محمد جواد الدمستانيمحمد جواد الدمستاني

Loading

عظيم الأجر و الثواب في مساندة الملهوفين و المكروبين

«من كفارات الذنوب العظام إغاثة الملهوف و التنفيس عن المكروب»

محمد جواد الدمستاني

إنّ الإحسان إلى الناس و إعانتهم و مساندتهم و خاصة الذين هم بحاجة ماسة للإغاثة و الإنقاذ و المفجوعين و المهمومين له عظيم الأجر و الثواب، فقد رُوي عن أمير المؤمنين عليه السلام في نهج البلاغة قوله: «مِنْ كَفَّارَاتِ الذُّنُوبِ الْعِظَامِ إِغَاثَةُ الْمَلْهُوفِ وَ التَّنْفِيسُ عَنِ الْمَكْرُوبِ»[1].

و في تمام نهج البلاغة رُوي «مِنْ كَفّارَاتِ الذُّنُوبِ الْعِظَامِ إِغَاثَةُ الْمَلْهُوفِ، وَ مِنْ أَفْضَلِ الْمَكَارِمِ التَّنْفيسُ عَنِ الْمَكْرُوبِ، وَ إِقْرَاءُ الضُّيُوفِ، وَ مِنْ أَفْضَلِ الْفَضَائِلِ اصْطِنَاعُ الصَّنَائِعِ، وَبَثُّ الْمَعْرُوفِ»[2].

إغاثة الملهوف الذي وقع في شدة و ضيق بمعنى مساعدته و إعانته و إنقاذه، و التنفيس عن المكروب بمعنى التفريج و الكشف عن هموم المكروب و المغموم، و كفّارات الذنوب الكبيرة بمعنى غفرانها و محوها و عدم المعاقبة عليها، فالله يجزي عبده على إحسانه بإحسان أعظم، و قال تعالى في كتابه الكريم: «هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ»[3]، فالله كريم على عباده، و للمحسنين إلى الملهوفين و المكروبين إحسان أعظم و هو أنّ الله يجزيهم بالتكفير عن ذنوبهم العظام فيغفر ذنوبهم، فلأنّهم قاموا بإحسان الإغاثة و التنفيس يجازيهم الله بالرحمة و المغفرة بمحو ذنوب عظام لهم، فكرم الله أن يجعل الجزاء بنوع العمل فما دام العبد قد أزال كربة عبد مثله يجازيه الله بإزالة كربته العظمى بمحو الذنوب.

و تكرر من أمير المؤمنين عليه السلام بيان عظمة إغاثة الملهوف، ففي الغرر أنّه حِصن من العذاب «بِإِغَاثَةِ الْمَلْهُوفِ يَكُونُ لَكَ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ حِصْنٌ»[4]، و «مَنْ أَجَارَ الْمُسْتَغِيثَ أَجَارَهُ اللَّهُ سُبْحَانَهُ مِنْ عَذَابِهِ»[5].

و هذا يبيّن منزلة و فضل الإحسان إلى الناس و تقديم العون لهم و خدمتهم و خاصة الملهوفين فهو أفضل المعروف أو من أفضله كما رُوي عن أمير المؤمنين في حكمتين أخريين في غرر الحكم «أَفْضَلُ الْمَعْرُوفِ إِغَاثَةُ الْمَلْهُوفِ»[6]، و كثرة الأجر في حكمة أخرى «مَا حَصَلَ الْأَجْرُ بِمِثْل ِإِغَاثَةِ الْمَلْهُوفِ»[7].

و الحكمة تشير إلى قابلية تدارك الذنوب و إن كانت كبيرة و عظيمة فيغفرها الله و يزيل ذنب مرتكبها بأعمال يقدمها صاحب الذنب لعبيد الله و إن كانت تبدو صغيرة و قليلة كإغاثة الملهوف و التفريج عن المكروب، و هذا من فضل الله و رحمته على العباد فيجزي بالشيء القليلِ عظيمَ الثواب فلا ييأس العباد من رحمته فأبواب التوبة و المغفرة مفتوحة، يلزم ألا يرتكب العبدُ ذنبًا و إذا فعل فيجب عليه التوبة و التكفير عنه، و إغاثة الملهوف و التنفيس عن المكروب أحد كفّارات الذنوب العظام.

و تتحقق الإغاثة و التنفيس بإيجاد مصداق لأحدهما بقدر المستطاع و إن كان قليلا فقد رُوي عن الإمام الصادق (ع) قال: أَوْحَى اللَّهُ – عَزَّ وَجَلَّ – إِلى دَاوُدَ عَلَيْهِ السَّلَامُ: أَنَّ الْعَبْدَ مِنْ عِبَادِي لَيَأْتِينِي بِالْحَسَنَةِ، فَأُبِيحُهُ جَنَّتِي، فَقَالَ دَاوُدُ: يَا رَبِّ، وَ مَا تِلْكَ الْحَسَنَةُ؟ قَالَ: يُدْخِلُ عَلى عَبْدِيَ الْمُؤْمِنِ سُرُوراً وَ لَوْ بِتَمْرَةٍ، قَالَ دَاوُدُ: يَا رَبِّ، حَقٌّ لِمَنْ عَرَفَكَ أَنْ لَا يَقْطَعَ رَجَاءَهُ مِنْكَ»[8]، فالله يضاعف الحسنات و ينميها فيُجزي بالفعل البسيط بأعظم منه أضعافا مضاعفة.

و هذه الإغاثة هي إحدى عناصر آلة السيادة في المجتمع، فعنه عليه السلام: «فِعْلُ الْمَعْرُوفِ، وَ إِغَاثَةُ الْمَلْهُوفِ، وَ إِقْرَاءُ الضُّيُوفِ آلَةُ السِّيَادَةِ»[9].

و الإحسان إلى الملهوف يعني تقديم كل مساعدة ممكنة إلى من هو في ضيق و محنة، و إلى كل من يستغيث و يطلب النجدة، و إلى كل حزين و مفجوع من فقد بيته أو ماله أو أعزائه، أو أسرة تعجز عن حاجاتها الضرورية من مأكل و ملبس و مسكن، و إعانة مظلوم لا ناصر له و دفع الظلم عنه، أو المنكوبين في الحوادث و الكوارث من زلازل و فيضانات و سيول، أو المنكوبين في مناطق الحرب، و تقديم علاج أو مساعدة علاج لمريض لا قدرة له على العلاج أو على ثمن الدواء، و كذلك الإحسان إلى المكروب و المهموم بسبب دين أو سجن، أو مرض، و قضاء حوائج المحتاج و إنقاذ المديون، و كل عمل و إحسان تقدمه في سبيل إغاثة الملهوف و التنفيس عن المكروب فإنّه من كفّارات الذنوب.

الإحسان بجميع أشكاله و التكافل الاجتماعي عامة من ضروريات المجتمع الواعي و يعبّران عن قوة المجتمع و قد حث أهل البيت على الجانب الاجتماعي و علاقات الناس ببعضهم كقضاء حوائج المؤمنين، و إدخال السرور عليهم، و نصيحتهم، و ستر عيوبهم، و زيارتهم و عيادتهم، و صنع المعروف لهم، و الفضل يعود لصاحب المعروف و «خَيرُ الناسِ مَنِ انتَفَعَ به الناسُ»[10]، كما رُوي عن رسول الله صلّى الله عليه و آله و سلم.

و رُويت عنهم عليهم السلام عدد من الروايات في تكفير الذنوب منها:

ما ورد في البكاء على الإمام الحسين عليه السلام فقد روى الصدوق عن الإمام الرضا (ع) أنّه قال: «فَعَلَى مِثْلِ الْحُسَيْنِ فَلْيَبْكِ الْبَاكُونَ، فَإِنَّ الْبُكَاءَ عَلَيْهِ يَحُطُّ الذُّنُوبَ الْعِظَام»[11].

و منها خدمة العيال تكفيرٌ للكبائر «خدمة العيال كفارة للكبائر، و تطفئ غضب الرب، و مهور الحور العين، و تزيد في الحسنات والدرجات»[12].

و قراءة القرآن «علَيكَ بقِراءةِ القرآنِ فإنّ قِراءتَهُ كَفّارةٌ للذُّنوبِ، و سَترٌ في النارِ، و أمانٌ مِن العذابِ»[13].

و إجابة المؤذن فعن رسول الله (ص) «إجابَةُ المُؤَذِّنِ كَفّارَةُ الذُّنوب»[14].

و منها المرض فعن رسول اللَّهِ (ص) «السُّقمُ يَمحُو الذُّنوبَ»[15]، «حُمَّى لَيْلَةٍ كَفَّارَةُ سَنَةٍ»[16].

و منها الهموم في طلب المعيشة فعن رسول اللَّهِ (ص) «إنّ مِنَ الذُّنوبِ ذُنوباً لا يُكَفِّرُها صلاةٌ و لا صومٌ، قيلَ: يا رسولَ اللَّهِ، فما يُكَفِّرُها؟ قالَ: الهُمُومُ في طَلَبِ المَعيشَةِ»[17].

و كسب الحسنات «إِنَّ الْحَسَناتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ»[18].

و منها الصلاةُ على محمّدٍ و آلِهِ عن الإمام الرِّضا عليه السلام: «مَن لم يَقدِرْ على ما يُكَفِّرُ بهِ ذُنوبَهُ فَلْيُكثِرْ مِنَ الصَّلاةِ على محمّدٍ و آلِهِ فإنّها تَهدِمُ الذُّنوبَ هَدماً»[19].

  1. – نهج البلاغة، حكمة 24

  2. – تمام نهج البلاغة، السيد صادق الموسوي، ص ١٥٨

  3. – سورة الرحمن، آية 60

  4. – تصنيف غرر الحكم ودرر الكلم، عبد الواحد الآمدى التميمي، ص ٤٥٠

  5. – المصدر السابق

  6. – غرر الحكم ودرر الكلم، عبد الواحد الآمدى التميمي، ص ١٩١، تصنيف غرر الحكم و درر الكلم، عبد الواحد الآمدى التميمي، ص ٣٨٢، و رُويت في المصدرين السابقين: الغرر، ص ٦٧٩، و التصنيف ص ٤٥٠ (مِنْ أَفْضَلِ الْمَعْرُوفِ إِغَاثَةُ الْمَلْهُوفِ).

  7. – تصنيف غرر الحكم ودرر الكلم، عبد الواحد الآمدى التميمي، ص ٤٥٠

  8. – الكافي ( دار الحديث )، الشيخ الكليني، ج ٣، ص ٤٨٤، وسائل الشيعة (آل البيت)، الحر العاملي، ج ١٦، ص ٣٧٣

  9. – غرر الحكم ودرر الكلم، عبد الواحد الآمدى التميمي، ص ٦٧٩، تصنيف غرر الحكم ودرر الكلم، عبد الواحد الآمدى التميمي، ص ٤٥٠

  10. – الأمالي، الشيخ الصدوق، ص ٧٢، الاختصاص، الشيخ المفيد، ص ٢٤٣، بحار الأنوار، ج ٧٢، العلامة المجلسي، ص ٢٣

  11. – الأمالي، الشيخ الصدوق، ص ١٩٠ (عن الإمام الرِّضَا عليه السلام: (إِنَّ الْمُحَرَّمَ شَهْرٌ كَانَ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ يُحَرِّمُونَ الْقِتَالَ فِيهِ، فَاسْتُحِلَّتْ فِيهِ دِمَاؤُنَا، وَ هُتِكَتْ فِيهِ حُرْمَتُنَا، وَ سُبِيَتْ فِيهِ ذَرَارِيُّنَا وَ نِسَاؤٌنَا، وَ أُضْرِمَتِ النِّيرَانُ فِي مَضَارِبِنَا، وَ انْتُهِبَ مَا فِيهَا مِنْ ثِقَلِنَا، وَ لَمْ يُتْرَكْ لِرَسُولِ اللَّهِ حُرْمَةٌ فِي أَمْرِنَا، إِنَّ يَوْمَ الْحُسَيْنِ أَقْرَحَ جُفُونَنَا وَ أَسْبَلَ دُمُوعَنَا، وَ أَذَلَّ عَزِيزَنَا بأَرْض كَرْبٍ وَبَلَاءٍ، أَوْرَثَتْنَا الْكَرْبَ وَالْبَلَاءَ إِلَى يَوْمِ الِانْقِضَاءِ، فَعَلَى مِثْلِ الْحُسَيْنِ فَلْيَبْكِ الْبَاكُونَ فَإِنَّ الْبُكَاءَ عَلَيْهِ يَحُطُّ الذُّنُوبَ الْعِظَام)، المناقب، ابن شهر آشوب، ج٤، ص٨٦

  12. – جامع الأخبار (معارج اليقين في أصول الدين)، الشيخ محمد الشعيري السبزواري، ص ٢٧٦

  13. – المصدر السابق، ص ١١٣

  14. – المصدر السابق، ص ١٧٢

  15. – بحار الأنوار، العلامة المجلسي، ج ٦٤، ص ٢٤٤، عن رسول الله (ص)

  16. – طب الأئمة (ع)، عبد الله بن بسطام بن سابور الزيات، ص ١٦ عن رسول الله صلى الله عليه و آله، و في ثواب الأعمال وعقاب الأعمال، الشيخ الصدوق، ص ١٩٢، عن الإمام زين العابدين (ع)، و في علل الشرائع، الشيخ الصدوق، ج ١، ص ٢٨٧ عن الإمام الصادق (ع)

  17. – الدعوات (سلوة الحزين)، قطب الدين الراوندي، ص ٥٦

  18. – سورة هود، آية 114

  19. – روضة الواعظين، الفتال النيسابوري، ص ٣٢٢، جامع الأخبار (معارج اليقين في أصول الدين)، الشيخ محمد الشعيري السبزواري، ص ١٥٤

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *