السيد مصطفى مرتضىالسيد مصطفى مرتضى

Loading

هل الإنسان مخير او مسير !!

بسم الله الرحمن الرحيم
تُعدّ مسألة حرّية الإنسان أو جبره من أعمق القضايا الفكرية التي شغلت عقول المسلمين منذ صدر الإسلام، إذ تتعلّق بعدل الله وتوحيده ومسؤولية العبد عن أفعاله. وتعددت فيها المذاهب بين الجبر والتفويض، ولكل منها أدلته وبراهينه من القرآن والسنة

الكلام في هذا الموضوع ليس عن خلق الانسان خلقه التكويني .
مثلا: الإنسان ليس مختارا عندما يولد في طوله وفي لونه وفي لون عيونه .
وليس مختارا في ان القلب ينبض او النظام الجسدي من كريات بيض او حمر يعملون او الدورة الدموية او ان الكبد يعملان تكوينيا كما أراد الله تعالى ، بل الكلام عن أعمال الإنسان ، حينما يصلي ، يصوم ، حين يتكلم او يساعد الناس او حينما يكذب ، يسرق ، يزني ….
هذا الفعل الإنساني ، هل هو مسير فيه او مخير !!

انقسم المسلمون الي ثلاثة اتجاهات او ثلاثة مذاهب في هذا الموضوع .
١- مذهب المجبرة وهم ( الأشاعرة ) اغلب اهل السنة والجماعة .
يقولون بالجبر اي ان الانسان مجبرا في أعماله وليس له الخيار في أعماله.
على أساس ( التوحيد ) اي ان الله واحد ، كل شئ من الله تعالى .
يقولون : هذا الفعل الإنساني هو من الله او من الانسان ؟
إن قلنا هو من الانسان وليس من الله يعني أصبح الانسان خالقا ، اذن ، هذا ليس من خلق الله فهذا شرك .
أرادوا توحيد الله تعالى فقالوا ( بالجبر ) ، واحتجوا بعدة آيات من القرآن : ( ما أصاب من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم إلا في كتاب من قبل ان نبرأها إن ذلك على الله يسير ) سورة الحديد ٢٢.
( قل اللهم مالك الملك تؤتي الملك من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء وتعز من تشاء وتذل من تشاء بيدك الخير انك على كل شئ قدير ) ال عمران ٢٦ .
واحتجوا ايضا بهذه الآية ( قال أتعبدون ما تنحتون الله خلقكم وما تعملون ) .
والمقصود بهذه الآية ان الله تعالى خلقكم وخلق الذي تنحتونه ( المواد الأولية ) .
هذه العقيدةً( عقيدة الجبر ) تبناها بني أمية ( معاوية وجماعته ) ، وكانوا من خلال هذه العقيدة يبررون للناس أعمالهم الدنيئة من ظلم وفساد على اساس ان أعمالهم جبر من الله تعالى .
٢- مذهب التفويض وهم ( القدرية / المعتزلة ).
قالوا بأن الله تعالى خلق الانسان وفوض إليه افعاله . بمعنى ان الفعل هو من خلق الانسان ، ( فعل الإنسان وليس من خلق الله ، ( فعل الله تعالى ) .
وهذا من منطلق العدل الإلهي أي إذا اخطاء الانسان في فعله واختياره يعود السبب للإنسان وليس لله تعالى لان الله عادل .

قالوا لو كان الإنسان مجبرا على فعله يعني هو مجبر على المعصية ، فكيف سيحاسبه الله وقد اجبره على المعصية !! فهذا ليس من العدل الإلهي .
كذلك قالوا لو كان الإنسان مجبرا على افعاله سقط التكليف الإلهي للإنسان .
اذن النتيجة : أن الله عز وجل فوض الإنسان افعاله .
يعني الانسان هو من يقرر ويفعل الفعل والله لا شأن له بذلك .
واستدلوا ببعض الايات القرانية ( إن الله يأمر بالعدل والإحسان … ) النحل ٩٠ .
( … وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل … ) النساء ٥٨.

كل الاتجاهات تتمسك بآيات قرآنية ، هذا بالتوحيد ، وهذا بالعدل .
بين هذين الاتجاهين هناك إتجاه ثالث ، وهو إتجاه الإمامية ، يرفض الجبر ويرفض التفويض .
يرفض الجبر لانه يتناقض مع العدل الإلهي ،( ليس من المعقول ان يحاسب الله من اجبره على فعله ).
ويرفض التفويض لانها تتعارض مع التوحيد .
نحن نعتقد ان الله خلق كل شئ ولا يمكن ان يكون هناك شئ او فعل لغير الله تعالى .
ونقول المنطلق الأول ( التوحيد ) صحيح من حيث المبدأ.
والمنطلق الثاني ( العدل صحيح ) من حيث المبدأ .
لذلك كان جواب الامام الصادق عليه السلام (الثقل الثاني للقران الكريم ) هو تصوير صورة تتلائم مع مبدأ العدل ومبدأ التوحيد ) .
( لا جبر ولا تفويض ولكن امر بين امرين ) .
الامام عليه السلام يريد ان يوضح او يصور صورة يجمع فيها بين مسلمة التوحيد ومسلمة العدل الإلهي .
كل شئ هو مربوط في الله تعالى في أصل وجوده وبقائه واستمراره ، والعدل الإلهي مسلم به قطعا .

للعبد قدرةٌ ومشيئةٌ حقيقيتان يختار بهما ويُحاسَب عليهما، لكن هذه القدرة والمشيئة مخلوقة لله وتحت مشيئته: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ (التكوير 29). فالجمع بين التوحيد والعدل هو هذا المذهب الوسط.
الفرق بين الخلق والفعل .
الله يخلق القدرة ، الظروف ( اليد ،الهواء ،العقل …)
الإنسان يفعل ويختار ضمن ما أذن الله به .
الفقهاء يعبرون عن هذا (بالكسب ).
الله يخلق القدرة والفعل معا ، لكن العبد هو الذي يختار فينسب الفعل إليه اكتسابا لا خلقا .
النتيجة : افعالنا ليست افعال الله ، بمعنى انك انت المأمور المنهى ، وتحاسب على أفعالك ، لكنها مخلوقه لله من حيث الخلق والتقدير ، فلا يجوز ان تقول : أفعالي هي افعال الله، بل تقول : الله خلقني وخلق قدرتي وانا افعل بقدرة خلقها الله في .
مثال :
حركة اليد للصدقة او للسرقة .
اليد : الله هو الذي خلق اليد .
القدرة : الله هو الذي خلق فيك القوة والإرادة ( العضلات ،العقل ،الاختيار )
الاختيار : انت بعقلك تختار .
يعني القدرة (والآلة -اليد )مخلوقه لله
لكن اختيارك انت هو الذي يحدد الفعل فتحاسب على اختيارك بعد ان دلك الله على الطريق الصحيح .
الخلاصة :
كل شئ من حيث الخلق والإيجاد هو من الله تعالى ، لكن من حيث الفعل والكسب ينسب للعبد لانه هو الذي أراده واختاره .

وخلاصة القول: الإنسان ليس مجبَراً ولا مفوَّضاً تفويضاً مطلقاً، بل يختار أفعاله ضمن قدرة ووسائل خلقها الله فيه، فيتحقق بذلك التوحيد والعدل معاً. وهذا الفهم الوسطي يحمّل الإنسان مسؤوليته ويُبقيه متعلّقاً بربه في آنٍ واحد.

السيد مصطفى مرتضى .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *