د.عباس مزبان العيساوي

Loading

بعد الانسحاب.. معركة العراق الحقيقية لحفظ السيادة

مع كل حديث عن انسحاب القوات الأمريكية من العراق، وما تتفق عليه القوى الوطنية السياسية والفصائل المجاهدة في محادثاتها من ايجاد حلول لتنظيم وجود السلاح  ، يجد العراق نفسه أمام مفترق طرق تاريخي. فالمعادلة الأمنية والسياسية تتغير بوتيرة متسارعة، والرهان الأكبر لم يعد على وجود القوات الأجنبية أو غيابها، بل على قدرة الدولة العراقية على إثبات جدارتها في إدارة هذا الملف المصيري. إن تأمين الحدود، والسيطرة على التلال والصحاري، وتنشيط الجهد الاستخباري، لم تعد خيارات ترف أو أولويات مؤجلة، بل هي اليوم الشريان الرئيسي لبقاء الدولة وهيبتها.

منذ اللحظة الأولى التي يبدأ فيها الانسحاب الفعلي الكامل ، سيدخل العراق مرحلة جديدة من الاستحقاقات الأمنية. فالفراغ الذي قد يحدث — بأي شكل من الأشكال — لن يبقى فارغاً طويلاً. قوى الإرهاب والتطرف، أو أعداء العراق الذين يتربصون به، قد يعمدون إلى بذل جهود خبيثة من أجل إيجاد حوادث أمنية في بعض المناطق. الهدف من ذلك واضح ومكشوف: إظهار العراق بمظهر الضعيف الذي لا يستطيع حماية نفسه، وبالتالي يحتاج إلى حماية أجنبية دائمة. هذه لعبة خطيرة، إن لم نحسن  قراءتها، قد تعيدنا إلى المربع الأول وتضيع دماء الشهداء وتضحيات القوات الأمنية هدراً.

الحدود العراقية، بتضاريسها المعقدة وامتداداتها الصحراوية الواسعة، تمثل التحدي الأكبر. فمن الحدود الغربية مع سوريا، إلى الشريط الحدودي مع الأردن والسعودية، وصولاً إلى المناطق الجبلية في الشمال الشرقي، كل شبر من هذه الأرض يحتاج إلى عين ساهرة، وإلى جهد استخباري دقيق يسبق أي تحرك معادٍ. الحشد الشعبي، والجيش، والشرطة، والبيشمركة، وقوى الأمن الأخرى، هي اليوم في اختبار حقيقي لمدى قدرتها على التنسيق المشترك ورفع الجاهزية القتالية والاستخبارية إلى أعلى المستويات.

إن حصر الامن  بيد الدولة ليس مجرد قرار سياسي، بل هو ضرورة أمنية وجودية. فبدون احتكار الدولة للقوة وضبط الامن ، ستبقى هناك ثغرات يستغلها العدو، وستبقى بعض المناطق خارج سيطرة القانون، مما يسهل تحرك الجماعات المسلحة الارهابية  وتمرير الأسلحة والارهابيين . ومن هنا، فإن الجهد الاستخباري يجب أن يكون الجسر الذي يربط بين القرار السياسي والتنفيذ الميداني. فلا يمكن لدولة أن تحمي حدودها وتلالها وصحاريها من دون بنك معلومات دقيق، وتحليل استباقي للتهديدات، وتعاون وثيق بين الأجهزة الأمنية والاستخبارية.

الاستقرار الأمني الذي يشهده العراق اليوم، رغم كل التحديات، هو إنجاز يجب الحفاظ عليه. لكن هذا الاستقرار لن يستمر بالتمني، بل بالمضاعفة الفعلية للجهود. على القوات الأمنية أن تدرك أن المرحلة القادمة هي مرحلة الاعتماد على الذات. وعلى القوى السياسية أن تدرك أن الخلافات والتجاذبات يجب أن تتوقف عند حدود الأمن القومي. وعلى المواطن أن يكون العين التي لا تنام، والتعاون مع قواته الأمنية،

إن العراق الذي انتصر على الإرهاب، وقدم آلاف الشهداء، قادر على أن يحمي سيادته وحدوده. لكن هذا القدر يحتاج ان نحوله  إلى واقع، وهذا الواقع يبدأ من تأمين كل شبر في الصحراء، ومن كل نقطة حدودية، ومن كل معلومة استخبارية دقيقة. لقد حان وقت النضج السيادي الكامل، فلا حماية أجنبية تدوم، ولا سيادة تبنى إلا بسواعد أبنائها.

One thought on “بعد الانسحاب.. معركة العراق الحقيقية لحفظ السيادة”
  1. الانسحاب لا يكتمل أثره إلا بقدرة الدولة العراقية على تنظيم وجود السلاح وفرض قرار أمني موحّد. التحدي الحقيقي كما يوضح المقال هو تحويل استعادة السيادة من شعار سياسي إلى ممارسة مؤسسية تحفظ أمن العراق واستقراره.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *