![]()
رحلتي إلى بولندا / الحلقة الثانية
١٩٨٠ – ١٩٨٦
وصلتُ إلى مدينة وودچ المدينة الصناعية التي تقع في وسط بولندا في ١٩٨٠/٨/٢٩ ، المدينة التي خسرت ما يقارب النصف مليون شخص خلال الحرب العالمية الثانية لكنّها مدينة عظيمة وجميلة خرجّت الكثير من عباقرة العلم والفن امثال افواديسواف ريمونت الذي حاز على جائزة نوبل للأدب في بداية العشرينات وربسينسكي الذي فاز بزعامة الأوسكار لجدارته الفنيّة الرائعة وعلماء آخرين في معارف وعلوم متعددّة ، فعندما تدخل مركز المدينة لابدّ وان تدخل في شارع بيـــوتـــركـوفسـكا (Ulica Piotrkowska) الشارع الجميل الذي يزدحم بالزائرين ويمتد من الشمال إلى الجنوب لخمسة كيلومترات تقريبًا ولعلّهُ أطول شارع تجاري في أوروبا يقسمُ المدينة إلى قسميـن يحتوي على العديد من المباني الجميلة ذات الهندسة المعمارية الرائعة إضافة إلى القصور والتماثيل وعالم التسّوق والمنحوتات البـرونزية الشهيرة التي تصّور شخصيات ولدت هنا أو أصولها من هنا ، بالإضافة إلى احتواءه على ممشى المشاهيــر على الطريقة الهوليودية والمليء بالنجوم على أرضية الطريق ويسمى “مَعلَم الخمسمائة ” فيه أسماء المواطنين الذين برعوا وساهموا في تقدمّ المدينة إضافة إلى المتاحف التي تمنح الزائر الفرصة لاكتشاف التاريخ الغني لهذه المدينة كما يوجد فيها احد اهم مدارس السينما في أوروبا ، في مدينة وودچ كُنتُ ضيفًا عند الاخ علاء نجل الحاج محمد حسين صحين الساعدي رحمه الله جارنا في النجف الأشرف واسجّلُ جزيل شكري لفضله الكبير في الضيافة وتمديد الاقامة والحصول على مقعد لدراسة اللغة البولندية فقد حباه الله خصالًا طيبّة يجدُ راحتهُ بالسعي لقضاء حوائج الآخرين (وأفضلُ أيّام الفتى حينَ يُسألُ) اذن لابدّ ان أتعلّم اللغة البولندية لعلّني أتمكن يومًا ما من إيصال صوت الحق في وسط هذا المجتمع فالقليل خير من العدم وهذا ما وُفّقتُ اليه فبدأتُ بدراسة اللغة البولندية وكان معهد اللغة البولندية الواقع على شارع Kopczynskiego مزدحمًا بالطلبة العراقيين وغيرهم من الاجانب وكان استاذ اللغة Tadeusz Jeromin من افضل الأساتذة في أخلاقه وحُبّه للاجانب واحترام ثقافاتهم وأديانِهِم وتفقّده الدائم لطلبته واعتزازه بهم اذا حدثّ استولى على القلوب بلذيذ كلامه وجميل إسلوبه وكان صديقًا أكثر من أستاذ ولاشكّ أنّ الكثير من الأخوة العراقيين الذي درسوا تحت يده يحتفظون بذكريات جميلة معه حيث قصَدَنا ذات يوم في زيارة خاصة الاخ العزيز الدكتور مجيد عيادة وهو استاذ في مادة الفيزياء من اهالي مدينة تكريت كان يدرس في جامعة وودچ قائلًا جئتُ اسلّمُ عليكم واحدثّكُم عن خُلق هذا الاستاذ وإنسانيته استفيدوا منه وثمنّوا جهدهُ وعطاءه ، نعم درستُ في معهد اللغة ما يقارب الثمانية أشهر وكانت الايام جميلة رغم انّ بولندا بدأت تتأثر يومًا بعد يوم بإضرابات عُمّال حركة التضامن إلا انّ الطابع الدراسي لم يتأثر بعدْ ، كُنتُ اقضي سبع ساعات إلى ثمان ساعات يوميًا في معهد اللغة تعرفتُّ على الكثير من الاخوة العراقيين من طوائف ومذاهب وأعراق وثقافات متعددة وفي ذاكرتي الكثير من اللقطات والانطباعات فالقليل منهم كان يُعطي النظام البائد اكثر مما يطلبُ منه ليبني لهُ مجدًا مُزيفًّا لا أكثر من ذلك او تراه مُتعصّبًا لِعرقه ومذهبه ومدينته ولُغتهْ لقلّة ثقافته ، أمّا الأكثرية فكانت تعيش وضعًا آخرًا مُتزنّةً بسلوكها وإسلوبها وأخلاقها ، سيرتها طيبّة وسريرتها حَسنة جمعتني واياهم خير الايام والأوقات البعض منهم مبهور بجمال بولندا يحملُ كامرتهُ يُصّور المناظر الجميلة واللقاءات الشبابية المتنوعّة بأسلوب فنّي بديع والآخر يعيش تحديّ الغربة وصعوبة اللغة يقول إنّها بولندا لأهلها وليست للغرباء من أمثالنا وهكذا تتفاوت الاراء والأمزجة لكن يحتاج الطالب والمهاجر ان يتكيّف مع البيئة الجديدة وعليه ان يسمو بأخلاقه ويتعايش مع قيمه ومبادئه فالعبرةُ ليست بالمكان وإنمّا بالمكانة والمنزلة، وقد دار بيني وبين الاخ الدكتور فلاح المحنّه رحمهُ الله حديث عن جمال بولندا فقال بولندا دولة حلوة وآمنة في كلّ شيئ سأكتب عن جمالها الطبيعي اكثر من جمالها التاريخي ، كان يدرس الدكتوراه في الصحافة في جامعة وارشو تعرفّتُ عليه خلال زيارته إلى مدينة وودج ثمّ تجدّدت لقاءاتنا في وارشو عدة مرات رحمك الله يا ابا خالد فما رأيتُ منكَ إلا التهذيب في الشخصية والأدب الرفيع في الخطاب والمخاطبة ، من الذكريات التي احتفظ بها في معهد اللغة البولندية في وودچ جاء السفير العراقي في بولندا نهاية الشهر العاشر لزيارة الطلبة العراقيين ولم اعرف اسمهُ بالضبط بل سمعتُ انّهُ من مدينة الرمادي وكان معه الملحق الثقافي الاستاذ درويش الأجودي (ابو جلال) الذي كان مُعينًا ومساعدًا للطلبة الجدد في الحصول على قبول لهم داخل الجامعات البولندية وقد امتلئت قاعة المعهد الرئيسية بالحضور وأكثرهم طلبة النفقة الخاصة وكأنّ التخطيط لعالم الهجرة والمهاجر بدأ فعلًا ، فوقف السفير العراقي امام الطلبة قائلًا في مُجمل كلماته (أبارك لكم اختياركم التعليمي في هذا البلد وعليكم ان تعرفوا انّ أهمّ قوّة تؤثّر علينا هي قوة العلم وراح السفيرُ المحترم يتدرّج في خطابه ويتسلسلُ في إيضاح بيانه إلى أنْ قال: ايهّا الطلبة انظروا إلى جدران هذه القاعة ترونَ قد عُلقّت عليها صُور علماء بولندا تكريمًا واحترامًا وتعظيما لهم وهذا التكريم العظيم يجب ان تحملوه على شغاف قلوبكم ليكون عندكم موضع تأثيرٍ وفخرٍ واعتزاز لعلمائكم وليس لشيئٍ آخر) فعلمتُ انّ البلاء قد نزل على هذا السفير المسكين الذي يدعو بصورة غير مباشرة لتعليق صور العلماء في الجامعات والمعاهد العراقية بدلًا من صور النظام البائد وفعلًا لم أرهُ فيما بعد ولا أدري كيف انتهت ايامّه وحياته! وهكذا توالت سنين المحنة والغربة وامتلئت ساحات المَهاجر بالعراقييّن اكثرهُم حمَلة الشهادات ضحّوا بشهاداتهم ولم يعودوا إلى الوطن لتفادي المحرقة التي تُحيط بالعراق لاسيمّا والبلد يشتعلُ بالحروب والحصار والجوع والظُلم حتى سقط النظام وجاء مَنْ جاءْ بعده للحُكم ورجع بعض حملة الشهادات الذين أتعبتهم ساحة المهجر ليتفاجئوا ويَروا وجه العراق من سيئ إلى أسوء ومن كارثة إلى اخرى وقد تكالبت عليه بعض عصابات الجهلة والاُمييّن يحتلّون مواقع حساسّة لقيادته حولوّهُ إلى دولة فاشلة تقريبًا ، واني كنتُ في زيارة احدى الدول الاوربية وجاء السفير العراقي والملحق الثقافي للحضور في مجلسي كلٌّ منهما يحملُ شهادة دكتوراه ومن خلال أحاديثهم وإسلوبهم الهابط يبدوا أنّهُم يحملون شهادات مُزورّة يؤسفني ان أكمل ما شاهدته لكنّي أقول (ولو عشتَ أراكَ الدهرُ عجبا)!
مازن السهلاني
أميركا
