Loading

لماذا أمريكا وإسرائيل فقط؟ … بوصلة المواقف …

منذ سنوات طويلة، والملف النووي الإيراني يتحول إلى واحدة من أكثر القضايا إثارةً للجدل في العالم، ليس فقط بسبب طبيعة البرنامج النووي نفسه، بل بسبب حجم التوتر السياسي والعسكري الذي يحيط به. والمفارقة أن كثيرًا من دول العالم، بما فيها دول كبرى، لا تعارض من حيث المبدأ امتلاك إيران للتقنية النووية السلمية، بل تؤكد أن من حقها .. كأي دولة أخرى … تطوير برنامج نووي للأغراض المدنية والطاقة والبحث العلمي، طالما بقي ضمن ضوابط الوكالة الدولية للطاقة الذرية. لكن السؤال الذي يفرض نفسه بقوة: لماذا تبدو أمريكا وإسرائيل وحدهما في حالة خوف دائم وتصعيد مستمر تجاه هذا الملف؟

الجواب لا يتعلق فقط بالقنبلة النووية، بل بطبيعة الصراع السياسي والاستراتيجي في المنطقة.

فإيران ليست دولة محايدة في نظر واشنطن وتل أبيب، بل دولة تعلن بوضوح رفضها للهيمنة الأمريكية في الشرق الأوسط، وتتبنى خطابًا سياسيًا داعمًا للقضية الفلسطينية، وترفض الاعتراف بإسرائيل، وتدعم قوى وحركات تعتبرها أمريكا وإسرائيل خصومًا مباشرين لهما. لذلك فإن امتلاك إيران لتقنيات نووية متطورة، حتى وإن بقيت سلمية، يُنظر إليه داخل الدوائر الأمريكية والإسرائيلية باعتباره مصدر قوة هائل لدولة لا تدور في الفلك الغربي.

هنا يكمن جوهر القضية …

فإن الكثير من الدول الأوروبية، وروسيا، والصين، وحتى دول أخرى قد تختلف مع إيران سياسيًا، لا ترى أن الحل يكون بحرمانها المطلق من التكنولوجيا النووية، لأن ذلك يتعارض مع القوانين الدولية التي تعطي للدول حق تطوير الطاقة النووية السلمية. ولهذا نجد أن أغلب المواقف الدولية تركز على منع الانحراف نحو التصنيع العسكري، لا على منع البرنامج بالكامل.

أما أمريكا وإسرائيل، فالأمر عندهما يتجاوز الجانب التقني إلى الحسابات الجيوسياسية. فإسرائيل، التي تمتلك أصلًا ترسانة نووية غير معلنة، ترى أن أي قوة إقليمية كبيرة تمتلك قدرات نووية متقدمة ستؤدي إلى كسر احتكار القوة في المنطقة. وهذا الاحتكار ظل لعقود جزءًا أساسيًا من التفوق الإسرائيلي العسكري والنفسي والسياسي.

فإسرائيل لا تخشى فقط من القنبلة النووية الإيرانية، بل تخشى من إيران القوية بحد ذاتها؛ إيران التي تمتلك اقتصادًا متحررًا من العقوبات، وصناعة متقدمة، وقدرة علمية، ونفوذًا سياسيًا واسعًا. فالقوة العلمية تؤدي مع الزمن إلى قوة اقتصادية، ثم إلى قوة عسكرية واستقلال سياسي أكبر، وهذا ما تعتبره إسرائيل تهديدًا استراتيجيًا بعيد المدى.

أما الولايات المتحدة، فهي تنظر إلى الشرق الأوسط بوصفه منطقة نفوذ تاريخية مرتبطة بأمن الطاقة، والتحالفات العسكرية، وحماية إسرائيل، والتوازنات الدولية. ومن هذا المنطلق، فإن صعود إيران كقوة مستقلة لا تخضع بالكامل للسياسات الأمريكية يُعد تحديًا مباشرًا للمشروع الأمريكي في المنطقة.

ولهذا فإن المشكلة ليست في اليورانيوم وحده، بل في السؤال الأكبر: ماذا لو امتلكت إيران عناصر القوة الحديثة كلها، بينما بقيت على موقفها السياسي المعارض لواشنطن وتل أبيب؟

هذا هو القلق الحقيقي …

فلو كانت إيران دولة حليفة للغرب، أو مرتبطة أمنيًا بالولايات المتحدة كما هو حال بعض الدول الأخرى، لربما اختلفت طريقة التعامل مع ملفها النووي بصورة كبيرة. فالعالم لا يتعامل دائمًا مع الملفات النووية بمعيار تقني بحت، بل بمعيار الثقة السياسية والتحالفات الدولية.

ومن هنا نفهم لماذا يبدو أن أغلب دول العالم تتحدث عن الرقابة والضمانات، بينما تذهب أمريكا وإسرائيل غالبًا نحو لغة المنع الكامل أو الخيار العسكري أو التهديد المستمر.

إن الملف النووي الإيراني ليس مجرد نزاع حول أجهزة الطرد المركزي أو نسب التخصيب، بل هو صراع حول شكل الشرق الأوسط القادم: هل يبقى خاضعًا لقطب واحد يحدد من يملك القوة ومن يُمنع منها؟ أم يتحول إلى منطقة تتعدد فيها مراكز القوة والنفوذ؟

وفي قلب هذا السؤال تقف إيران، ويقف معها ملفها النووي، باعتباره رمزًا لصراع أكبر بكثير من مجرد التكنولوجيا النووية نفسها.

https://clay-board.com/archives/239664

بقلم جليل هاشم البكاء

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *