاعَتِهِ مِنْ غَيْرِ قِتَالٍ»[15].

و ذكرت روايات تفصيل تلك المعارك و الحروب في عصر الظهور.

اللهم عجّل فرج مولانا الإمام الهادي المهدي القائم بأمرك صلوات الله عليه و على آبائه الطاهرين، و انصره نصرا عزيزا، و افتح له فتحا مبينا، و اجعلنا من أعوانه و انصاره و المستشهدين بين يديه.

  1. – أنساب الأشراف، البلاذري، ج ٢، ص ٢٣٦

  2. – الغيبة، الطوسي،ج1، ص483

  3. – سورة ىل عمران، آية 96-97

  4. – الفصول المهمة في معرفة الأئمة، علي بن محمد أحمد المالكي ( ابن الصباغ )، ج ٢، ص ٧٩٨

  5. – الفتن، نعيم بن حماد المروزي، ص ٢٠٢

  6. – الغيبة، النعماني، ص٢٨٩

  7. – الکافي، الشيخ الكليني، ج8، ص295.

  8. – الاختصاص، الشيخ المفيد، ص ٢٥٦

  9. – منتخب الأنوار المضيئة، السيد بهاء الدين علي النيلي النجفي، ج1، ص 193.

  10. – الغيبة، الطوسی، ص 463

  11. – منتخب الأنوار المضيئة، السيد بهاء الدين علي النيلي النجفي، ج1، ص 192

  12. – الغيبة، الطوسی،ج1، ص339، و عنه بحار الأنوار، ج52 ، ص113

  13. – الإرشاد، الشيخ المفيد،ج2، ص372، الغيبة، الطوسی،ج1، ص438

  14. – الغيبة، النعماني، ج1، ص277

  15. – التشريف بالمنن في التعريف بالفتن ( الملاحم والفتن في ظهور الغائب المنتظر ( ع ) )، السيد ابن طاووس، ص ١٣٩

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *