![]()
ظاهرة تعدد الأحزاب في العراق: ديمقراطية أم فوضى؟
أعلنت مفوضية الانتخابات العراقية مؤخراً عن وجود ٣٣١ حزباً مسجلاً و٧٠ حزباً قيد التسجيل، وهو رقم مذهل يدعو للتأمل والتحليل النقدي. هذه الكثرة الحزبية ليست بالضرورة مؤشراً على صحة الحياة السياسية أو نضج الممارسة الديمقراطية، بل قد تكون تعبيراً عن أزمة بنيوية في نظامنا السياسي .
فمن الناحية النظرية، يعكس تعدد الأحزاب تعدداً في الرؤى والبرامج التي تتنافس لتقديم الأفضل للبلاد. لكن الواقع العراقي يظهر أن العديد من هذه الأحزاب يتشابه في برامجه وأيديولوجيته ( ان وجدت ) مع غيره، مما يطرح تساؤلات حول دوافع هذا التكاثر الحزبي.
هذه الظاهرة قد تعكس عدة إشكاليات: ضعف الثقافة السياسية القائمة على البرامج، وهيمنة النزعات الشخصية والطائفية، وتفتت القوى السياسية إلى كيانات صغيرة تخدم مصالح ضيقة بدلاً من المصلحة الوطنية. كما أن سهولة تأسيس الأحزاب مقابل صعوبة إدارتها وتطوير برامجها يجعل العديد منها مجرد واجهات بدون قاعدة شعبية حقيقية وقد يكون بعضها تاسس لرغبة بعض السفارات في ادخال ممثلين لهم في البرلمان
إن تجربة الدول الديمقراطية الناجحة تظهر أن جودة الأحزاب وليس كميتها هي المعيار الحقيقي لتقدم النظام السياسي. فالديمقراطية تحتاج إلى أحزاب قوية قائمة على رؤى واضحة وبرامج عملية، وليس إلى تعددية عددية تضعف العمل السياسي وتشتت الأصوات.
لعل الحل يكمن في تطوير قانون الأحزاب ليشترط معايير موضوعية للتسجيل، ويدعم بناء الأحزاب على أسس برامجية وليس هويات فرعية، ويعزز ثقافة التكتل والتحالف حول المشتركات الوطنية بدلاً من التشرذم والانقسام.
فالديمقراطية لم تكن يوما تعدد أحزاب، بل هي نظام يقوم على التمثيل الحقيقي والمنافسة البرامجية والمسؤولية الوطنية، وهذا ما نحتاجه لبناء مستقبل مستقر.
