الشيخ مازن السهلاني

Loading

رحلتي إلى بولندا / الحلقة الثالثة
١٩٨٠ – ١٩٨٦
بدأتُ الدراسة في معهد اللغة البولندية بتاريخ ١٩٨٠/٩/١٥ وقد تميز التعليم البولندي بمكانة عالية في مختلف الفروع العلمية والإنسانية والثقافية ، كانت تكاليف الدراسة والمعيشة في ظلّ النظام الاشتراكي عام ١٩٨٠ غير باهضة قياسًا بالدول الاوربية الأخرى ولا اعتقد انّ احدًا درس في بولندا ولم يوفّق للحصول على شهادة من احدى جامعاتها حتى وان تعثّرت مسيرتهُ الدراسية سنة او اكثر نتيجة صعوبة اللغة او مواجهة تحديّات الغربة والهجرة او ظروف إجتماعية مُعينّة ألمّت به إلا ما شذّ ونَدرْ ، التعليم مُنظّم ومُرتّب ولعلّ معهد اللغة في مدينة وودچ كان من ارقى المعاهد في داخل بولندا لخبرته الطويلة وكفاءة أساتذتهْ وادارته ، تأسسّ في عام ١٩٥٢ وكان الوحيد الذي يملك صلاحية تأهيل الطلبة الاجانب لدراسة الطب في جامعات بولندا، كانت تحصل في داخل الصف الدراسي طرائف كثيرة بسبب صعوبة اللغة وعدم سلامة النُطق بالشكل الصحيح والأساتذة اكثرهُم يستوعبون ذلك ويتفاعلون بإبتساماتهم الجميلة في تشجيع الطلبة وإعدادهم نحو الأفضل ، كان صَفُّنا الدراسي يحتوي على اثني عشر طالبًا أتذكّرُ بعض الاخوة العراقيين (زيد الياسري ، سلام مهدي ، ثمّ التحق معنا في النصف الثاني من الدراسة الاخ جبّار مجيد) كانت اعداد الطلبة العراقيين كثيرة ما بين طلبة الدراسات الأولية والدراسات العُليا وبالتأكيد هناكَ مَن لَمَعَ نجمهُ وازدهرت ميادين أعماله بمسيرته العلمية والثقافية وسجلّ لهُ تاريخًا مُشعًّا بالعطاء ومَجدًا حافلًا بالإحسان والأخلاق الفاضلة ، ونتيجة هذه الأعداد تشكلّ فريق لكرة القدم وآخر لكرة السلّة وبدأ البعض يبرز مهارته للغة البولندية وإتقانه لمفرداتها من خلال دراسته او من خلال علاقات اجتماعية لهُ في وسط المجتمع البولندي المجتمع الذي يتسّم بالنظافة والأناقة والضيافة ولَكَ انْ تُعبِّر عن المجتمع البولندي بإنصاف عمّا شاهدتَ بعينيكْ ، المجتمع الذي تزدحمُ به الكنائس صباح يوم الاحد يخرجُ آنذاك مُلمعًّا بأجمل الثياب نساءًا ورجالًا صغارًا وكبارًا لأداء الصلاة والحفاظ على طقوسه الدينية. كان معهد اللغة مُزوّد بمطعم يقدّم ثلاث وجبات للطعام بأسعار رخيصة لم أتناول الطعام فيه الاّ عندما يكون يوم اعداد السمك وكان صعب الحصول على اللحم الحلال ولا يوجد اي مطعم إسلامي في المدينة آنذاك وكلُّ واحد يُفسّر برأيه تطبيق قاعدة (عندَ الضرورات تُباح المحضورات) ، نعم كانت ايام الدراسة جميلة وانا واثق انّ كلّ مَن عاشها واستفاد منها يحنُّ ويشتاقُ اليها رغم انّ الوضع الشبابي يقترنُ بالمغامرات وأحيانًا بالأخطاء وهذا امر طبيعي لا ينكرهُ انسانٌ سَويْ لانّ الانسان يعيش صراع نفسي قد يعشق هواه تارةً ثم يحزَن ويتأسّى او يؤمن بفكرة مُعينّة سرعان ما يتخلّى عنها بفكرةٍ اخرى ، إنّها أوقات لن يقوى الزمن على إعادتها لانّ بولندا التي تركتُها عام ١٩٨٦ وعدتُ لزيارتها عام ٢٠١٩ بعد ثلاثة وثلاثين عامًا ، كُنتُ قادمًا للتبليغ الديني بدعوةٍ من الجالية الكريمة في وارشو رأيتُها قد تغيرّت تمامًا واصبحت عالم مختلف عمّا كانت عليه ايام العهد الاشتراكي ولو إنّي استقرأ آراء جميع خريجّي جامعاتها عن تلك الأوقات لوجدت الإجابات قريبة من بعضها البعض. هناك ذكريات طيبّة حصلت ايام دراستنا للغة البولندية لابدّ من ذِكرها وتسجيلها ففيها دروسٌ وعِبَرٌ ينظر لها كُلّ واحد بمنظار مُعيّن؛ منها السفرة السنوية لطلبة المعهد إلى مدينة كراكوف جنوب بولندا وكانت السفرة لمدة يومين او ثلاثة ايام ، اول محطّة توقفنّا فيها Oświęcim وتكتب بالانگليزية Oshpitzin المدينة التي تحولّت إلى ثلاث معسكرات كبيرة ترى فيها المحرقة التي قام بها هتلر النازي ضّد اليهود والمعروفة (بالهولوكوست) بعضنا اعتبرها امر مُبالغ فيه والبعض أيّدها لاقتناعه بما شاهد من جرائم الدكتاتورية المقيتة ثُمّ واصلنا رحلتنا إلى مدينة كراكوف التي كانت عاصمة بولندا حتى بداية القرن السادس عشر زرنا فيها القلعة المَلَكية وكتدرائية ڤاڤل Wawel Cathedral محلّ اقامة الملوك , ورأينا تمثال الشاعر Adam Mickiewicz أعظم شاعر في تاريخ الأدب البولندي وهنا يدرك الزائر التاريخ الثمين لهذا البلد العظيم المليئ بالأحداث وعباقرة العلم والفن ثمّ عرَّجنا على مَعْلَم جميل يسمّى (المَنجم الملحي) في منطقة Wieliczka وهو على عُمق ٣٠٠ متر تحت الارض يحتوي على بحيرة ملحية وتماثيل مصنوعة من الصخور الملحية بصورة فنيّة رائعة خصوصًا النحت الملحي الجميل للعشاء الأخير للسيد المسيح مع حوارييّه ، وجدنا ايضًا مجموعة من المرضى على أسِّرة خُصصّت لهم لعلاج أمراض الجهاز التنفسّي لنقاء الهواء تحت الارض من مُسببّات الحساسيّة والمواد الضارة. غادرنا مدينة كراكوف وكلّ واحد منّا يعاهدُ نفسهُ على تكرار الزيارة لجمال المدينة وطبيعتها الساحرة عائدين إلى مدينة وودچ وتوقفّنا في الطريق بالقرب من العاصمة وارشو في منطقة تُسمّى Żelazowa Wola لزيارة المكان الذي ولد به الموسيقار الشهير شوبنْ Chopin وقد حولّوا المكان إلى متحف لنشر أعماله الفنيّة حيثُ لا تخلو المسارح الأوروبية وغيرها اليوم مِن ذِكر إسمه والاعتزاز بعطاءه وتراثه ، كما تجد كثرة الزائرين تتوافد للاطلاع على أعماله الفنيّة ، وقد تبنّت جامعة فروتسواف غرب بولندا مؤتمرًا سنويّا للتعريف بفنانّي بولندا وأدبائها ومثقفيّها ودور هذه الفنون في صُنع ثقافة السلم العالمي حيثُ شاركَ الشاعر محمد مهدي الجواهري رحمه الله بالحضور في احدى المؤتمرات صيف ١٩٨٦ قادمًا من محلّ هجرته مدينة براغ الچيكية. أيضًا من الذكريات التي احتفظ بها وانا في مدينة وودچ زيارة المسلمين البولنديين في منطقتي Kruszyniany و Bohoniki قرب مدينة بياويستوگ شرق بولندا ، المدينة التي برز منها الدكتور Ludwik Zamenhof أولّ طبيب عيون في بولندا في القرن الثامن عشر وسأتحدث عن تلك الرحلة في حلقات قادمة ان شاء الله.
طابتْ اوقاتكُم خيرًا وبركةً وسعادة🌻

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *