محمد جواد الدمستانيمحمد جواد الدمستاني

Loading

المهدي المنتظر (عج)

«بقية من بقايا حجته، خليفة من خلائف أنبيائه»

محمد جواد الدمستاني

رُوي عن أمير المؤمنين عليه السلام في نهج البلاغة «قَدْ لَبِسَ لِلْحِكْمَةِ جُنَّتَهَا، وَ أَخَذَهَا بِجَمِيعِ أَدَبِهَا مِنَ الْإِقْبَالِ عَلَيْهَا وَ الْمَعْرِفَةِ بِهَا وَ التَّفَرُّغِ لَهَا، فَهِيَ عِنْدَ نَفْسِهِ ضَالَّتُهُ الَّتِي يَطْلُبُهَا، وَ حَاجَتُهُ الَّتِي يَسْأَلُ عَنْهَا، فَهُوَ مُغْتَرِبٌ إِذَا اغْتَرَبَ الْإِسْلَامُ، وَ ضَرَبَ بِعَسِيبِ ذَنَبِهِ وَ أَلْصَقَ الْأَرْضَ بِجِرَانِهِ، بَقِيَّةٌ مِنْ بَقَايَا حُجَّتِهِ خَلِيفَةٌ مِنْ خَلَائِفِ أَنْبِيَائِهِ»[1].

و هي من خطبة طويلة قالها عليه السلام في الكوفة، و الكلام في هذا المقطع إشارة إلى الإمام المهدي (عج) كما هو نص الخطبة كاملة و محتواها و سياقها، و ليس إلى العارف مطلقا، و لا إلى ولي الله في الأرض عامة و أحد الأبدال، و لا إلى جماعة من المؤمنين العلماء كما احتملوا في شروح نهج البلاغة و لهم العذر في ذلك مع الاقتصار على ما اختاره الشريف الرضي في نهج البلاغة، أما بعد الاطّلاع على الخطبة الأصل يُعلم أنّه يريد ابنه الإمام المهدي (عج)، و قد وضع الرضي أجزاء منها مفرقة في نهج البلاغة في عدة مواضع، و أوردها كتاب تمام نهج البلاغة، و قال فيها أمير المؤمنين (ع):

«ثُمَّ يُفَرِّجُهَا اللّهُ – تَعَالى – عَنْكُمْ كَتَفْريجِ الأَديمِ مِنْ بيتهِ، بِرَجُلٍ مِنّا أَهْلَ الْبَيْتِ»[2].

و قال فيها (ع): «أَلَا إِنَّ مِنّا قَائِماً عَفيفَةٌ أحْسَابُهُ، سَادَةٌ أصحَابُه، يُنَادى عِنْدَ اصْطِلَامِ أَعْدَاءِ اللّهِ باِسمهِ وَ اسْمِ أبَيهِ في شَهْرِ رَمَضَانَ ثَلَاثاً، بَعْدَ هَرْجٍ وَ قِتَالٍ، وَ ضَنْكٍ وَ خَبَالٍ، و َقِيَامٍ مِنَ الْبَلَاءِ عَلى سَاقٍ»[3].

و قال (ع) فيها: «فَيَا ابْنَ حُرَّةَ الإِمَاءِ، مَتى نَنْتَظِرُ الْبَشيرَ بِنَصْرٍ قَريبٍ، مِنْ رَبِّ رَحيمٍ»[4].

و قال (ع): «بِأَبِي ابْنُ حُرَّةِ الإِمَاءِ، يَسُومُهُمْ خَسْفاً، وَ يَسُوقُهُمْ عُنْقاً، وَ يَسْقيهِمْ بِكَأْسٍ مُصَبَّرَةٍ»[5].

و قال (ع): «يَضَعُ السَّيْفَ عَلى عَاتِقِه ثَمَانِيَةَ أَشْهُرٍ فَيَقْتُلُهُمْ هَرْجاً هَرْجاً، حَتّى يَرْضَى اللّهُ، وَ حَتّى تَقُولَ قُرَيْشٌ: وَاللّهِ مَا هذَا مِنْ قُرَيْشٍ، لَوْ كَانَ هذَا مِنْ قُرَيْشٍ وَ مِنْ وُلْدِ فَاطِمَةَ لَرَحِمَنَا»[6].

و غيرها من العبارات التي يريد بها (عليه السلام) ابنه المهدي المنتظر (عجّل الله تعالى فرجه الشريف).

و وصفه عليه السلام بصفات الكمال و قد لبس و تدرّع للحكمة « لَبِسَ لِلْحِكْمَةِ جُنَّتَهَا»، بكل ما يلزم من العلم و العمل و العبادة، و ذُكر في الحكمة عدة تعريفات و قيل أنها العلم بحقائق الأشياء، و رأسها التقوى كما في حديث رسول الله (ص): «رأس الحكمة مخافة الله عز وجل»[7]، و هي من الله يؤتيها من يشاء من عباده، «يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَن يَشَاءُ»[8]، و قد أعطاها للقمان فأصبح حكيما قال تعالى: «وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ»[9]، و روى القمي في تفسيره و قد سُئل الإمام الصادق (ع) عن لقمان فقال: «أما والله ما أوتي لقمان الحكمة بحسب و لا مال و لا أهل و لا بسط في جسم و لا جمال، و لكنه كان رجلا قويا في أمر الله، متورعا في الله، ساكتا، سكينا، عميق النظر، طويل الفكر، حديد النظر، مستعبرا بالعبر، لم ينم نهارا قط، ..»[10]، و هي رواية عظيمة.

و الجُنّة هي ما يقي الناس من سلاح و غيره، و المراد تهيّؤه بجميع المقدمات لأداء المهمة الإلهية لإنقاذ البشرية و تغيير كل الأوضاع السياسية و الاجتماعية و الاقتصادية و العلمية و الفكرية و الأمنية و إرساء العدل و محو الظلم من هذا الكوكب، و روى الكليني في الكافي عن الإمام الباقر (ع) قوله: «إِذَا قَامَ قَائِمُنَا وَضَعَ اللَّه يَدَه عَلَى رُؤُوسِ الْعِبَادِ فَجَمَعَ بِهَا عُقُولَهُمْ و كَملَتْ بِه أَحْلَامُهُمْ»[11]، فكما يتهيأ المقاتل في الحرب بلبس الدرع يتهيأ الإمام المهدي (عج) بلبس الحكمة، و «أَخَذَهَا بِجَمِيعِ أَدَبِهَا» مما يلزم من الإقبال و التوجه عليها و المعرفة بها تماما، و التفرغ و الانقطاع لها، فهي ضالته و مطلوبه، فـ «الْحِكْمَةُ ضَالَّةُ الْمُؤْمِنِ»[12].

«فَهُوَ مُغْتَرِبٌ» و مختفٍ «إِذَا اغْتَرَبَ الْإِسْلَامُ»، و غرب عنه أهله، و تباعدوا عن أحكامه و مبادئه و تركوا تعاليمه، إشارة إلى اختفائه (عج) و في حديث أمير المؤمنين عليه السلام إلى كميل بن زياد النخعي قال: «اللَّهُمَّ بَلَى لَا تَخْلُو الْأَرْضُ مِنْ قَائِمٍ لِلَّهِ بِحُجَّةٍ، إِمَّا ظَاهِراً مَشْهُوراً وَ إِمَّا خَائِفاً مَغْمُوراً، لِئَلَّا تَبْطُلَ حُجَجُ اللَّهِ»[13]، و سيظهر (ع) و يعود الإسلام بقوته و عزّته كما بدأ أول مرة فقد رُوي عن أبي بصير، قال: «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): أخبرني عن قول أمير المؤمنين (عليه السلام): إن الإسلام بدأ غريبا، و سيعود كما بدأ، فطوبى للغرباء، فقال: يا أبا محمد، إذا قام القائم (عليه السلام) استأنف دعاء جديدا كما دعا رسول الله (صلى الله عليه و آله)»[14].

و شبّه الإسلام في فترة ابتعاد المسلمين عنه بالجمل حينما يبرك على الأرض «ضَرَبَ بِعَسِيبِ ذَنَبِهِ وَ أَلْصَقَ الْأَرْضَ بِجِرَانِهِ» كناية عن سكونه و هدوئه في زمن الضعف.

الإمام المهدي عجّل الله تعالى فرجه الشريف «بَقِيَّةٌ مِنْ بَقَايَا حُجَّتِهِ، خَلِيفَةٌ مِنْ خَلَائِفِ أَنْبِيَائِهِ»، حجة يحتج الله بها على عباده، و خليفة لله في أرضه، فالأئمة الاثنا عشر (ع) و آخرهم المهدي (عج) حجج الله و أمناؤه في بلاده، و قد روى المسلمون حديث الأئمة الاثني عشر عليهم السلام، و رووا بنصوص متقاربة و معنى واحد و هو ظهور الإمام المهدي (ع) حديث «لو لم يبق من الدنيا» فعن رسول الله (ص): «لو لم يبق من الدنيا إلا يوم واحد لطول الله ذلك اليوم حتى يبعث الله رجلا من أهل بيتي يملأها عدلا كما ملئت جورا»[15].

  1. – نهج البلاغة، خطبة 182

    و في تمام نهج البلاغة، السيد صادق الموسوي، ص 296 (ثُمَّ يُفَرِّجُهَا اللّهُ – تَعَالى – عَنْكُمْ كَتَفْريجِ الأَديمِ مِنْ بيتهِ، بِرَجُلٍ مِنّا أَهْلَ الْبَيْتِ، يَعْطِفُ الْهَوى عَلَى الْهُدى إِذَا عَطَفُوا الْهُدى عَلَى الْهَوى، وَيَعْطِفُ الرَّأْيَ عَلَى الْقُرْآنِ إِذَا عَطَفُوا الْقُرْآنَ عَلَى الرَّأْيِ.

    قَدْ لَبِسَ لِلْحِكْمَةِ جُنَّتَهَا، وَأَخَذَهَا بِجَميعِ أَدَبِهَا، مِنَ الِاقْبَالِ عَلَيْهَا، وَالْمَعْرِفَةِ بِهَا، وَالتَّفَرُّغِ لَهَا، فَهِيَ عِنْدَ نفسهِ ضالَّتهُ الَّتي يَطْلُبُهَا، وَحاجتهُ الَّتي يَسْأَلُ عَنْهَا، فَهُوَ مُغْتَرِبٌ إِذَا اغْتَرَبَ الإِسْلَامُ ، وَضَرَبَ بِعَسيبِ ذنبهِ ، وَأَلْصَقَ الأَرْضَ بجرانهِ .

    بَقِيَّةٌ مِنْ بَقَايَا حُجَّتِهِ، خَلِيفَةٌ مِنْ خَلَائِفِ أَنْبِيَائِهِ.

    أَلَا وَفي غَدٍ، وَسَيَأْتي غَدٌ بِمَا لَا تَعْرِفُونَ ، يَأْخُذُ الْوَالي مِنْ غَيْرِهَا عُمّالَهَا عَلى مَسَاوِئِ أَعْمَالِهَا، وَتُخْرِجُ لَهُ الأَرْضُ أَفَاليذَ كَبِدِهَا، وَتُلْقي إلِيه سِلْماً مَقَاليدَهَا، فَيُريكُمْ كَيْفَ عَدْلُ السّيرَةِ، وَيُحْيي مَيِّتَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ.

    يَا قَوْمِ، هذَا إِبّانُ وُرُودِ كُلِّ مَوْعُودٍ، وَدُنُوٍّ مِنْ طَلْعَةِ مَا لَا تَعْرِفُونَ.

    وَالَّذي فَلَقَ الْحَبَّةَ وَبَرَأَ النَّسَمَةَ، لَتَعْطِفَنَّ الدُّنْيَا عَلَيْنَا بَعْدَ شِمَاسِهَا عَطْفَ الضَّرُوسِ عَلى وَلَدِهَا.

    ثم قرأ عليه السلام: «وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوارِثِينَ وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ».

  2. – تمام نهج البلاغة، السيد صادق الموسوي، ص ٢٩٦

  3. – المصدر السابق، ص 297

  4. – المصدر السابق، ص 297

  5. – المصدر السابق، ص 297

  6. – المصدر السابق، ص 297

  7. – من لا يحضره الفقيه، الشيخ الصدوق، ج ٤، ص ٣٧٦

  8. – سورة البقرة، آية 269

  9. – سورة لقمان، آية 12

  10. – تفسير القمي، علي بن إبراهيم القمي، ج ٢، ص ١٦٢ (عن حماد قال : سألت أبا عبد الله عليه السلام عن لقمان و حكمته التي ذكرها الله عز وجل، فقال: أما والله ما أوتي لقمان الحكمة بحسب ولا مال ولا أهل و لا بسط في جسم ولا جمال و لكنه كان رجلا قويا في أمر الله متورعا في الله ساكتا سكينا عميق النظر طويل الفكر حديد النظر مستعبرا بالعبر لم ينم نهارا قط ولم يره أحد من الناس على بول ولا غائط ولا اغتسال لشدة تستره وعمق نظره وتحفظه في أمره ولم يضحك من شيء قط مخافة الاثم، ولم يغضب قط ولم يمازح إنسانا قط ولم يفرح بشئ ان أتاه من أمر الدنيا ولا حزن منها على شئ قط ، وقد نكح من النساء وولد له من الأولاد الكثيرة وقدم أكثرهم إفراطا ، فما بكى على موت أحد منهم ، ولم يمر برجلين يختصمان أو يقتتلان إلا أصلح بينهما ولم يمض عنهما حتى يحابا ، و لم يسمع قولا قط من أحد استحسنه إلا سأل عن تفسيره وعمن أخذه، وكان يكثر مجالسة الفقهاء والحكماء، و كان يغشي القضاة و الملوك والسلاطين، فيرثي للقضاة ما ابتلوا به ويرحم الملوك والسلاطين لعزتهم بالله وطمأنينتهم في ذلك ويعتبر ويتعلم ما يغلب به نفسه ويجاهد به هواه ويحترز به من الشيطان فكان يداوي قلبه بالفكر ويداوي نفسه بالعبر وكان لا يظعن إلا فيما ينفعه فبذلك أوتي الحكمة ومنح العصمة ، فان الله تبارك وتعالى أمر طوائف من الملائكة حين انتصف النهار وهدأت العيون بالقايلة فنادوا لقمان حيث يسمع ولا يراهم فقالوا : يا لقمان هل لك ان يجعلك الله

    خليفة في الأرض تحكم بين الناس ؟ فقال لقمان : إن أمرني الله بذلك فالسمع والطاعة لأنه ان فعل بي ذلك أعانني عليه وعلمني وعصمني وإن هو خيرني قبلت العافية فقالت الملائكة يا لقمان لم قلت ذلك ؟ قال : لان الحكم بين الناس من أشد المنازل من الدين وأكثرها فتنا وبلاءا ما يخذل ولا يعان ويغشاه الظلم من كل مكان وصاحبه فيه بين أمرين ان أصاب فيه الحق فبالحري ان يسلم وان أخطأ أخطأ طريق الجنة

    ومن يكن في الدنيا ذليلا وضعيفا كان أهون عليه في المعاد أن يكون فيه حكما سريا شريفا ، ومن اختار الدنيا على الآخرة يخسرهما كلتيهما تزول هذه ولا تدرك تلك ، قال فتعجبت الملائكة من حكمته واستحسن الرحمن منطقه ، فلما امسى وأخذ مضجعه من الليل انزل الله عليه الحكمة فغشاه بها من قرنه إلى قدمه وهو نائم وغطاه بالحكمة غطاءا فاستيقظ وهو أحكم الناس في زمانه ، وخرج على الناس ينطق بالحكمة ويثبتها فيها.

    قال : فلما أوتي الحكم بالخلافة ولم يقبلها أمر الله الملائكة فنادت داود بالخلافة فقبلها ولم يشترط فيها بشرط لقمان فأعطاه الله الخلافة في الأرض وابتلي فيها غير مرة وكل ذلك يهوي في الخطأ يقبله الله ويغفر له ، وكان لقمان يكثر زيارة داود عليه السلام ويعظه بمواعظه وحكمته وفضل علمه وكان داود يقول له : طوبى لك يا لقمان أوتيت الحكمة وصرفت عنك البلية وأعطي داود الخلافة وابتلي بالحكم والفتنة).

  11. – الكافي، الشيخ الكليني، ج ١، ص ٢٥

  12. – نهج البلاغة، حكمة 80

  13. – نهج البلاغة، خطبة 147

  14. – الغيبة، ابن أبي زينب النعماني، ص ٣٣٧

  15. – مناقب الإمام أمير المؤمنين ( ع )، محمد بن سليمان الكوفي، ج ٢، ص ١٧٣

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *