Loading

في زمنٍ تختلط فيه الحسابات الكبيرة بصوت السياسة وضجيج المصالح، يخرج من بين الناس موقفٌ صغير في حجمه، عظيم في معناه، يعيد ترتيب القيم ويذكّر بأن الفطرة ما زالت حيّة. من أرض العراق، ومن بين حملات التبرع التي أطلقها الناس لمساندة الشعب الإيراني، برز مشهد لا يمكن أن يُقرأ بوصفه حادثة عابرة، بل بوصفه رسالة كاملة كتبها طفل بدراجته.

لم يكن ذلك الطفل، ذو الأحد عشر عاماً، مجرد متبرع بشيء يملكه، بل كان صاحب موقف. حين تقدّم بدراجته، لم يكن يتخلى عن لعبة، بل كان يقدّم قطعة من عالمه الصغير، عن وعيٍ يفوق عمره، وعن إحساسٍ نادر بالمسؤولية. الكلمات التي نطق بها، والأبيات التي ألقاها في رثاء علي الخامنئي، لم تكن تقليداً ولا تلقيناً، بل بدت كأنها صادرة من قلبٍ أدرك معنى الفقد والانتماء في آنٍ واحد.

ذلك الطفل، الذي وُصف بأنه بعل رجل، لم يقف عند حدود التبرع، بل أطلق هوسة اختزلت الحزن والدهشة في عبارة موجعة

شلون الكاع اطمك
وانت تهوس فوكاه

عبارة قصيرة، لكنها تحمل من الرمزية ما يعجز عنه الكلام الطويل، إذ ترسم صورة التناقض بين عظمة الإنسان وسكون التراب، بين الصوت الحيّ وصمت الأرض.

المشهد لم ينتهِ عند لحظة التبرع، بل امتدّ ليصنع جسراً من الوفاء. حين تحرك الملحق الثقافي في سفارة إيران في العراق للبحث عن هذا الطفل، لم يكن ذلك إجراءً بروتوكولياً، بل كان اعترافاً بقيمة الفعل. وحين تم الوصول إليه في منطقة الشوملي، جاءت المبادرة التي حملت في طياتها معنى الردّ الجميل، إذ قُدمت له دراجة جديدة، قيل له إنها هدية من أطفال الشعب الإيراني.

وهنا تتجلى القيم الإنسانية؛ طفل عراقي يتبرع بدراجته لأجل قضية، فيأتيه العطاء من أطفال بلدٍ آخر، وكأن البراءة تتخاطب عبر الحدود دون حاجة إلى ترجمة. إنها لغة لا تُدرّس، ولا تُكتب في بيانات رسمية، بل تُفهم بالفطرة.

وعندما كرر الطفل هوسته نفسها عند استلام الهدية، لم يكن يعيد كلمات، بل كان يثبت أن الموقف لم يكن لحظة عابرة، بل قناعة راسخة. بقيت العبارة كما هي، لكنها هذه المرة لم تكن فقط رثاءً، بل صارت شاهداً على قصة كاملة من العطاء والوفاء.

دراجة بطل الشوملي لم تعد مجرد وسيلة لعب، بل أصبحت رمزاً. رمز لطفولة لم تُثقلها الحسابات، ولشعبٍ ما زال يرى في العطاء قيمة، ولحكاية تثبت أن المواقف الكبيرة قد تبدأ من يد طفل، لكنها تصل إلى قلوب أمم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *