![]()
*”الزيارة الناحية المقدسة”*: قراءة في أبعادها السياسية
ليست “الزيارة الناحية المقدسة” مجرد نصٍّ وجداني يُتلى في موسم عاشورائي، بل هي *”وثيقةٌ عقائديةٌ وروحيةٌ وسياسيةٌ”*، تعبّر عن الموقف الشيعي الثوري من سيد الشهداء ابي عبدالله الحسين عليه السلام ونهضته، وتعيد رسم ملامح الصراع التاريخي بين الحق والباطل، بين الإمامة الشرعية والسلطة المغتصبة. وقد نُسبت هذه الزيارة إلى الإمام المهدي عجل الله فرجه الشريف، ما يضفي عليها بعدًا إضافيًا مرتبطًا بالمهدوية والثأر الإلهي.
📍أولاً: سيد الشهداء ابي عبدالله الحسين عليه السلام بوصفه قائدًا شرعيًا
📘 *”السلام على من جعل الله الشفاء في تربته، والإمام في ذريته، والطاعة في عقبه”*
هذا التعبير يكرّس سيد الشهداء ابي عبدالله الحسين عليه السلام كحلقة في سلسلة الإمامة الإلهية، ويمنحه شرعية سياسية ودينية في مقابل السلطة الأموية التي لم تستمد حكمها من النص أو الوحي، بل من التغلب والقهر. فالزيارة تُثبت أن سيد الشهداء ابي عبدالله الحسين عليه السلام في موقع القيادة الشرعية، وتُعرّف الزائر بأن ذريته مفترضة الطاعة، في تأكيد على استمرارية المشروع السياسي الإلهي عبر الأئمة الأطهار من بعده.
📍ثانياً: إدانة الطغيان الأموي
📘 *”حتى قُتِل في طغيانهم، وظلمهم، وعدوانهم”*
الزيارة لا تتعامل مع سيد الشهداء ابي عبدالله الحسين عليه السلام كحادثة عابرة، بل تصفها كنتيجة مباشرة لطغيان سياسي قائم على الظلم والعدوان. وهي بذلك تُبرز كربلاء كحدث سياسي بامتياز، لا مجرد مأساة وجدانية. الإمام قُتل لأنه رفض بيعة يزيد، وواجه انحراف الدولة عن مسارها الرسالي.
📍ثالثاً: سيد الشهداء ابي عبدالله الحسين عليه السلام كقائد إصلاحي وثوري
📘 *”وأشهد أنك قد أمرت بالقسط، وعدلت في الحكم، ودعوت إلى الحق”*
هذه الشهادة تُبرز وظيفة سيد الشهداء ابي عبدالله الحسين عليه السلام كإمام يمارس الحكم العادل، ويدعو إلى الحق، ويواجه الانحراف. فهو قائد سياسي بامتياز، وليس مجرد زاهد أو عابد. العدالة والقسط مفردتان تعنيان السلطة والحكم، أي أن الحسين جاء ليُقيم نموذجًا بديلًا عن الحكم الأموي.
رابعاً: الثورة على التزييف الديني
📘 *”وبذل مهجته فيك، ليستنقذ عبادك من الجهالة، وحيرة الضلالة”*
سيد الشهداء ابي عبدالله الحسين عليه السلام لم يخرج طلبًا للسلطة الأدارية فقط ، بل لإصلاح الأمة وإنقاذها من الضلال الذي نجم عن تزييف الدين واستغلاله من قبل السلطة و الظلم والفساد الاداري . هذه الفقرة تُشير إلى دور سيد الشهداء ابي عبدالله الحسين عليه السلام في كشف زيف الخطاب الديني الرسمي الذي وظّف الدين لتبرير الاستبداد.
📍خامساً: اللعن السياسي والبراءة من الظالمين
📘 *”ولعن الله أمةً قتلتك، ولعن الله أمةً ظلمتك، ولعن الله أمةً سمعت بذلك فرضيت به”*
الزيارة تُعلن البراءة الصريحة من الأنظمة التي ساهمت في قتل سيد الشهداء ابي عبدالله الحسين عليه السلام أو سكتت عنه، في موقف سياسي وأخلاقي واضح. فاللعن هنا ليس مجرد دعاء بالطرد من لحمة الله، بل موقف سياسي يُحدّد الاصطفاف بين معسكرَي الحق والباطل.
📍سادساً: سيد الشهداء ابي عبدالله الحسين عليه السلام وثأر الله
📘 *”السلام عليك يا ثار الله وابن ثاره، والوتر الموتور”*
وصف سيد الشهداء ابي عبدالله الحسين عليه السلام بأنه “ثار الله” يؤكد أن قضيته لا تزال حية، وأن دمه لم يُثأر بعد، وأن هذا الثأر مرتبط بالمهدي المنتظر. هذه الرؤية تجعل من كربلاء ملف وقضيّة مفتوحة تنتظر حلاً إلهيًا، وأن المشروع الحسيني مستمر حتى تحقق العدالة على يد القائم من آل محمد ارواحنا لتراب مقدمه الفداء.
📍سابعاً: البعد الأممي للثورة الحسينية
📘 *”السلام عليك يا أبا عبد الله، وعلى الأرواح التي حلّت بفنائك، وأناخت برحلك”*
يشير هذا النص في الزيارة الناحية المقدسة إلى أن قضية سيد الشهداء ابي عبدالله الحسين عليه السلام تتجاوز الزمان والمكان، فهي ثورة لكل الأحرار في كل العصور، مما يعطيها طابعًا أمميًا وإنسانيًا. كربلاء ليست قضية طائفية أو قومية، بل هي رمز عالمي لمواجهة الظلم و يجب على الناذرين أنفسهم لتصدير إلى الأمم و الحضارات.
إن الزيارة الناحية المقدسة تُعيد تأصيل وتأطير وبروزة ملحمة كربلاء في بُعدها الحقيقي:
*”مواجهة سياسية ضد نظام منحرف، وثورة إصلاحية تهدف لإنقاذ الأمة، ومشروع مقاومة ممتد إلى ظهور صاحب العصروالزمان عجل الله فرجه الشريف.”*
إن قراءة الزيارة الناحية المقدسة من هذا المنظور تفرض علينا أن نُبقي المنبر الحسيني سياسيًا، واعيًا، مقاومًا، ومعبّرًا عن تطلعات الأمة الإسلامية بل و البشرية في كل زمان ومكان.
يوسف الحوري
برلين الموافق 13 يوليو 2025
