![]()
الله يذلّ الجبابرةI و المستكبرين، فإياك و مساماة الله في عظمته
«إياك و مساماة الله فى عظمته، و التشبّه به فى جبروته، فإنّ الله يذل كل جبّار و يهين كل مختال»
محمد جواد الدمستاني
إنّ الله لا يقبل أن يساميه أحد في عظمته أو يتشبه به في جبروته، و من أراد فعل ذلك أذلّه الله، و في التاريخ و الواقع شواهد أولئك الطغاة المتساقطين بسبب غرورهم و تجبّرهم، لم ينفعهم ملك و لا قوة يرونها كبيرة فأخذهم الله أخذ عزيز مقتدر و أهلكهم، رُوي عن أمير المؤمنين عليه السلام «إِيَّاكَ وَ مُسَامَاةَ اللَّهِ فِي عَظَمَتِهِ، وَ التَّشَبُّهَ بِهِ فِي جَبَرُوتِهِ، فَإِنَّ اللَّهَ يُذِلُّ كُلَّ جَبَّارٍ وَ يُهِينُ كُلَّ مُخْتَالٍ»[1]، تحذير من أمير المؤمنين في مساماة -من السموّ و العلو- و مباراة الله في عظمته، و ألا يرفع الإنسان نفسه تكبّرا و غرورا حتى كأنّه ينازع الله صفات العظمة، فمهما عظم الإنسان فهو بحدّه بسيط و ضعيف القدرة، و التحذير من التشبّه بالله في جبروته و كبريائه بأن يكون الإنسان جبّارا و هي صفة لله و ليست لأحد سواه، روي عن الإمام الصادق (ع) «الكِبْرُ رِدَاءُ اللَّه و الْمُتَكَبِّرُ يُنَازِعُ اللَّه رِدَاءَه»[2]، و إنّ الله سبحانه يُذلّ الجبابرة و يُهين المتكبرين فتكون عاقبتهما الانكسار و الهوان.
فالحكمة تدعو إلى معرفة الإنسان نفسه و حجمه و إلى التواضع، و التأكيد على تفرد الله في العظمة و الجبروت، رُوي عن أمير المؤمنين (ع) في بداية الخطبة القاصعة قوله (ع): «الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَبِسَ الْعِزَّ وَ الْكِبْرِيَاءَ وَ اخْتَارَهُمَا لِنَفْسِهِ دُونَ خَلْقِهِ، وَ جَعَلَهُمَا حِمًى وَ حَرَماً عَلَى غَيْرِهِ، وَ اصْطَفَاهُمَا لِجَلَالِهِ»[3].
و ليس بالضرورة أن يصرّح الإنسان بتلك المساماة و الجبروت كما فعل فرعون و نصب نفسه إلها، «فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَىٰ»[4]، فإنّ الغالب لا يصرّحون و إنّما أعمالهم تنطق بذلك مع حقيقة ضعفهم و وهنهم، فلا ينبغي للإنسان صراحة أو تلبسّا أن يغتر و يتوهم أنه عظيم أو يعدّ نفسه ذا كبرياء فيُسامي الله في عظمته، فإن فعل ذلك أذلّه الله.
و هذه المساماة و التشبّه جهل مطبق، فإنّ الإنسان يرى و يسمع و يشعر، و قد وُلد ضعيفا لا حول له و لا قوة ثم يصير أمره إلى الشيخوخة العاجزة، و ما بين الولادة و الوفاة ضعف و وهن، يفضحه بطنه و فرجه، و يغلبه مرضه و يقهره موته، فلا مجال للتعظّم و التكبّر، بل إنّ معرفة الإنسان لنفسه و حجمه الحقيقي و تواضعه خير له و لمن حوله و لعموم النّاس، و لذا فإن التكبّر هو أحد موارد التعجّب، قال (ع): «وَ عَجِبْتُ لِلْمُتَكَبِّرِ الَّذِي كَانَ بِالْأَمْسِ نُطْفَةً وَ يَكُونُ غَداً جِيفَةً»[5].
إنّ الله لا يحب صفات الغطرسة و التعجرف و التكبّر و التجبّر من عبده و هو مخلوق ضعيف، و «إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ»[6]، و إنّه جلّ جلاله يُذل المتجبرين و يُهين المتكبرين كما في الحكمة الأصل «فَإِنَّ اللَّهَ يُذِلُّ كُلَّ جَبَّارٍ وَ يُهِينُ كُلَّ مُخْتَالٍ»[7]، فلا يلبثون إلا قليلا حتى يأخذهم الله و ليس فرعون إلا أحدهم و قد أذلّه الله و أغرقه و جعله آية للناس طول الدهر، «فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً وَإِنَّ كَثِيرًا مِّنَ النَّاسِ عَنْ آيَاتِنَا لَغَافِلُونَ»[8].
و تكرّر منه عليه السلام هذا المعنى في سوء عاقبة الجبابرة، فعنه (ع): «مَن تَجَبّرَ كُسِرَ»[9]، «مَن تَجَبّرَ حَقّرَهُ اللَّهُ و وَضَعَهُ»[10]، «إيّاكَ والتَّجَبُّرَ على عبادِ اللَّه، فإنَّ كلَّ مُتَجَبّرٍ يَقْصِمُهُ اللَّهُ»[11]، فمتى ما رأيت متجبّرا متغطرسا فردا أو دولة فاعلم بأنّ هلاكه قريب لا ريب فيه.
صفات الغرور و التكبّر تصدر من مواقع الرئاسة و المسؤولية ممن يغترون بقوتهم و سيطرتهم على جيش و سلطة و حكومة فيتضخم فيهم الوهم و تكبر فيهم الغطرسة، فالحكمة و إن كانت عامة و لكنها موجهة للحكام و أصحاب الرئاسات لمكانتهم التي يشعرون معها بقوة و تعاظم، و هذه الحكمة من عهد أمير المؤمنين عليه السلام للقائد الشجاع مالك الأشتر النخعي و هو العهد العظيم في فن إدارة الدولة، و قد سبق هذه الحكمة قوله عليه السلام «وَ إِذَا أَحْدَثَ لَكَ مَا أَنْتَ فِيهِ مِنْ سُلْطَانِكَ أُبَّهَةً أَوْ مَخِيلَةً، فَانْظُرْ إِلَى عِظَمِ مُلْكِ اللَّهِ فَوْقَكَ وَ قُدْرَتِهِ مِنْكَ عَلَى مَا لَا تَقْدِرُ عَلَيْهِ مِنْ نَفْسِكَ، فَإِنَّ ذَلِكَ يُطَامِنُ إِلَيْكَ مِنْ طِمَاحِكَ، وَ يَكُفُّ عَنْكَ مِنْ غَرْبِكَ، وَ يَفِيءُ إِلَيْكَ بِمَا عَزَبَ عَنْكَ مِنْ عَقْلِكَ، إِيَّاكَ وَ مُسَامَاةَ اللَّهِ..»[12]، فمتى ما حدّثتك نفسك في رفعة و تعاظم و تجبّر فلا تنجر وراءها، و كن حذرا و انظر إلى عظمة الله، لترى حقيقة نفسك من الضعف فترجع لرشدك، فإنّ الإنسان بين لحظة و أخرى يضعف تماما أو يموت، و كأنّه لم يكن.
و في ذات الإنسان علائم تنكر عليه تعاظمه و تجبّره و هي حاجاته و افتقاره، فإنّه يجوع و يفتقر إلى الطعام، و تصعد غرائزه فيحتاج إلى تسكينها، و يقضي حوائجه، إلى غيرها من عناصر الافتقار المعرفي و العقلي و النفسي و كلها دلائل على ضعفه و حجمه الحقيقي الذي يمنعه من ادّعاء العظمة و الجبروت.
و من التطبيقات لهذه الحكمة ما عليه كثير من الحكام الجهلة و المغرورين من وضع أنفسهم في مقام لا يليق إلا لله كفرعون، أو من تسميات كــ «صاحب الجلالة»، و «صاحب العظمة و السموّ»، «شاهنشاه» أي ملك الملوك، و غيرها، و من وضع النياشين و الأوسمة الكثيرة على الصدور في البدلات العسكرية دون استحقاق أو جدارة فإنها مظهر آخر للجهل و غياب الوعي بالذات و عدم المعرفة الحقيقية للإنسان بنفسه، و من الطلب من الشعوب و القنوات الإعلامية ترديد الألقاب التمجيدية للحاكم و أنّه الزعيم الأوحد من دون أهلية و كفاءة، أو من رؤية الإنسان نفسه فوق الناس و التعامل معهم من موقع الرفعة و العلو، أو أن يحسب نفسه فوق المحاسبة و السؤال، و أساس ذلك كله هو الجهل المعشعش في العقول الذي يمنع من رؤية الواقع و الحقائق كما هي، ثم إنّ هؤلاء الحكام لا يلبثون إلا قليلا حتى يؤخذوا بغرورهم و غطرستهم أذلّة صاغرين فأين العمالقة و الفراعنة و أعتى الطغاة على مر التاريخ، ذهبوا و بقي الحساب، و أما أولياء الله و حججه على عباده فإنّ التواضع سِمتُهم، يأمرون الناس بالتعامل معهم كعبيد لله لا كجبابرة و قد قال عليه السلام في خطبة في صفين و هو قائد الجيش العظيم: «فَلَا تُكَلِّمُونِي بِمَا تُكَلَّمُ بِهِ الْجَبَابِرَةُ، وَ لَا تَتَحَفَّظُوا مِنِّي بِمَا يُتَحَفَّظُ بِهِ عِنْدَ أَهْلِ الْبَادِرَةِ، وَ لَا تُخَالِطُونِي بِالْمُصَانَعَةِ»[13].
فالله وحده أهل الكبرياء و العظمة، و أما الخلق فليس لهم تلك الصفات المختصة بالله، فمن تجبّر و تكبّر منهم ذُلّ، قال (ع): «ذَلَّ مَنْ تَجَبَّرَ غَيْرَه، و صَغُرَ مَنْ تَكَبَّرَ دُونَه، و تَوَاضَعَتِ الأَشْيَاءُ لِعَظَمَتِه، و انْقَادَتْ لِسُلْطَانِه و عِزَّتِه»[14].
و في الرواية عن الإمام الصادق (ع): «الْكِبْر ُقَدْ يَكُونُ فِي شِرَارِ النَّاسِ مِنْ كُلِّ جِنْسٍ، و الْكِبْرُ رِدَاءُ اللَّه فَمَنْ نَازَعَ اللَّه عَزَّ وجَلَّ رِدَاءَه لَمْ يَزِدْه اللَّه إِلَّا سَفَالاً»[15]، و عنه (ع) قال: «الْكِبْرُ رِدَاءُ اللَّه فَمَنْ نَازَعَ اللَّه شَيْئاً مِنْ ذَلِكَ أَكَبَّه اللَّه فِي النَّار»[16].
و في ثواب الأعمال عن الإمام الصادق (ع) «إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ أَوْحَى إِلَى نَبِيٍّ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ فِي مَمْلَكَةِ جَبَّارٍ مِنَ الْجَبَابِرَةِ أَنِ ائْتِ هَذَا الْجَبَّارَ فَقُلْ لَهُ: إِنِّي لَمْ أَسْتَعْمِلْكَ عَلَى سَفْكِ الدِّمَاء، وَ اتِّخَاذِ الْأَمْوَالِ، وَ إِنَّمَا أَسْتَعْمِلُكَ لِتَكُفَّ عَنِّي أَصْوَاتَ الْمَظْلُومِينَ، فَإِنِّي لَنْ أَدَعَ ظُلَامَتَهُمْ وَ إِنْ كَانُوا كُفَّاراً»[17].
و في علل الشرائع في علة الغائط و نتنه رُوي عن الإمام الباقر (ع) و قد سُئل فقال عليه السلام: «تَصغيرًا لابنِ آدَمَ، لكيلا يتَكَبّرَ و هو يَحمِلُ غائِطَه معه»[18].
نحن في أواخر شهر رمضان المبارك و من مستحبات لياليه قراءة دعاء الافتتاح، و فيه «الحَمدُ للهِ قاصِمِ الجَبَّارينَ، مُبيرِ الظَّالِمينَ، مُدرِكِ الهارِبينَ، نَكالِ الظَّالِمينَ».
-
– نهج البلاغة، كتاب 53 ↑
-
– الكافي، الشيخ الكليني، ج ٢، ص ٣٠٩ ↑
-
– نهج البلاغة، خطبة 192 ↑
-
– سورة النازعات، آية 24 ↑
-
– نهج البلاغة، حكمة 126 ↑
-
– سورة لقمان، آية 18 ↑
-
– نهج البلاغة، كتاب 53 ↑
-
– سورة يونس، آية 92 ↑
-
– غرر الحكم ودرر الكلم، عبد الواحد الآمدى التميمي، ص ٥٧٦ ↑
-
– المصدر السابق، ص 617 ↑
-
– المصدر السابق، ص 170 ↑
-
– نهج البلاغة، كتاب 53 ↑
-
– نهج البلاغة، خطبة 216 (فَلَا تُكَلِّمُونِي بِمَا تُكَلَّمُ بِهِ الْجَبَابِرَةُ، وَ لَا تَتَحَفَّظُوا مِنِّي بِمَا يُتَحَفَّظُ بِهِ عِنْدَ أَهْلِ الْبَادِرَةِ، وَ لَا تُخَالِطُونِي بِالْمُصَانَعَةِ وَ لَا تَظُنُّوا بِي اسْتِثْقَالًا فِي حَقٍّ قِيلَ لِي وَ لَا الْتِمَاسَ إِعْظَامٍ لِنَفْسِي فَإِنَّهُ مَنِ اسْتَثْقَلَ الْحَقَّ أَنْ يُقَالَ لَهُ أَوِ الْعَدْلَ أَنْ يُعْرَضَ عَلَيْهِ كَانَ الْعَمَلُ بِهِمَا أَثْقَلَ عَلَيْهِ) ↑
-
– الكافي، الشيخ الكليني، ج ١، ص ١٤٢ ، أمير المؤمنين (ع): (الْحَمْدُ لِلَّه اللَّابِسِ الْكِبْرِيَاءِ بِلَا تَجْسِيدٍ، و الْمُرْتَدِي بِالْجَلَالِ بِلَا تَمْثِيلٍ، و الْمُسْتَوِي عَلَى الْعَرْشِ بِغَيْرِ زَوَالٍ، و الْمُتَعَالِي عَلَى الْخَلْقِ بِلَا تَبَاعُدٍ مِنْهُمْ، و لَا مُلَامَسَةٍ مِنْه لَهُمْ، لَيْسَ لَه حَدٌّ يُنْتَهَى إِلَى حَدِّه، و لَا لَه مِثْلٌ فَيُعْرَفَ بِمِثْلِه، ذَلَّ مَنْ تَجَبَّرَ غَيْرَه، و صَغُرَ مَنْ تَكَبَّرَ دُونَه، و تَوَاضَعَتِ الأَشْيَاءُ لِعَظَمَتِه وانْقَادَتْ لِسُلْطَانِه و عِزَّتِه). ↑
-
– الكافي، الشيخ الكليني، ج ٢، ص ٣٠٩ ↑
-
– المصدر السابق، ص 310 ↑
-
– ثواب الأعمال وعقاب الأعمال، الشيخ الصدوق، ص ٢٧٢ ↑
-
– علل الشرائع، الشيخ الصدوق، ج ١، ص ٢٧٥ ↑
