![]()
أمريكا بين وعد إيران ووعيد العراق: رسائل مبطنة وتناقضات مكشوفة
إيران أوفت بالتزاماتها لكن أمريكا تعيش ارتباكاً استراتيجياً وتتنقل بين التهديد والوعود تحت الضغط الإسرائيلي
في مشهد يعكس التخبط الأمريكي حياد الملف النووي الإيراني، خرج الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بتصريحات متناقضة خلال ساعات، تحدث فيها عن قرب توقيع اتفاق مع إيران، ثم هدد بتدمير جيشها إذا لم يتم الاتفاق، وطالبها بـ”التصرف الجيد” دون أن يحدد معنى ذلك، وفي الوقت نفسه رفع أي تعهد مسبق برفع العقوبات أو تحرير الأصول المجمدة، وهو ما يناقض أبسط قواعد التفاوض القائمة على تبادل الالتزامات. هذه التصريحات التي تلت اتصالات ترامب برئيس وزراء الكيان الصهيوني بنيامين نتنياهو، تؤكد أن الرؤية الأمريكية تجاه إيران تصاغ في تل أبيب، وأن أي اتفاق محتمل سيظل مرهوناً بالشروط الإسرائيلية التي تهدف إلى إبقاء طهران في دائرة الضعف.
لكن الأكثر خطورة أن الولايات المتحدة لم تعد تقتصر على ممارسة الضغط المباشر على إيران، بل وسعت دائرة التهديد لتشمل العراق بشكل ممنهج وغير معلن، حيث ترسل واشنطن رسائل تهديد مبطن للعاصمة بغداد، يتم ترجمتها على الأرض عبر تعقيد ملف تشكيل الحكومة العراقية وإطالة أمد الأزمة السياسية، وتوجيه خيارات القوى السياسية بما يخدم الأجندة الصهيونية في المنطقة. فالمراقب للخطوات التي تتخذها الأطراف العراقية يلاحظ بوضوح أنها لا تعكس إرادة وطنية خالصة، بل تبدو وكأنها تطبيق حرفي للإيحاءات والتوصيات والتهديدات الأمريكية التي تهدف إلى إضعاف أي توجه حكومي يمكن أن يفهم منه موقف سيادي أو يدعم الحقوق المشروعة لإيران.
هذا الالتباس الاستراتيجي الأمريكي لا يقتصر على إيران فقط، بل يمتد ليشمل كامل المنطقة، فبينما تلتزم طهران باتفاق 2015 لعام كامل بعد الانسحاب الأمريكي غير القانوني، وتسمح بأقسى عمليات التفتيش الدولية، وتطالب فقط بحقها الطبيعي في رفع العقوبات وتطبيع التعاملات المالية، نجد أمريكا تواصل لعب دور المتناقضات، فهي تريد اتجاهاً دون أن تدفع ثمناً، وتهدد دون أن تفهم ما تريد، وتمارس الابتزاز السياسي على حلفائها في بغداد لتنفيذ أجندة لا تخدم العراق بل تخدم الكيان الصهيوني. وفي المحصلة، يبدو المشهد كاملاً بلا رؤية واضحة من واشنطن، التي يبدو أنها فقدت القدرة على التمييز بين مصالحها الحقيقية ومطالب حليفها الإسرائيلي، فيما يدفع العراق والمنطقة ثمناً باهظاً لهذا الارتباك الذي يتحول إلى سياسة ممنهجة للتخويف والضغط.
