اياد السماوياياد السماوي

Loading

عندما يسرق الفساد مستقبل الوطن ويصادر أحلام الأجيال !!!
أياد السماوي
حين يُذكر الفساد يتبادر إلى الأذهان المال المنهوب والصفقات المشبوهة والمشاريع المتلكئة ، والتحلل القيمي والأخلاقي للمجتمع ، لكن هذه ليست سوى بعض مظاهره ، أمّا الخسارة الحقيقية فتبدأ عندما يتحول الفساد إلى قوة خفية تسرق مستقبل الوطن بأكمله وتبدد أحلام أجياله القادمة جيلاً بعد جيل .. فالأموال المسروقة قد تُستعاد ، والمشاريع المتعثرة قد تُنجز يوماً ما ، لكن من سيعوّض الشعب العراقي عن السنوات الضائعة من التنمية والتقدم والبناء ؟ ومن يعيد لهذه الأمة التي أهدرت فرصها التاريخية بسبب سيطرة مجموعة من اللصوص على مقاليد الحكم فسرقوا أموال الشعب وصادروا حلم أجياله القادمة ؟ ..
إنً الطبقة السياسية التي تعاقبت على إدارة الدولة في العراق بعد سقوط نظام البعث المجرم ، تتحمل القسط الأكبر والمسؤولية الكاملة عن استفحال هذا الفساد المرعب .. فلو توفرّت لهذه الطبقة السياسيّة ، الإرادة الحقيقية لمكافحة الفساد لما بقي هذا الملف مفتوحاً بهذا الاتساع بعد هذه السنوات الطويلة من الوعود والتعهدات .. لقد اعتاد المواطن العراقي أن يسمع خطابات تتحدث عن الإصلاح ومحاربة الفساد ، لكنّه في المقابل لم يرَ نتائج تتناسب مع حجم الأموال المهدورة أو مع حجم المعاناة التي فرضها الفساد على حياته اليومية ، ولذلك فإن استعادة ثقة المواطن بوعود محاربة الفساد لن تتحقق بالشعارات ، بل بإجراءات عملية تثبت أن لا أحد فوق القانون مهما كان موقعه أو انتماؤه أو منزلته ..
إنّ الفساد لا يسرق الأموال العامة فحسب ، بل يسرق الأخلاق والقيم ويسرق الفرص أيضاً ، فعندما تُهدر الموازنات في مشاريع متعثرة أو عقود مشبوهة تفتقر إلى النزاهة ، تتراجع فرص بناء البنى التحتية التي يحتاجها المواطن ، وتتراجع معها كلّ فرصة للبناء والتقدّم والإعمار ، وعندما تُمنح المناصب والوظائف على أساس نظام المحاصصات بدلاً من الكفاءة ، يفقد المجتمع الثقة بأنّ الاجتهاد والعمل هما الطريق الطبيعي لتحقيق الطموحات والنجاح ..
وقد أثبتت تجارب الدول الناجحة أنّ مكافحة الفساد لا تتحقق بالشعارات والخطب ، بل ببناء مؤسسات قوية ، وقضاء مستقل ، وأجهزة رقابية فاعلة ، وإرادة سياسية نزيهة وجادة لا تتردد في محاسبة الفاسدين مهما كانت مواقعهم ، فالتنمية الحقيقية لا تقوم على وفرة الموارد وحدها ، بل على حسن إدارتها وحمايتها من الهدر والفساد ..
واليوم يقف العراق أمام خيار مصيري ، فإما أن تستمر دوامة الفساد في استنزاف مقدرات البلاد وتعطيل طاقات أبنائها ، وإما أن تنطلق عملية إصلاح حقيقية تعيد الاعتبار للنزاهة وسيادة القانون وتكافؤ الفرص ، وهذه المعركة ليست مسؤولية الحكومة وحدها ، بل هي مسؤولية وطنية مشتركة تتطلب مشاركة المجتمع بكل مؤسساته السياسية والدينية والاجتماعية والثقافية ..
ويبقى السؤال الأخطر الذي لا يمكن الهروب منه ، كم جيلاً آخر سيدفع ثمن هذا الفساد المرعب ؟ وكم فرصة أخرى يجب أن تضيع قبل أن يدرك الجميع أنّ معركة النزاهة ليست معركة قانون فحسب ، بل معركة وطن سرق الفساد فرصته بالتقدم والازدهار وبددّ حلم أجياله القادمة ؟ إن العراق لا يحتاج اليوم إلى المزيد من الوعود بقدر حاجته إلى أفعال تعيد الاعتبار للقانون وتحاصر الفساد أينما كان ، فحين تُصان الأموال العامة ، وتُحترم الكفاءة، ويُحاسب الفاسد مهما علا منصبه ، عندها فقط يستعيد الوطن مستقبله ، وتستعيد الأجيال القادمة حقها المشروع في الحلم بعراق يليق بتاريخ أبنائه وتضحياتهم وطموحاتهم ..
أياد السماوي
في ١٤ / ٦ / ٢٠٢٦

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *