محمد جواد الدمستانيمحمد جواد الدمستاني

Loading

قيمة الإنسان بعمله

«من أبطأ به عمله لم يسرع به نسبه»

محمد جواد الدمستاني

تقييم الإنسان ابتداء يكون بحسب صفاته و أعماله هو و ليس بصفات و أعمال الآخرين من أقارب و أنساب، و من لم يكن ناهضا في نفسه بحسن أفعاله فلن ينفعه شرف آبائه، قال أمير المؤمنين عليه السلام: «مَنْ أَبْطَأَ بِهِ عَمَلُهُ لَمْ يُسْرِعْ بِهِ نَسَبُهُ»[1]، فالتقييم بالعمل لا بالنسب، و في رواية أخرى «مَنْ فَاتَهُ حَسَبُ نَفْسِهِ لَمْ يَنْفَعْهُ حَسَبُ آبَائِهِ»[2].

و العمل في الحكمة يشمل العمل الصالح و ما يقدّمه الإنسان من خير و علم و إنجازات و خدمة للبشرية، و النسب جمع أنساب و هي الأصول التي ينحدر منها الإنسان كالأب و الجد، و هي قرابة موروثة لا دخل للإنسان في حصولها، و الحسب هو ما يعدّه المرء من مفاخر نفسه و آبائه، أو الشرف الحاصل بالكسب، و يُقال العِصامِيّ لمَن ساد بشرف نفسه، و يقابله العِظاميّ و هو من ساد بشرف آبائه، و لم يسرع به نسبه أي لا ينفعه نسبه الشريف و أصله العريق في تقدمه و منزلته، فالمراد من الحكمة الحث على العمل و السعي و الاجتهاد بالنفس دون الإستناد على نسب أو حسب غيره، و إلا تأخّر في المنزلة و المقام.

و التصوير هو أنّ الناس يسيرون في ميدان العمل الصالح و كلما تقدّم الإنسان في عمله سَبَقَ في الميدان، فإذا ما تأخّر الإنسان في هذا الميدان لقصور منه في عمله فإنّ نسبه لا يسرع به في ميدان السباق، بل يبقى في مكانه و هو مؤشر ميزان عمله و مرتبته، قال عليه السلام في إحدى خطبه: «ألا و إن المضمار اليوم و غدا السباق، والسبقة الجنة، و الغاية النار، ألا و إنكم في أيام مهل من ورائه أجل يحثه عجل، فمن أخلص لله عمله لم يضرّه أمله، و من أبطأ به عمله في أيام مهله قبل حضور أجله فقد خسر عمله و ضرّه أمله»[3].

و في تأكيد هذا المعنى من تقديم عمل الإنسان و جهده على نسبه رُوي عن أمير المؤمنين (ع) في غرر الحكم قوله: «فَخْرُ الْمَرْءِ بِفَضْلِهِ لَا بِأَصْلِهِ»[4]، «لَيْسَتِ الْأَنْسَابُ بِالْآبَاءِ وَالْأُمَّهَاتِ لَكِنَّهَا بِالْفَضَائِلِ الْمَحْمُودَاتِ»[5]، «مَنْ أَخَّرَهُ عَدَمُ أَدَبِهِ لَمْ يُقَدِّمْهُ كَثَافَةُ حَسَبِهِ»[6]،«مَنْ وَضَعَهُ دَنَاءَةُ أَدَبِهِ لَمْ يَرْفَعْهُ شَرَفُ حَسَبِهِ»[7].

قال الإمام زين العابدين عليه السلام: «هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ يَا طَاوُسُ، دَعْ عَنِّي حَدِيثَ أَبِي وَ أُمِّي وَ جَدِّي، خَلَقَ اللَّهُ الْجَنَّةَ لِمَنْ أَطَاعَهُ وَ أَحْسَنَ وَ لَوْ كَانَ عَبْداً حَبَشِيّاً، وَ خَلَقَ النَّارَ لِمَنْ عَصَاهُ و َلَوْ كَانَ قُرَشِيًّا، أمَا سَمِعْتَ قَوْلَهُ تَعَالَى (فَإِذا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلا أَنْسابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلا يَتَساءَلُونَ)[8]، وَاللَّهِ لَا يَنْفَعُكَ غَداً إِلَّا تَقْدِمَةٌ تُقَدِّمُهَا مِنْ عَمَلٍ صَالِحٍ»[9].

و النسب شرف يزيد الإنسان كمالا و مؤثر بلا شك في أفراده و لكنه ليس هو المؤثر الكامل و الوحيد الذي يصنع الإنسان نفسه، فلا يصنع النسب لوحده عالما أو تقيا أو قائدا، فمن لم يكن له عمل صالح و سعي و اجتهاد و نفع للناس فلن ينفعه نسبه، و الكرامة عند الله بالتقوى «إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ»[10]، و نسب الإنسان له مقامه و أثره في تكوين شخصية الفرد بواسطة التربية و التعليم و بالبيئة الاجتماعية و المحيط العائلي الذي يعيش فيه، مما يجعله قابلا للعمل الصالح في ظل تربية و بيئة صالحة، فليكن النسب و الحسب دافعا آخر للعمل الصالح و السعي نحو الكمال.

و أهل البيت عليهم السلام هم القدوة و الأسوة و نموذج للإنسان في الكمال فقد جمعوا الإيمان و العمل الصالح مع أشرف نسب و أكرم عائلة محمد و آل محمد صلوات الله و سلامه عليه أجمعين، و طهّرهم الله تطهيرا، «إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا»[11].

فالحكمة تدعو إلى العمل و الجدّ و بناء القيمة الذاتية للفرد نفسه، و الاعتماد على النفس و عدم الركون إلى شرف الآباء و الأجداد و تاريخ الأسرة فقط دون العمل الصالح الشخصي، و عدم الاتكال على الغير و إن كان قريبا أو نسيبا و إهمال النفس، و تؤشر إلى أنّ مقياس الإنسان في عمله و أخلاقه و دينه و نفعه للناس، فإذا قصّر في ذلك و تخلّف في سعيه و لم يقدّم ما يرفعه عند الله و عند الناس فلن ينفعه نسبه و أصله و حسب أهله، و لا تنفعه عائلته و لا مكانته الاجتماعية، فالمعيار هو الإنسان نفسه ابتداء.

بل إنّ الافتخار بالآباء و الأجداد و إهمال النفس مع قصور متعمد يعدّ عجز ظاهر بل الاعتماد الزائد على النسب قد يسبّب نتائج عكسية من التقاعس و الغرور و الكسل و التعالي و هي صفات سلبية، فمعيار التفاضل بين الناس يكون فيما لهم دخل فيه و هو الذي يعبر عن حقيقة الإنسان و هو السعي و العمل، و أما ما ليس لهم دخل فيه فليس معيارا و لا يعبر عن الإنسان نفسه كالنسب و الأصل فلا يصلح وحده مقياسا للتفاضل.

‎و المجتمعات و إن كانت تعطي أهمية للنسب و لكنها لا تعدّه ميزانا و معيارا نهائيا لتقييم الناس بل التقييم و التقدير الأولي بسبب العمل الصالح و الخلق الرفيع و الخير النافع و الكفاءة و الأهلية، فإن لم يكن له نصيب من ذلك فليس له أهمية بين الناس، و ليس النسب بديلا عن العمل، و هذا دافع آخر للعمل الصالح فإذا علم الإنسان أنّ العمل هو المعيار و ليس النسب فإنّه سيزيد من درجات الجدّ و الاجتهاد و لا يركن للغير من نسب و حسب.

و في الديوان المنسوب لأمير المؤمنين عليه السلام:

كُن اِبنَ مَن شِئتَ واِكتَسِب أَدَباً يُغنيكَ مَحمُودُهُ عَنِ النَسَبِ

فَلَيسَ يُغني الحَسيبُ نِسبَتَهُ بِلا لِسانٍ لَهُ وَلا أَدَبِ

إِنَّ الفَتى مَن يُقولُ ها أَنا ذا لَيسَ الفَتى مَن يُقولُ كانَ أَبي

  1. – نهج البلاغة، حكمة 23، حكمة 389

  2. – نهج البلاغة، حكمة 389 (وَ قَالَ (عليه السلام): مَنْ أَبْطَأَ بِهِ عَمَلُهُ لَمْ يُسْرِعْ بِهِ نَسَبُهُ . وَ فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى : مَنْ فَاتَهُ حَسَبُ نَفْسِهِ لَمْ يَنْفَعْهُ حَسَبُ آبَائِهِ).

  3. – الإرشاد، الشيخ المفيد، ج ١، ص ٢٣٥ (أيها الناس، فإن الدنيا قد أدبرت وآذنت بوداع، و إن الآخرة قد أظلت وأشرفت باطلاع، ألا وإن المضمار اليوم وغدا السباق، والسبقة الجنة، والغاية النار، ألا و إنكم في أيام مهل من ورائه أجل يحثه عجل، فمن أخلص لله عمله لم يضره أمله، و من بطأ به عمله في أيام مهله قبل حضور أجله فقد خسر عمله وضره أمله).

    نهج البلاغة، خطبة 28 (أَلَا وَ إِنَّ الْيَوْمَ الْمِضْمَارَ وَ غَداً السِّبَاقَ وَ السَّبَقَةُ الْجَنَّةُ وَ الْغَايَةُ النَّارُ، أَ فَلَا تَائِبٌ مِنْ خَطِيئَتِهِ قَبْلَ مَنِيَّتِهِ أَ لَا عَامِلٌ لِنَفْسِهِ قَبْلَ يَوْمِ بُؤْسِهِ أَلَا وَ إِنَّكُمْ فِي أَيَّامِ أَمَلٍ مِنْ وَرَائِهِ أَجَلٌ فَمَنْ عَمِلَ فِي أَيَّامِ أَمَلِهِ قَبْلَ حُضُورِ أَجَلِهِ فَقَدْ نَفَعَهُ عَمَلُهُ وَ لَمْ يَضْرُرْهُ أَجَلُهُ وَ مَنْ قَصَّرَ فِي أَيَّامِ أَمَلِهِ قَبْلَ حُضُورِ أَجَلِهِ فَقَدْ خَسِرَ عَمَلُهُ وَ ضَرَّهُ أَجَلُهُ).

  4. – تصنيف غرر الحكم ودرر الكلم، عبد الواحد الآمدى التميمي، ص ٤٠٩، عيون الحكم والمواعظ، علي بن محمد الليثي الواسطي، ص ٣٥٧، غرر الحكم ودرر الكلم، عبد الواحد الآمدى التميمي، ص ٤٨١ (فخر الرّجل بفضله لا بأصله)

  5. – غرر الحكم ودرر الكلم، عبد الواحد الآمدى التميمي، ص 547، تصنيف غرر الحكم ودرر الكلم، عبد الواحد الآمدى التميمي، ص ٤٠٩

  6. – غرر الحكم ودرر الكلم، عبد الواحد الآمدى التميمي، ص ٦٠٠، تصنيف غرر الحكم ودرر الكلم، عبد الواحد الآمدى التميمي، ص ٤٠٩

  7. – غرر الحكم ودرر الكلم، عبد الواحد الآمدى التميمي، ص 599، تصنيف غرر الحكم ودرر الكلم، عبد الواحد الآمدى التميمي، ص ٤٠٩

  8. – سورة المؤمنون، آية 101

  9. – المناقب، ابن شهر آشوب، ج ٤، ص 151 ( طَاوُسٌ الْفَقِيهُ: رَأَيْتُهُ يَطُوفُ مِنَ الْعِشَاءِ إِلَى السَّحَرِ، وَ يَتَعَبَّدُ فَلَمَّا لَمْ يَرَ أَحَداً رَمِقَ السَّمَاءَ بِطَرْفِهِ وَ قَالَ: إِلَهِي غَارَتْ نُجُومُ سَمَاوَاتِكَ وَ هَجَعَتْ عُيُونُ أَنَامِكَ وَ أَبْوَابُكَ مُفَتَّحَاتٌ لِلسَّائِلِينَ، جِئْتُكَ لِتَغْفِرَ لِي وَ تَرْحَمَنِي وَ تُرِيَنِي وَجْهَ جَدِّي مُحَمَّدٍ (ص) فِي عَرَصَاتِ الْقِيَامَةِ، ثُمَّ بَكَى وَ قَالَ: وَ عِزَّتِكَ وَجَلَالِكَ مَا أَرَدْتُ بِمَعْصِيَتِي مُخَالَفَتَكَ وَ مَا عَصَيْتُكَ إِذْ عَصَيْتُكَ وَ أَنَا بِكَ شَاكٌّ وَ لَا بِنَكَالِكَ جَاهِلٌ وَ لَا لِعُقُوبَتِكَ مُتَعَرِّضٌ، وَ لَكِنْ سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي وَ أَعَانَنِي عَلَى ذَلِكَ سِتْرُكَ الْمُرْخَى بِهِ عَلَيَّ، فَأَنَا الْآنَ مِنْ عَذَابِكَ مَنْ يَسْتَنْقِذُنِي وَ بِحَبْلِ مَنْ أَعْتَصِمُ إِنْ قَطَعْتَ حَبْلَكَ عَنِّي، فَوَاسَوْأَتَاهْ غَداً مِنَ الْوُقُوفِ بَيْنَ يَدَيْكَ إِذَا قِيلَ لِلْمُخِفِّينَ جُوزُوا وَلِلْمُثْقِلِينَ حَطُّوا، أَمَعَ الْمُخِفِّينَ أَجُوزُ أَمْ مَعَ الْمُثْقِلِينَ أَحُطُّ، وَ يْلِي كُلَّمَا طَالَ عُمُرِي كَثُرَتْ خَطَايَايَ وَلَمْ أَتُبْ أَمَا آنَ لِي أَنْ أَسْتَحِيَ مِنْ رَبِّي، ثُمَّ بَكَى، ثُمَّ أَنْشَأَ يَقُولُ:

    أَ تُحْرِقُنِي بِالنَّارِ يَا غَايَةَ الْمُنَى فَأَيْنَ رَجَائِي ثُمَّ أَيْنَ مَحَبَّتِي

    أَتَيْتُ بِأَعْمَالٍ قِبَاحٍ رَدِيَّةٍ وَ مَا فِي الْوَرَى خَلْقٌ جَنَى كَجِنَايَتِي

    ثُمَّ بَكَى وَ قَالَ: سُبْحَانَكَ تُعْصَى كَأَنَّكَ لَا تُرَى، وَ تَحْلُمُ كَأَنَّكَ لَمْ تُعْصَ، تَتَوَدَّدُ إِلَى خَلْقِكَ بِحُسْنِ الصَّنِيعِ كَأَنَّ بِكَ الْحَاجَةَ إِلَيْهِمْ وَ أَنْتَ يَا سَيِّدِي الْغَنِيُّ عَنْهُمْ، ثُمَّ خَرَّ إِلَى الْأَرْضِ سَاجِداً فَدَنَوْتُ مِنْهُ وَ شِلْتُ رَأْسَهُ وَ وَضَعْتُهُ عَلَى رُكْبَتَيَّ وَ بَكَيْتُ حَتَّى جَرَتْ دُمُوعِي عَلَى خَدِّهِ فَاسْتَوَى جَالِساً وَ قَالَ: مَنْ ذَا الَّذِي أَشْغَلَنِي عَنْ ذِكْرِ رَبِّي؟ فَقُلْتُ: أَنَا طَاوُسٌ يَا ابْنَ رَسُولِ اللَّهِ، مَا هَذَا الْجَزَعُ وَالْفَزَعُ وَ نَحْنُ يَلْزَمُنَا أَنْ نَفْعَلَ مِثْلَ هَذَا وَ نَحْنُ عَاصُونَ جَافُونَ، أَبُوكَ الْحُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ وَ أُمُّكَ فَاطِمَةُ الزَّهْرَاءُ وَ جَدُّكَ رَسُولُ اللَّه،ِ قَالَ: فَالْتَفَتَ إِلَيَّ وَ قَالَ: هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ يَا طَاوُسُ، دَعْ عَنِّي حَدِيثَ أَبِي وَ أُمِّي وَ جَدِّي، خَلَقَ اللَّهُ الْجَنَّةَ لِمَنْ أَطَاعَهُ وَ أَحْسَنَ وَ لَوْ كَانَ عَبْداً حَبَشِيّاً، وَخَلَقَ النَّارَ لِمَنْ عَصَاهُ وَ لَوْ كَانَ قُرَشِيًّا، أَمَا سَمِعْتَ قَوْلَهُ تَعَالَى «فَإِذا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلا أَنْسابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلا يَتَساءَلُونَ»، وَاللَّهِ لَا يَنْفَعُكَ غَداً إِلَّا تَقْدِمَةٌ تُقَدِّمُهَا مِنْ عَمَلٍ صَالِحٍ.

  10. – سورة الحجرات، آية 13

  11. – سورة الأحزاب، آية 33

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *