محمد جواد الدمستانيمحمد جواد الدمستاني

Loading

حفظ التوازنات و اغتنام فرص الخير

«قُرنت الهيبة بالخيبة، و الحياء بالحرمان، و الفرصة تمر مر السحاب فانتهزوا فرص الخير»

محمد جواد الدمستاني

أحد الصعوبات في الحياة تتمثل في حفظ التوازنات في الحالات النفسية كما في الأعمال الخارجية بحيث يختار الإنسان الحالة المناسبة في الوقت المناسب للعمل المطلوب، و إلا فسيتعرض لخُسران و حرمان، فبعض الحالات و الصفات تكون في الإنسان كالهيبة و الحياء قد تفوّت الخير على الإنسان إذا لم يُحسن استعمالها، و قد تؤدي إلى نتائج عكسية، و إلى ضياع الحقوق، فعلى الإنسان اغتنام فرص الخير في أوقاتها دون هيبة مبالغ فيها و حياء زائد، قال أمير المؤمنين عليه السلام: «قُرِنَتِ الْهَيْبَةُ بِالْخَيْبَةِ، وَ الْحَيَاءُ بِالْحِرْمَانِ، وَ الْفُرْصَةُ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ فَانْتَهِزُوا فُرَصَ الْخَيْرِ»[1]، فقد تؤدي الهيبة المبالغ فيها إلى خيبة و إخفاق، و الخجل الزائد عن حدّه إلى الحرمان و الضيق، و عدم اغتنام الفرص إلى الندم و الحسرة.

و في الأمالي «الهيبة خيبة، و الفرصة خلسة»[2]، فمن تهيّب الأمور أو الناس، أو بالغ في حيائه، فقد يخسر فرص الخير فإنها تمر مرور السحاب.

فالحكمة تدعو إلى المبادرة و الإقدام و اليقظة و الشجاعة، و النهي عن الخوف و الحياء المذمومين اللذين يمنعان الإنسان من الخير، فإنّ الفرصة سريعة تمر كالسحاب و من لم يبادر لاغتنامها فقد خسر.

فهذه ثلاث حكم:

الأولى:

«قُرنت الهيبة بالخيبة»

الاقتران هو التلازم بين الهيبة و الخيبة عادة، و ليس مطلق الهيبة بل هي تلك التي تمنع الإنسان من الإقدام و المبادرة فيما يجب فيه الإقدام، فمن لديه خوف كبير يمنعه من الانبساط مع الناس يفوته بعض الخير، و كذلك من تهيّب الدخول في بعض الأعمال و الأمور خسر منافعها، و في غرر الحكم «الْهَيْبَةُ مَقْرُونَةٌ بِالْخَيْبَةِ»[3].

و يوصي أمير المؤمنين عليه السلام في حكمة أخرى بالاقتحام الجريء لما يخشى الإنسان منه، فإنّ أضرار الوقاية منه أكبر و أشد من الخوف منه، قال عليه السلام:«إِذَا هِبْتَ أَمْراً فَقَعْ فِيهِ فَإِنَّ شِدَّةَ تَوَقِّيهِ أَعْظَمُ مِمَّا تَخَافُ مِنْهُ»[4]، و في المثل المتداول يُقال: «فازَ بِاللّذّاتِ مَنْ كانَ جَسورا»، أي الجريء و المقدام هو الذي يفوز و يكسب اللذّات، أما المُحجِم و المتردد و الجبان فليس لهم إلا الخسران.

و الحكمة تتضمن دعوة لعدم الانزواء بل السعي و الإقدام لما ينشده الإنسان لأنّ الخوف الزائد سيحرم الإنسان من النجاح فلا يصل إلى مطلوبه.

الثانية:

قُرن «الحياء بالحرمان»

ليس مطلق الحياء فإنّ الحياء مطلوب و في نهج البلاغة «مَنْ كَسَاهُ الْحَيَاءُ ثَوْبَهُ لَمْ يَرَ النَّاسُ عَيْبَهُ»[5]، و إنما الحياء المفرط الذي يلزم منه الحرمان من حقوق صاحب الحياء، فالحياء الزائد عن حدّه يقيّد الإنسان، و يمنعه عن الطلب، فيقع في الحرمان.

و المراد هو رفض الحياء الزائد، و أن يكون الإنسان متوازنا في صفاته لا يركن إلى الافراط في حيائه، و لا إلى الوقاحة، فإذا بالغ في خجله حرم نفسه من حقوقه و فرصه في الحياة.

فإذا قسّمنا الحياء إلى إيجابي و سلبي فإن من القسم الثاني الحياء المانع من تحصيل الحقوق، و المانع من العلم و التعلّم، و إنكار المنكر، و المانع من التعبير عن الرأي، و المانع من الرزق «الْحَيَاءُ يَمْنَعُ الرِّزْقَ»[6].

و قد يكون إنسان متوسط الحال بسيط في معيشته فيأتيه آخر و يقترض منه مالا إلى أجل مسمى متفقٌ عليه، فلا يلتزم بوعده، فيزيد على الأول ضيقه، و يتنعم الثاني بأمواله، و يمنع الحياءُ و الخجلُ الأولَ من المطالبة بحقه و ماله، فيؤدي به الحياء إلى الحرمان.

و في هذا المعنى رُوي عنه عليه السلام «الْحَيَاءُ مَحْرَمَة»[7]، «الْحَيَاء ُمَقْرُونٌ بِالْحِرْمَانِ»[8]، «مَنِ اسْتَحْيَا حُرِمَ»[9].

و يُقال «لا حياء في الدين»، أي لا يمنعك الحياء من السؤال و الاستفسار عن أمور دينك و طلب ما لا تعلمه ممن يعلمه و إن كان في بعض الأمور المحرجة أو الخاصة، فإذا لم تسأل فإنك تحرم نفسك من التعلم و معرفة الأحكام الشرعية، فالمقولة تتضمن دعوة إلى رفض الخجل عن السؤال فيما يجهله المسلم من أمور دينه.

الثالثة:

«الفرصة تمرّ مرّ السّحاب فانتهزوا فرص الخير»

الفرصة هي في تمكّن الانسان من فعل شيء في وقته و أوانه، و هذه الفرصة تمرّ مر السحاب بمعنى أنّها سريعة و لا تبقى كما يمرّ السحاب في سرعة، فالحكمة إرشاد و توجيه إلى اغتنام فرص الخير و العمل الصالح قبل فوات الأوان.

وهذا الاقتناص في فرص الخير جالب لأصحاب الأعمال الخيرية و الصدقات الجارية فإنّهم يتحينون فرص الخير و يسارعون في الخيرات، كما أنّ انتهاز الفرص عامة عند أصحاب الأعمال التجارية و المشاريع الاقتصادية حيث يبادرون إلى مواقع الربح و أماكن الاكتساب و يتنافسون فيها و يتسابقون.

و كمثال واضح و يُشاهد باستمرار و هو الثمر على الشجر، فإنّ له موسمه و أيامه، و الفرصة هي أن يقطف الثمر في أوانه، لا قبل و لا بعد، فإنّ الثمرة قبل وقتها تكون غير ناضجة أو فجّة، و بعد وقتها تكون فاسدة.

و الحياة الدّنيا هي فرصة الإنسان للفوز الأعظم و الجنان الواسعة فإن اغتنمها في الإيمان و العمل الصالح و الطاعة فقد فاز في آخرته بجنان عرضها كعرض السموات و الأرض و إلا فإنّ نصيبه الخسران و الندم.

  1. – نهج البلاغة، حكمة 21
  2. – الأمالي، الشيخ الطوسي، ص ٦٢٥ (عن الإمام الرضا (ع) قال : قال أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام): الهيبة خيبة، والفرصة خلسة، و الحكمة ضالة المؤمن، فاطلبوها و لو عند المشرك، تكونوا أحق بها و أهلها.
  3. – تصنيف غرر الحكم ودرر الكلم، عبد الواحد الآمدى التميمي، ص ٣٤٦
  4. – نهج البلاغة، حكمة 175
  5. – نهج البلاغة، حكمة 223
  6. – غرر الحكم ودرر الكلم، عبد الواحد الآمدى التميمي، ص ٢٧، تصنيف غرر الحكم ودرر الكلم، عبد الواحد الآمدى التميمي، ص ٢٥٧
  7. – غرر الحكم ودرر الكلم، عبد الواحد الآمدى التميمي، ص ٢٣، تصنيف غرر الحكم ودرر الكلم، عبد الواحد الآمدى التميمي، ص ٢٥٧
  8. – غرر الحكم ودرر الكلم، عبد الواحد الآمدى التميمي، ص ٣٠، تصنيف غرر الحكم ودرر الكلم، عبد الواحد الآمدى التميمي، ص ٢٥٧
  9. – تصنيف غرر الحكم ودرر الكلم، عبد الواحد الآمدى التميمي، ص ٢٥٧

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *