محمد جواد الدمستانيمحمد جواد الدمستاني

Loading

الشكاية لله و أحبائه لا لأعدائه

«من شكا الحاجة إلى مؤمن فكأنّه شكاها إلى الله، و من شكاها إلى كافر فكأنّما شكا الله»

محمد جواد الدمستاني

في الترغيب الشكاية للمؤمن، و التنفير من الشكاية للكافر روي عن أمير المؤمنين عليه السلام في نهج البلاغة قوله (ع): «مَنْ شَكَا الْحَاجَةَ إِلَى مُؤْمِنٍ فَكَأَنَّهُ شَكَاهَا إِلَى اللَّهِ، وَ مَنْ شَكَاهَا إِلَى كَافِرٍ فَكَأَنَّمَا شَكَا اللَّهَ»[1].

و الحاجة تأتي بمعنى المسألة من فقر أو فاقة أو عَوَز أو عُسْر، و شكى الأمر أو العِلّة بمعنى ذكرهما أو توجع منهما، و شكى أمره إلى اللّه أظهره لله.

و الشكوى هي ما يشتكى منه من مرض أو توجّع من ألم أو غيره، قال تعالى في كتابه الكريم: «قَالَ إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ»[2]، في قول النبي يعقوب لأولاده في كثرة تذكر ابنه يوسف النبي عليهما السلام.

و المؤمن بإيمانه و قربه إلى الله تعالى و توجُهه إليه فإنّ الشكوى إليه و إخباره بحاجة أو فقر أو أمر صعب تشبه الشكوى إلى الله في توسيطه في قضائها و دعائه بقضائها فهو حبيب الله و الشكاية إليه شكاية في موضعها الصحيح و هو أمر محمود فالمؤمن خير معين بإيمانه و صدقه، و «مَنْ شَكَا الْحَاجَةَ إِلَى مُؤْمِنٍ فَكَأَنَّهُ شَكَاهَا إِلَى اللَّهِ».

و أما الكافر فهو عدوّ الله فالشكاية إليه تشبه شكاية الله إلى عدوّه و هو أمر مذموم «وَ مَنْ شَكَاهَا إِلَى كَافِرٍ فَكَأَنَّمَا شَكَا اللَّهَ».

و في علل الشرائع عن رسول الله (ص) في ابتهال المؤمن و دعائه و منزلته قال: «قَالَ اَللَّهُ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى: .. مَا يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ عَبْدِي بِمِثْلِ أَدَاءِ مَا اِفْتَرَضْتُ عَلَيْهِ، وَ لاَ يَزَالُ عَبْدِي يَبْتَهِلُ إِلَيَّ حَتَّى أُحِبَّهُ، وَ مَنْ أَحْبَبْتُهُ كُنْتُ لَهُ سَمْعاً وَ بَصَراً وَ يَداً وَ مَوْئِلاً، إِنْ دَعَانِي أَجَبْتُهُ وَ إِنْ سَأَلَنِي أَعْطَيْتُهُ»[3].

و في الكافي قريب من الرواية الأصل عن الإمام الصادق (ع) قال: «أَيُّمَا مُؤْمِنٍ شَكَا حَاجَتَهُ وَ ضُرَّهُ إِلَى كَافِرٍ أَوْ إِلَى مَنْ يُخَالِفُهُ عَلَى دِينِهِ فَكَأَنَّمَا شَكَا اَللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ إِلَى عَدُوٍّ مِنْ أَعْدَاءِ اَللَّهِ، وَ أَيُّمَا رَجُلٍ مُؤْمِنٍ شَكَا حَاجَتَهُ وَ ضُرَّهُ إِلَى مُؤْمِنٍ مِثْلِهِ كَانَتْ شَكْوَاهُ إِلَى اَللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ»[4].

و الرواية هذه بيان لرواية نهج البلاغة فالمؤمن حبيب الله و الكافر عدوّ الله، و الشكاية للمؤمن شكاية إلى حبيب الله يُتوسل به إلى الله سبحانه و تعالى، و الشكاية للكافر شكاية و إظهار حاله و سرّه إلى عدوّ الله.

فالمؤمن لا يشكو الله بل يشكو إلى الله في حاجته كما في الرواية عن أمير المؤمنين عليه السلام، قال: «وَ إِذَا ضَاقَ اَلْمُسْلِمُ فَلاَ يَشْكُوَنَّ رَبَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ، وَ لْيَشْتَكِ إِلَى رَبِّهِ اَلَّذِي بِيَدِهِ مَقَالِيدُ اَلْأُمُورِ وَ تَدْبِيرُهَا»[5].

و الحكمة تتضمن دعوة إلى التوكل على الله سبحانه و تعالى، و بيان آداب الشكوى و الشكاية و أنّ الله هو المعين الحقيقي و قاضي الحاجات و عدم الشكوى إلا إليه أو إلى أحبائه من المؤمنين الصالحين و هو لجوء إلى الله تعالى، و الحذر من الشكوى إلى أعداء الله فلا هم قادرون على حلها و لا هم معينون صاحبها بل شكواه إليهم معرضة له لشماتتهم و استخفافهم به و الشكوى إليهم كأنّها اعتراض على قضاء الله.

و تعني عامة في باب التكافل و التضامن و سؤال الحاجة أن يذهب الإنسان في حلها إلى أهلها ممن لهم قدرة في معاونة و مساعدة صاحبها و مع عدم استطاعة أحدهم في حلها فإنّه يخفف آلام صاحبها أو يسمعه حسن الكلام في الاعتذار عن حلها، دون ما ليس عنده قدرة أو يستغل سؤال الحاجة في الشماتة أو بث اليأس و التحقير.

و المؤمن أقرب الخيارات للمؤمن في شكواه الحاجة فهو الذي يُرجى منه الخير و التعاطف و التضامن مع صفات النبل من النخوة و الشهامة و المروءة و الكرامة، و أما الكافر الذي لا يؤمن بالله فليس به تلك الصفات التي تدعوه إلى فعل الخير و إيجاد الحلول و التضامن.

و ترشد الحكمة إلى موقع الدعم المعنوي و المادي الحقيقي للمؤمن و هو أخوه المؤمن و هو من يتفق معه على مبادئه و عقائده لمساعدته أو التخفيف من آلامه و أوجاعه، و السعي في حل مشاكله، و هي تأكيد و تطبيق لما روي عن النبي (ص) في أنّ المؤمنين كالجسد الواحد و أنّ اشتكاء أحدهم يؤثر على بقية الجسد الواحد، قال (ص) «مَثَلُ المُؤمِنينَ في تَوادِّهِمْ وَتَعاطُفِهِمْ وَتَراحُمِهِمْ مَثَلُ الجَسدِ، إذا اشتكى‏ مِنهُ عُضوٌ تَداعى‏ سائرُ الجَسَدِ بالسَّهَرِ والحُمّى»[6].

و الحكمة تتضمن حث على التكافل و التضامن بين المؤمنين و التعاون فيما بينهم، و إشارة إلى حالة الألفة و المحبة بينهم، و في رواياتهم عليهم السلام عدد كبير في فضل خدمة المؤمنين، و منها:

روي عن النبي (ص) «مَنْ كَانَ فِي حَاجَةِ أَخِيهِ كَانَ اَللَّهُ فِي حَاجَتِهِ، وَ مَنْ فَرَّجَ عَنْ مُسْلِمٍ كُرْبَةً فَرَّجَ اَللَّهُ عَنْهُ بِهَا كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ اَلْقِيَامَةِ، وَ مَنْ سَرَّ مُسْلِماً سَرَّهُ اَللَّهُ يَوْمَ اَلْقِيَامَةِ»[7].

و عن الإمام الصادق في حديث قدسي «قَالَ اَللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ اَلْخَلْقُ عِيَالِي، فَأَحَبُّهُمْ إِلَيَّ أَلْطَفُهُمْ بِهِمْ، وَ أَسْعَاهُمْ فِي حَوَائِجِهِمْ»[8].

فالشكاية تكون إلى الله و المؤمن هو حبيب الله، و في نهج البلاغة:

«اللَّهُمَّ إِنَّا نَشْكُو إِلَيْكَ غَيْبَةَ نَبِيِّنَا وَ كَثْرَةَ عَدُوِّنَا وَ تَشَتُّتَ أَهْوَائِنَا»[9].

و في خطبة الاستسقاء قال (ع): «اللَّهُمَّ إِنَّا خَرَجْنَا إِلَيْكَ نَشْكُو إِلَيْكَ مَا لَا يَخْفَى عَلَيْكَ»[10].

و في عدم الشكاية قال (ع):

«وَمَنْ أَصْبَحَ يَشْكُو مُصِيبَةً نَزَلَتْ بِهِ فَقَدْ أَصْبَحَ يَشْكُو رَبَّهُ»[11].

و في عدم شكاية المؤمن الكامل من المرض إلا بعد الشفاء قال أمير المؤمنين (ع): «كَانَ لِي فِيمَا مَضَى أَخٌ فِي اللَّهِ،..، وَ كَانَ لَا يَشْكُو وَجَعاً إِلَّا عِنْدَ بُرْئِهِ»[12].

فالشكوى تكون للمؤمن الذي يُؤمل منه التعاون و الخير و لا تكون للكافر الذي هو موطن للشر و الفساد.

  1. – نهج البلاغة – حكمة 427

  2. – سورة يوسف، آية 86

  3. – علل الشرایع، الشيخ الصدوق، ج1، ص12

  4. – الکافي، الكليني، ج8، ص144

  5. – الخصال، الشيخ الصدوق، ج2، ص610، تحف العقول عن آل الرسول ( ص )، ابن شعبة الحراني، ص ١١٤ (إذا ضاق المسلم فلا يشكون ربه ولكن يشكو إليه ، فإن بيده مقاليد الأمور وتدبيرها في السماوات والأرضين وما فيهن وهو رب العرش العظيم)، عيون الحكم والمواعظ، علي بن محمد الليثي الواسطي، ص ١٣٨

  6. – مسند الإمام أحمد بن حنبل، الإمام أحمد بن حنبل، ج ٤، ص ٢٧٠ ، و في رواية في نفس المصدر و الصفحة من مسند أحمد (إذا اشتكى منه شئ تداعى)، صحيح مسلم، مسلم النيسابوري، ج ٨، ص ٢٠، كنز العمال، المتقي الهندي، ج ١، ص ١٤٩

  7. – مستدرك الوسائل، ميرزا حسين النوري الطبرسي، ج ١٢، ص ٤١٥

  8. – الكافي، الشيخ الكليني، ج ٢، ص ١٩٩

  9. – نهج البلاغة، كتاب 15

  10. – نهج البلاغة، خطبة 143

  11. – نهج البلاغة، حكمة 228

  12. – نهج البلاغة، حكمة 289

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *