![]()
أعظم الحسرات يوم القيامة
«إنّ أعظم الحسرات يوم القيامة حسرة رجل كسب
مالا في غير طاعة الله، فورثه رجل فأنفقه في طاعة
الله سبحانه فدخل به الجنّة، ودخل الأول به النّار»
محمد جواد الدمستاني
في التنفير عن كسب المال الحرام و الاحتفاظ به ثم إنفاقه من قبل الوارث و الحسرة التي يتكبدها الكاسب روي عن أمير المؤمنين عليه السلام في نهج البلاغة، قوله (ع) «إِنَّ أَعْظَمَ الْحَسَرَاتِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حَسْرَةُ رَجُلٍ كَسَبَ مَالًا فِي غَيْرِ طَاعَةِ اللَّهِ فَوَرِثَهُ رَجُلٌ فَأَنْفَقَهُ فِي طَاعَةِ اللَّهِ سُبْحَانَهُ، فَدَخَلَ بِهِ الْجَنَّةَ وَ دَخَلَ الْأَوَّلُ بِهِ النَّارَ»[1]. و في بعض النسخ «فَوَرِثَّهُ رَجُلا فَأَنْفَقَهُ فِي طَاعَةِ اللَّهِ»[2].
و قريب منه قول أمير المؤمنين (ع) «إِنَّ [مِنْ] أَشَدِّ اَلنَّاسِ حَسْرَةً يَوْمَ اَلْقِيَامَةِ مَنْ رَأَى مَالَهُ فِي مِيزَانِ غَيْرِهِ، أَدْخَلَ اَللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ هَذَا بِهِ اَلْجَنَّةَ، وَ أَدْخَلَ هَذَا بِهِ اَلنَّارَ»[3].
الحسرة بمعنى الأسى و الحُزن و الغمّ و الكآبة و الندم و يقابلها الإِبتهاج و السعادة و السرور، و من النّاس من يكدّ و يتعب و يشقى في سبيل تحصيل المال و يكسب مالا محرما في غير طاعة الله فيكون له إثم و وزر هذا المال، فيدخل بسببه النّار، فإذا مات يرثه وارث صالح لا يعلم بحرمة المال فيصرفه و ينفقه في طاعة الله و في وجوه البِر و الخير و يكسب به الأجر و الثواب فيدخل الوارث بسبب هذا الانفاق الجنّة، و هذا موجب لأعظم الحسرات للأول الكاسب يوم القيامة بسبب عدم انتفاعه بماله و معاقبته بجمعه من الحرام و عذابه بسببه، و رؤية وارثه ينتفع به دون كدّ و تعب و يدخل بسببه الجنّة، و هو مال حرام للكاسب حلال للوارث، و ربما يكون الوارث من الأقرباء البعيدين.
و كلامه (ع) «فَوَرِثَهُ رَجُلٌ فَأَنْفَقَهُ فِي طَاعَةِ اللَّهِ» إنفاق هذا الرجل الوارث المال في طاعة الله يُحمل على جهله بحرمة المال، و إلّا مع علمه بحرمته فالواجب عليه ردهّ إلى صاحبه أو أصحابه.
و الغرض من الكلام هو التنفير عن الكسب الحرام، و التنفير من جمع المال و ادّخاره و البخل فيه، و الدعوة لانفاقه في طاعة الله في مواقعه الصحيحة و المناسبة، و أعمال الخير، و مطلق ما يصدق عليه طاعة الله و فيما يرضي الله بما يخص المنفق أو مطلق الانفاق العام من صدقة أو إعانة أو إغاثة أو جهاد أو غيرها.
و الكسب في غير طاعة الله أي الكسب الحرام بما يكون بطرق غير شرعية كالتجارة المحرمة و الربا و الغش و الرشوة و السرقة و غيرها، و في كتاب المكاسب يذكر الشيخ الأنصاري أنواع المكاسب المحرمة و قسّمها إلى عدة أقسام.
و يستفاد من الحكمة أنّ الأموال موضوع امتحان للنّاس في كسبها و التصرف فيها و إنفاقها و ليست موادا للتجميع و التخزين بل للانفاق، و أنّها قد تكون عاقبة سعادة و سرور لأصحابها أو عاقبة تعاسة و حزن و ندم لهم.
كما أنّ الأموال ليست في نفسها في مورد المدح أو القدح و إنّما في طريقة استخدامها و إنفاقها فالمدح أو القدح يكون لصاحبها بما يفعله بها إن خيرا أو شرا.
و توجد يوم القيامة حسرات كثيرة لكن أعظمها أن يرى الإنسان ماله أو أمواله في ميزان غيره، و كونها أعظم الحسرات لعدم انتفاع الكاسب المتحسر يوم القيامة بماله، و رؤية هذا المتحسر غيره ينتفع بهذا المال، فحسرة المتحسر و عذابه و ندمه في الآخرة بسبب هذا المال، و سعادة غيره من الوارث أو الورثة بسبب هذا المال أيضا، و المتحسر النادم أولى بماله من الآخر الوارث.
و في هذا المعنى عدد من الروايات عنهم عليهم السلام و قريب من هذه الحكمة روي عن الإمام الصادق (ع) في قول اللّه عزّ وجلّ «كَذَٰلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ»[4]، قَالَ «هُوَ اَلرَّجُلُ يَدَعُ مَالَهُ لاَ يُنْفِقُهُ فِي طَاعَةِ اَللَّهِ بُخْلاً، ثُمَّ يَمُوتُ فَيَدَعُهُ لِمَنْ يَعْمَلُ فِيهِ بِطَاعَةِ اَللَّهِ أَوْ فِي مَعْصِيَةِ اَللَّهِ، فَإِنْ عَمِلَ بِهِ فِي طَاعَةِ اَللَّهِ رَآهُ فِي مِيزَانِ غَيْرِهِ فَرَآهُ حَسْرَةً وَ قَدْ كَانَ اَلْمَالُ لَهُ، وَ إِنْ كَانَ عَمِلَ بِهِ فِي مَعْصِيَةِ اَللَّهِ قَوَّاهُ بِذَلِكَ اَلْمَالِ حَتَّى عَمِلَ بِهِ فِي مَعْصِيَةِ اَللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ»[5].
و روي عن أمير المؤمنين (ع) في وصيته لابنه الإمام الحسن (ع) ألا يترك شيئا بعد موته، لا للذي يعمل فيه بطاعة الله، و لا للذي يعمل فيه بمعصية الله، و ليس في الأمر إيثار، قال عليه السلام: «لَا تُخَلِّفَنَّ وَرَاءَكَ شَيْئاً مِنَ الدُّنْيَا فَإِنَّكَ تَخَلِّفُهُ لِأَحَدِ رَجُلَيْنِ: إِمَّا رَجُلٌ عَمِلَ فِيهِ بِطَاعَةِ اللَّهِ فَسَعِدَ بِمَا شَقِيتَ بِهِ، وَ إِمَّا رَجُلٌ عَمِلَ فِيهِ بِمَعْصِيَةِ اللَّهِ فَشَقِيَ بِمَا جَمَعْتَ لَهُ فَكُنْتَ عَوْناً لَهُ عَلَى مَعْصِيَتِهِ، وَ لَيْسَ أَحَدُ هَذَيْنِ حَقِيقاً أَنْ تُؤْثِرَهُ عَلَى نَفْسِكَ»[6].
و في الرواية عن أمير المؤمنين (ع) «لَم يُرزَقِ المالَ مَن لَم يُنفِقهُ»[7]، فالرزق مع الانتفاع بالمال و من لم ينفقه لم يُرزقه، و كأنّه رزق مجمّد أو مؤجل أو مؤخر حتى الانتفاع به.
و في أعظم النّاس حسرة روي عن الإمام الباقر (ع) قال: «أنَّ أَعْظَمَ اَلنَّاسِ حَسْرَةً يَوْمَ اَلْقِيَامَةِ مَنْ وَصَفَ عَدْلاً ثُمَّ يُخَالِفُهُ إِلَى غَيْرِهِ»[8].
و هذه الحكمة تبيّن «أعظم الحسرات يوم القيامة» و الحكمة التي بعدها في نهج البلاغة فهي تبيّن أخسر النّاس و أخيبهم، قال عليه السلام «إِنَّ أَخْسَرَ النَّاسِ صَفْقَةً وَ أَخْيَبَهُمْ سَعْياً رَجُلٌ أَخْلَقَ بَدَنَهُ فِي طَلَبِ مَالِهِ، وَ لَمْ تُسَاعِدْهُ الْمَقَادِيرُ عَلَى إِرَادَتِهِ، فَخَرَجَ مِنَ الدُّنْيَا بِحَسْرَتِهِ، وَ قَدِمَ عَلَى الْآخِرَةِ بِتَبِعَتِهِ»[9].
-
– نهج البلاغة، حكمة 429 ↑
-
– تمام نهج البلاغة، السيد صادق الموسوي، ص ٩٥٨، شرح حكم نهج البلاغة، الشيخ عباس القمي، ص ٧٩، شرح نهج البلاغة، ابن أبي الحديد، ج ٢٠، ص ٧٤، منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة، ج ٣، قطب الدين الراوندي، ص ٤٢٥، غرر الحكم ودرر الكلم، عبد الواحد الآمدى التميمي، ص ٢٣٧ ↑
-
– تفسير الإمام العسكري ( ع )، المنسوب إلى الإمام العسكري ( ع )، ص ٤٠، تنبيه الخواطر ونزهة النواظر ( مجموعة ورام )، ورام بن أبي فراس المالكي الاشتري، ج ٢، ص 415 (إِنَّ مِنْ أَشَدِّ اَلنَّاسِ حَسْرَةً ..)، عدة الداعي ونجاح الساعي، ابن فهد الحلي، ص ٩٤ (إنّ من أشد الناس حسرة يوم القيامة من رأى ماله في ميزان غيره ادخل الله هذا به الجنة وادخل (الله) هذا به النار) ↑
-
– سورة البقرة، آية 167 ↑
-
– الکافي، الشيخ الكليني، ج4، ص 42 ↑
-
– نهج البلاغة، حكمة 416 ↑
-
– غرر الحكم ودرر الكلم، عبد الواحد الآمدى التميمي، ص ٥٦٣، عيون الحكم والمواعظ، علي بن محمد الليثي الواسطي، ص ٤١٤ ↑
-
– الکافي، الشيخ الكليني، ج2، ص300، الأمالي، الطوسی، ص370 ↑
-
– نهج البلاغة، حكمة 430 ↑
