اياد السماوياياد السماوي

Loading

شلع قلع.. 

أياد السماوي

لم يعد الفساد في العراق مجرد انحراف إداري أو تجاوز قانوني يمكن احتواؤه بإجراءات روتينية أو بحملات مؤقتة .. لقد تجاوز الفساد في العراق هذه المرحلة منذ سنوات ، حتى تحول إلى منظومة متكاملة استطاعت أن تتسلل إلى مفاصل الدولة ، وتبني لنفسها شبكات من الحماية والمصالح والنفوذ ، فأصبح وجودها هو الاستثناء الذي يريد أن يتحول إلى قاعدة ، بينما أصبحت النزاهة هي الاستثناء الذي يبحث عن مكان له ..

ولهذا فإنّ أي حديث عن الإصلاح يجب أن يبدأ من حقيقة لا تحتمل التأويل ، إنّ المشكلة ليست في أشخاص فاسدين فحسب ، وإنما في منظومة كاملة أنتجت الفساد وحمته ومكّنته من الاستمرار والتوسع .. ومن هنا، فإنّ المعركة الحقيقية لم تعد مع أفراد ، بل مع هذه المنظومة بكل ما تمثله من نفوذ وتشابكات ومراكز قوة ..

لقد أثبتت التجارب في العراق وفي غيره ، أنّ محاسبة بعض الفاسدين مهما كانت أهميتها ، لا تكفي لبناء دولة قوية إذا بقيت البيئة التي أنجبت الفساد كما هي .. فكل منظومة فاسدة تمتلك قدرة على إعادة إنتاج نفسها ، واستبدال الأشخاص بآخرين ، ما دامت القواعد التي قامت عليها لم تتغير ، وما دامت شبكات المصالح التي تحميها قائمة ..

لهذا فإنّ المرحلة التي ينتظرها العراقيون ليست مرحلة ملاحقة أسماء ، بل مرحلة اقتلاع جذور ، ليست مرحلة تغيير وجوه ، بل تغيير منظومة .. فالإصلاح الحقيقي لا يبدأ من قمة الهرم فقط ، وإنما من تفكيك البنية التي جعلت الفساد أسلوبًا في الإدارة ، وثقافة في العمل ، وطريقًا للوصول إلى السلطة والثروة ..

ومن هنا يكتسب شعار (شلع قلع) معناه الوطني الحقيقي .. فهو ليس دعوة للانتقام ، ولا تعبيرًا عن الغضب ، وإنما عنوان لمعركة الدولة ضد منظومة الفساد .. معركة هدفها إنهاء البنية التي جعلت المال العام مستباحًا ، والقرار الإداري خاضعًا للمصالح ، ومؤسسات الدولة رهينة لشبكات النفوذ ..

فلا إصلاح مع بقاء منظومة الفساد ..

هذه ليست عبارة إنشائية ، بل حقيقة أثبتتها كل التجارب .. فلا يمكن بناء مؤسسات نزيهة فوق قواعد فاسدة ، ولا يمكن استعادة ثقة المواطن بينما تستمر المنظومة نفسها في إدارة المشهد بوجوه مختلفة .. وكل إصلاح لا يصل إلى جذور المشكلة ، سيظل مجرد معالجة مؤقتة لأعراض مرض مزمن .. 

كما أنّ الدولة لا تستعيد هيبتها بمجرد إعلان الحرب على الفساد ، وإنما عندما تثبت بالفعل أنّ القانون أصبح أعلى من النفوذ ، وأن المال العام لم يعد مباحًا ، وأن الحماية السياسية لم تعد ملاذًا للفاسدين ، وأن الوظيفة العامة عادت أمانة وطنية وليست فرصة للإثراء غير المشروع ..

إنّ استعادة هيبة الدولة تبدأ يوم تشعر منظومة الفساد بأن زمن الحصانة قد انتهى ، وأن الدولة قررت أن تستعيد مؤسساتها وقرارها ومواردها ، وأن لا أحد مهما كان موقعه أو نفوذه ، يستطيع أن يقف فوق القانون ..

العراق اليوم لا يحتاج إلى معركة إعلامية ضد الفساد ، ولا إلى حملات موسمية سرعان ما تخبو ، إنه يحتاج إلى قرار تاريخي لا تراجع فيه ، عنوانه واضح وصريح ، اقتلاع منظومة الفساد من جذورها ، وتجفيف منابعها ، وتفكيك شبكاتها ، واستعادة الدولة من قبضة من جعلوا الفساد نظامًا للحكم والإدارة ..

هذه هي المعركة التي ستحدد مستقبل العراق .. فإذا انتصرت الدولة فيها ، انتصر القانون ، واستعادت المؤسسات هيبتها ، وعادت ثقة المواطن بوطنه .. أما إذا بقيت المواجهة عند حدود الأشخاص ، وتركت المنظومة قائمة ، فإنّ الفساد سيعود بأسماء جديدة ، وستبقى الدولة تدور في الحلقة ذاتها .. 

لقد آن الأوان لأن يكون شعار  (شلع قلع) سياسة دولة ، لا شعار شارع ، ومشروعًا وطنيًا لا يقتلع الأشخاص ، بل يقتلع المنظومة التي صنعت الفساد وحمته ، وأعاقت قيام الدولة .. فهذه ليست معركة حكومة ، ولا معركة سلطة ، بل معركة وطن يريد أن يستعيد دولته، ودولة تريد أن تستعيد نفسها .. 

أياد السماوي

١٦ / ٧ / ٢٠٢٦

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *