Loading

وفاءً لمربٍّ فاضل… سماحة الشيخ إبراهيم الغروي، رحل الجسد وبقي الأثر

بسم الله الرحمن الرحيم

﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ﴾
صدق الله العلي العظيم.

في هذا اليوم الأربعاء 9/9/2026 الموافق  26 ربيع الأول 1448 هجرية ودّعت الجالية الإسلامية في الدنمارك والسويد واحدًا من رجالاتها الأفاضل سماحة الشيخ المربي إبراهيم الغروي إمام جماعة حسينية الزهراء في مدينة فايلة، حيث أُقيمت مراسم تشييعه في مركز الإمام علي (ع) في كوبنهاغن  تمهيدًا لنقل جثمانه الطاهر إلى العراق ليوارى الثرى في النجف الأشرف بعد ان وافته المنية يوم الجمعة الماضي 4/9/2026 .

وما أصعب أن يكتب الإنسان عن رجلٍ لم يكن بالنسبة إليه مجرد اسمٍ أو شخصيةٍ التقاها عابرًا وإنما إنسان ترك في النفس أثرًا بقي حيًا رغم مرور السنوات.

أما أنا فلي مع سماحة الشيخ إبراهيم الغروي حكاية قصيرة في زمنها كبيرة في معناها  لا تزال عالقة في ذاكرتي حتى اليوم.

ففي مدينة فايلة، يوم الأحد 20/3/2016 الموافق 10 جمادى الآخرة 1437هـ  أقيم مجلس عزاء بمناسبة ذكرى وفاة السيدة الطاهرة فاطمة أم البنين (عليها السلام)  نظمته هيئة أم البنين (عليها السلام)  بالاشتراك مع عدد من المراكز والهيئات الإسلامية.

كنت يومها حاضرًا لأداء مهمتي الإعلامية وقد دُعيت من قبل هيئة أم البنين لتغطية المناسبة وإعداد تقرير إعلامي عنها  وقمت بالتصوير والتوثيق، ونُشر التقرير لاحقًا في شبكة الوحدة الإسلامية في السويد.

لمشاهدة التقرير اضغط هنا

وبينما كنت منشغلًا بالتغطية، ناداني سماحة الشيخ إبراهيم الغروي.

اقتربت منه فقال لي:

«أريد أطلب منك طلب.»

استغربت !  فقد كان ذلك اللقاء الأول بيننا، فأجبته بعفوية وبلهجتي العراقية:

«آني حاضر، تفضل.»

فقال لي ما لم أكن أتوقعه:

«أريدك تهدي لوالديّ دقيقتين من هذه الخدمة الحسينية، من هذه التغطية الإعلامية والتصوير الذي تقوم به.»

توقفت عند كلماته.

طلب مني دقيقتين فقط…

لكن ذلك الطلب بقي في قلبي، وكأنه كان أكبر من دقيقتين بكثير.

فقلت له في نفسي، ثم عبّرت له عن ذلك:

أنت طلبت مني دقيقتين، وأنا أهدي لوالديك يومًا كاملًا من هذه الخدمة، وليس دقيقتين.

ثم قلت له إنني في الحقيقة كنت بحاجة إلى دعائه، فهو خادم للمنبر الحسيني ونحن بحاجة إلى دعاء أمثاله وتضرعهم إلى الله.

فقال لي عبارة لم أنسها طوال هذه السنوات:

«أنا عملي ينحصر في هذه القاعة، وأنت عملك سيشاهده العالم.»

كلمات قليلة، لكنها كانت تحمل رؤية كبيرة لمعنى الخدمة.

ومنذ ذلك اليوم  بقيت هذه المحاورة محفوظة في ذاكرتي، بل وحرصت على أن أوثقها في صورة تجمعني بسماحته، حتى لا تكون مجرد ذكرى في القلب، وإنما شاهدًا على موقف إنساني لن أنساه.

لقد علّمني سماحة الشيخ إبراهيم الغروي، من حيث لا يشعر، أن قيمة الخدمة ليست بحجمها ولا بعدد دقائقها، وإنما بما تحمله من إخلاص ووفاء وصدق نية.

قال رسول الله (صلى الله عليه وآله):

«إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له.»

وإن من أجمل ما يتركه الإنسان بعد رحيله أثرًا طيبًا في قلوب الناس، وعلمًا، وخدمةً، وذكرىً حسنة.

واليوم، وأنا أرى جثمان سماحة الشيخ إبراهيم الغروي يُشيَّع من مركز الإمام علي (ع) في كوبنهاغن، متجهًا إلى أرض النجف الأشرف، أشعر أن تلك الكلمات التي قالها لي قبل أكثر من عشر سنوات عادت إلى ذاكرتي بقوة.

رحمك الله يا أبا إسحاق …

رحم الله المربي الفاضل، وخادم المنبر الحسيني، وإمام الجماعة، والرجل الذي ترك أثرًا طيبًا في مدينة فايلة وفي قلوب من عرفوه.

لقد كان عملك في تلك القاعة، كما قلت لي يومها، ولكن كلماتك وأخلاقك ومواقفك خرجت من تلك القاعة، وبقي أثرها في قلوب الناس.

وأنا اليوم لا أكتب عنك لأنني كنت أعرفك لسنوات، ولا لأن بيننا عشرات اللقاءات؛ بل أكتب لأن موقفًا واحدًا صادقًا كان كافيًا لأن يترك رجلٌ أثرًا لا تمحوه السنوات.

وفي يوم تشييعك، أفي بوعدٍ قطعته على نفسي منذ ذلك اللقاء…

لقد طلبت مني دقيقتين أهديهما لوالديك، واليوم أهدي ذكراك كاملةً لروح والديّ، وفاءً لك، ووفاءً لذلك الطلب الذي بقي محفوظًا في قلبي منذ عام 2016.

اللهم إن كان قد أحسن فزد في إحسانه، وإن كان قد أساء فتجاوز عن إساءته، وارفع درجته في المهديين، واخلفه في عقبه في الغابرين، واغفر لنا وله يا رب العالمين.

اللهم اجعل خدمته للمنبر الحسيني، وتربيته للأجيال، وما قدّمه من علم وإرشاد وخدمة للمؤمنين، ذخيرةً له يوم يلقاك.

اللهم احشره مع محمد وآل محمد، واجعل قبره روضةً من رياض الجنة، وارزقه شفاعة النبي وآله الأطهار (صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين).

إلى النجف الأشرف حيث مثواه الأخير…

نم قرير العين يا سماحة الشيخ إبراهيم الغروي، فقد رحل الجسد، ولكن الأثر الطيب لا يرحل.

إنا لله وإنا إليه راجعون.

الفاتحة لروحه الطاهرة وأرواح المؤمنين والمؤمنات.

عمران الياسري

السويد / 9/9/2026/

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *