Loading

السياسي الفاشل هو الذي يعمل للماضي وليس من حاضره شيء للمستقبل … بوصلة المواقف …

ليس كل من يملأ الشاشات حضوراً يصنع مستقبلاً، وليس كل من تتصدر صوره الصحف والمواقع يترك أثراً حقيقياً في حياة الناس. فهناك نوع من السياسيين يعيش أسيراً للماضي، ويجعل كل جهده منصباً على صناعة اسم شخصي يضاف إلى أرشيف الذكريات، بينما يكون مستقبله السياسي ومستقبل مشروعه وكيانه مجرد سراب يتبدد مع مرور الوقت.

السياسي الناجح يقاس بما يتركه للأجيال القادمة، أما السياسي الفاشل فيقاس بعدد الصور التي جمعها، والمقابلات التي أجراها، والخطابات التي ألقاها، واللافتات التي حملت اسمه. إنه ينظر إلى السياسة باعتبارها وسيلة لصناعة المجد الشخصي، لا وسيلة لصناعة المستقبل. كل ما يشغله أن يقال عنه إنه كان هنا، لا أن يبقى أثر ما فعله حياً بعد رحيله.

هذا السياسي يعيش حالة دائمة من النشوة والغرور. يفرح بالتصفيق أكثر من فرحه بالإنجاز، ويهتم بالكاميرا أكثر من اهتمامه بالمشروع، ويعدّ عدد المتابعين أكثر مما يعدّ عدد الفرص التي وفرها للناس. الحاضر بالنسبة له مسرح للاستعراض، والماضي متحف يعلق فيه صوره وشهاداته، أما المستقبل فليس ضمن حساباته أصلاً.

الأخطر من ذلك أنه يستغل الكيان السياسي الذي ينتمي إليه، ويستثمر جمهور ذلك الكيان لتحقيق مصالحه الخاصة. يتحول التنظيم إلى وسيلة لخدمة الشخص بدلاً من أن يكون الشخص خادماً للمشروع. وتصبح الجماهير وقوداً لطموحاته الفردية، بينما تتراجع الأهداف الكبرى التي من أجلها تأسس الكيان السياسي.

ومع مرور الزمن تتكشف الحقيقة. فالصور تبقى صوراً، والأخبار تصبح أرشيفاً، والمقابلات تذوب في زحام الأحداث. أما الإنجازات الحقيقية فهي وحدها التي تستمر. لذلك نجد أن بعض السياسيين يملكون آلاف الصور ولا يملكون مشروعاً واحداً باقياً، ويملكون مئات التصريحات ولا يملكون إنجازاً واحداً يتحدث عنهم.

السياسي الذي يعمل للماضي فقط يشبه من يبني تمثالاً لنفسه فوق أرض متصدعة. قد يبدو شامخاً لبعض الوقت، لكنه ينهار عند أول اختبار. أما السياسي الذي يعمل للمستقبل فإنه قد لا يحصد التصفيق السريع، لكنه يزرع ما سيؤتي ثماره بعد سنوات طويلة.

التاريخ لا يتذكر من جمع الألقاب، بل يتذكر من صنع التحولات. ولا يخلد من طلب التشريف بلا تكليف، بل من حمل التكليف ولو خسر كثيراً من مظاهر التشريف. فالسياسة ليست معرض صور، وليست سباقاً نحو الشهرة، وإنما مسؤولية تجاه المستقبل.

ولهذا فإن أكبر علامات الفشل السياسي أن يكون الماضي مليئاً بالأسماء والعناوين والصور، بينما يكون المستقبل خالياً من الرؤية والمشروع والإنجاز. عندها يتحول الكيان إلى ذكرى، ويتحول السياسي إلى قصة تبدأ بكلمة كان، وتنتهي بكلمة لم يعد.
https://clay-board.com/archives/240258

بقلم جليل هاشم البكاء

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *