محمد جواد الدمستانيمحمد جواد الدمستاني

عدد المشاهدات 7 زائر , مشاهدات 2 اليوم

اغتنام فرص الخير

«الفرصة تمر مر السحاب فانتهزوا فرص الخير»

محمد جواد الدمستاني

روي عن أمير المؤمنين عليه السلام في نهج البلاغة،«وَ الْفُرْصَةُ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ فَانْتَهِزُوا فُرَصَ الْخَيْرِ»[1].

الفرصة هي في تمكّن الانسان من فعل شيء في وقته و أوانه، و هذه الفرصة تمرّ مر السحاب بمعنى أنّها سريعة و لا تبقى كما يمرّ السحاب في سرعة، «الْفُرْصَةُ سَرِيعَةُ الْفَوْتِ»[2] كما عن روي عنه عليه السلام، فانتهزوا و اغتنموا فرص الخير إذا حصلت فلا تفوتكم.

و الحكمة إرشاد إلى اغتنام فرص الخير و العمل الصالح قبل فوات الأوان، و «اَلْأُمُورُ مَرْهُونَةٌ بِأَوْقَاتِهَا»[3]، كما في الخبر عن رسول الله.

و جزء من النجاح في الحياة يرجع إلى اغتنام فرص الخير و عدم تضييعها، و عدم تفويتها، بل أنّ تضييعها يسبّب نوع إخفاق أو إِنكسار و غُصّة و ندم، كما هي حكمة أمير المؤمنين عليه السلام في نهج البلاغة «إِضَاعَةُ الْفُرْصَةِ غُصَّةٌ»[4]، و في تمام نهج البلاغة «وَالْفُرْصَةُ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ ، فَانْتَهِزُوا فُرَصَ الْخَيْرِ مَا أَمْكَنَتْ، وَإِلّا عَادَتْ نَدَماً، وَلَا تَطْلُبُوا أَثَراً بَعْدَ عَيْنٍ»[5].

اغتنام فرص الخير هو شأن العقلاء عامة فإذا مرت الفرص دون اغتنامها كان ذلك لأسباب و أحدها التردد، و أحدها الخوف و عدم امتلاك شجاعة كافية لاتخاذ قرارات حاسمة، أو بسبب الجهل من كون أمر ما فرصة فلا يعرف بالضبط أنها فرصة و قد لا تتكرر، أو بسبب الجهل بوقتها، أو بسبب اليأس، أو بسبب تجربة سابقة فاشلة، أو بغيرها من الأسباب نفسية أو اجتماعية أو غيرها.

وهذا الاقتناص في فرص الخير جالب لأصحاب الأعمال الخيرية و الصدقات الجارية فإنّهم يتحينون فرص الخير و يسارعون في الخيرات، كما أنّ انتهاز الفرص عامة عند أصحاب الأعمال التجارية و المشاريع الاقتصادية حيث ينقضون على مواقع الربح و أماكن الاكتساب و يتنافسون فيها و يتسابقون.

و الفرصة مرتبطة بزمن معين، و إلا فاتت و من كلامه عليه السلام في نهج البلاغة قوله «مِنَ الْخُرْقِ الْمُعَاجَلَةُ قَبْلَ الْإِمْكَانِ، وَ الْأَنَاةُ بَعْدَ الْفُرْصَةِ»[6]، أي من من الحَماقَة و قلّة العقل المعاجلة أو المسارعة قبل الإمكان، و الأَناة أو التَرَوّ و التمهّل بعد الفرصة.

و في الرواية عن رسول الله صلى الله عليه و آله قال: «مَن فُتِحَ لَهُ بابُ خَيرٍ فَلْيَنْتَهِزْهُ، فإنَّهُ لا يَدْري مَتى يُغْلَقُ عَنهُ»[7].

و يروي عن أمير المؤمنين عليه السلام «مَنْ وَجَدَ مَوْرِداً عَذْباً يَرْتَوِي مِنْهُ فَلَمْ يَغْتَنِمْهُ يُوشِكُ أَنْ يَظْمَأَ وَ يَطْلُبَهُ فَلَا يَجِدَهُ»[8].

و نحن الآن في شهر الله و في ضيافته، شهر رمضان، و قد منحنا الله من الفرص العظمى الفرص العظمى التي يجب اغتنامها في هذا الشهر المبارك، و كل أعماله مؤقتة بوقت فالصوم الواجب في هذا الشهر الواقع بين شعبان و شوال، و بداية الصوم في وقت الفجر الشرعي، و الإفطار في الغروب الشرعي، و ليلة القدر في ليلتها و لياليها و اغتنامها من أكبر فرص الحياة، و العيد في أول شوال، كما أنّ اكاة الفطرة في وقتها المحدد حتى الظهر من يوم العيد، و الصلاة و الصلوات في وقتها، فهذا الشهر المبارك هو فرصة للإنسان المؤمن زيادة في إيمانه و إحسانه، و فرصة للإنسان للمراجعة و التوبة فيجب اغتنامه و الشقي من حرم غفران الله في هذا الشهر الكريم كما في خطبة النبي صلى الله عليه و آله في استقبال شهر رمضان.

و المراسم و المواسم و الأحكام الشرعية من صلاة و صيام و زكاة و حج مؤقتة بوقت محدد و هذا دافع لتنظيم و ترتيب كل شؤون الحياة من شخصية و اجتماعية و علمية و تجارية و اقتصادية و غيرها فضلا عن النصوص الشرعية الآمرة لذلك مثل «أُوصِيكُمَا .. بِتَقْوَى اللَّهِ وَ نَظْمِ أَمْرِكُمْ»[9] و هي من وصية أمير المؤمنين قبل رحيله عليه السلام.

و كمثال واضح و يُشاهد باستمرار هو الثمر على الشجر، فإنّ له موسمه و أيامه، و الفرصة هي أن يقطف الثمر في أوانه، لا قبل و لا بعد، فإنّ الثمرة قبل وقتها تكون غير ناضجة، و بعد وقتها تكون فاسدة، و في الرواية عن الإمام الصادق عليه السلام عن جده رسول الله صلى الله عليه و آله قال عليه السلام: «إِنَّ اَللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ لَمْ يَتْرُكْ شَيْئاً مِمَّا يُحْتَاجُ إِلَيْهِ إِلاَّ عَلَّمَهُ نَبِيَّهُ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ فَكَانَ مِنْ تَعْلِيمِهِ إِيَّاهُ أَنَّهُ صَعِدَ اَلْمِنْبَرَ ذَاتَ يَوْمٍ فَحَمِدَ اَللَّهَ وَ أَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ: أَيُّهَا اَلنَّاسُ إِنَّ جَبْرَئِيلَ أَتَانِي عَنِ اَللَّطِيفِ اَلْخَبِيرِ فَقَالَ إِنَّ اَلْأَبْكَارَ بِمَنْزِلَةِ اَلثَّمَرِ عَلَى اَلشَّجَرِ إِذَا أَدْرَكَ ثَمَرُهُ فَلَمْ يُجْتَنَى أَفْسَدَتْهُ اَلشَّمْسُ وَ نَثَرَتْهُ اَلرِّيَاحُ وَ كَذَلِكَ اَلْأَبْكَارُ إِذَا أَدْرَكْنَ مَا يُدْرِكُ اَلنِّسَاءُ فَلَيْسَ لَهُنَّ دَوَاءٌ إِلاَّ اَلْبُعُولَةُ وَ إِلاَّ لَمْ يُؤْمَنْ عَلَيْهِنَّ اَلْفَسَادُ لِأَنَّهُنَّ بَشَرٌ»[10].

و الحياة الدّنيا هي فرصة الإنسان للفوز الأعظم و الجنان الواسعة فإن اغتنمها في الإيمان و العمل الصالح و الطاعة و الصلاح فقد فاز في آخرته بجنان عرضها كعرض السموات و الأرض و إلا فإنّ نصيبه الخسران و الندم، و روي عن أمير المؤمنين عليه السلام «اَلْآنَ اَلْآنَ مِنْ قَبْلِ اَلنَّدَمِ، وَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يٰا حَسْرَتىٰ عَلىٰ مٰا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اَللّٰهِ وَ إِنْ كُنْتُ لَمِنَ اَلسّٰاخِرِينَ – أَوْ تَقُولَ لَوْ أَنَّ اَللّٰهَ هَدٰانِي لَكُنْتُ مِنَ اَلْمُتَّقِينَ – أَوْ تَقُولَ حِينَ تَرَى اَلْعَذٰابَ لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً فَأَكُونَ مِنَ اَلْمُحْسِنِينَ»[11] .

و «أَيُّهَا اَلنَّاسُ اَلْآنَ اَلْآنَ مَا دَامَ اَلْوَثَاقُ مُطْلَقاً وَ اَلسِّرَاجُ مُنِيراً وَ بَابُ اَلتَّوْبَةِ مَفْتُوحاً وَ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَجِفَّ اَلْقَلَمُ وَ تُطْوَى اَلصَّحِيفَةُ فَلاَ رِزْقَ يَنْزِلُ وَ لاَ عَمَلَ يَصْعَدُ»[12] .

و الدّنيا فرص في جوانبها المتعددة ينبغي على البصير اغتنامها قبل انتهاء وقتها كما في حديث رسول الله صلى الله عليه و آله في اغتنام فترة الشباب قبل الهرم، و الصحة قبل السقم، و الغنى قبل الفقر، و الفراغ قبل الشغل، و الحياة قبل الموت.

  1. – نهج البلاغة، حكمة 21

  2. – غرر الحكم ودرر الكلم، عبد الواحد الآمدى التميمي، ص ١١٣

  3. – بحار الأنوار، المجلسي، ج74، ص165، عوالي اللئالي، ج١، ابن أبي جمهور الأحسائي، ص ٢٩٣

  4. – نهج البلاغة، حكمة 118

  5. – تمام نهج البلاغة، السيد صادق الموسوي، ص ١٥٥

  6. – نهج البلاغة، حكمة 363

  7. – بحار الأنوار، المجلسي، ج74، ص165، عوالي اللئالي، ابن أبي جمهور الأحسائي،ج١، ص ٢٩٣، مستدرك الوسائل، النوري، ج12، ص140

  8. – غرر الحكم ودرر الكلم، عبد الواحد الآمدى التميمي، ص ٥٩٦

  9. – نهج البلاغة، الوصية 47

  10. – الکافي، الكليني، ج5، ص337

  11. – الأمالي، الشيخ الطوسي، ص ٦٨٥

  12. – الأمالي، الشيخ الطوسي، ص ٦٨٥

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *